يزيد وقداسة دم الحسين عند مدرسة الصحابة PDF چاپ نامه الکترونیک
جمعه ۱۷ خرداد ۱۳۹۲ ساعت ۱۴:۰۵

يزيد وقداسة دم الحسين عند مدرسة الصحابة

المبحث الأول: شخصية يزيد عند مدرسة الصحابة

المبحث الثاني: قداسة دم الحسين وتربة كربلاء عند مدرسة الصحابة

المبحث الأول: شخصية يزيد عند مدرسة الصحابة

لقد رأينا سابقاً كيف أن ابن تيمية أراد احتكار تمثيل >أهل السنة< وهو يتحدث عن شخصية يزيد بن معاوية، فهل من الصحيح أن جميع >أهل السنة< يشاطرونه الرأي أم أنه رأيه الخاص فقط ورأي الاتجاه الذي يمثّله؟

سنكتفي بالتدليل على الشقّ الثاني من السؤال دون استيعاب في سرد جميع الآراء والأقوال؛ لأن غرضنا هو بيان خطأ ادّعاء ابن تيمية، وإثبات أن وجهة نظره لا يعتنقها إلا فريق شاذّ يصطفّون جميعاً في مدرسة الإسلام الأموي.

سأنقل أربع كلمات لأربعة من أكبر علماء المسلمين المنتسبين إلى أهل السنة، أقدِّم ثلاثة منهم الآن وأؤخّر الكلمة الرابعة إلى خاتمة هذا البحث؛ وذلك نظراً لاستيعابها لموقف علماء السنة بنحو مفصّل وشديد الوضوح.

الكلمة الأولى: وهي لـ (الشيخ، الإمام، العلامة، الحافظ، المفسّر، شيخ الإسلام، مَفْخَر العراق)، (صاحب التصانيف المشهورة في أنواع العلوم من التفسير، والحديث، والفقه، والوعظ، والزهد، والتاريخ، والطب، وغير ذلك)([1])، أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي البغدادي(ت 597 هـ) ـ وقد أشرنا سابقاً إلى أنه أفرد كتاباً في يزيد أسماه: >الرد على المتعصب العنيد المانع من ذمّ يزيد< ـ حيث قال:

(من الاعتقادات العامة التي غلبت على جماعة منتسبين إلى السنة، أن يقولوا: إن يزيد كان على الصواب، وإن الحسين (رضي الله تعالى عنه) أخطأ في الخروج عليه، ولو نظروا في السير لعلموا كيف عُقدت له البيعة وألزم الناس بها، ولقد فعل في ذلك كلّ قبيح. ثم لو قدَّرنا صحّة عقد البيعة، فقد بدت منه بوادٍ كلُّها توجب فسخ العقد؛ ولا يميل إلى ذلك إلا كلّ جاهل عاميّ المذهب يظنّ أنه يغيظ بذلك الرافضة)([2]).

الكلمة الثانية: وهي من أشهر ما قيل عن يزيد في كلمات علماء أهل السنّة، صدرت عن شخصية فكرية مرموقة، ومن ألمع علماء علم الكلام في الإسلام، أعني به: العلامة سعد الدين التفتازاني (ت 793هـ)، فقد قال في كتابه (شرح العقائد النسفية) ما يلي:

(والحق أن رضا يزيد بقتل الحسين، واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت النبي (عليه السلام) مما تواتر معناه، وإن كان تفاصيلها آحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه)([3]).

الكلمة الثالثة: وهي للعلامة الحافظ جلال الدين السيوطي (ت 911هـ)، فقد كتب عند ترجمته ليزيد في كتابه (تاريخ الخلفاء)، ما يلي:

(ولما قُتل الحسين وبنو أبيه، بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد، فسّر بقتلهم، ثم ندم لما مقته المسلمون على ذلك وأبغضه الناس، وحقّ لهم أن يبغضوه. [...] وفي سنة ثلاث وستين بلغه أن أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه، فأرسل إليهم جيشاً كثيفاً وأمرهم بقتالهم ثم المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير، فجاءوا وكانت وقعة الحرّة على باب طيبة، وما أدراك ما وقعة الحرة؟! ذكرها الحسن مرّة فقال: والله، ما كاد ينجو منهم أحد، قُتل فيها خلق من الصحابة (رضي الله عنهم) ومن غيرهم، ونهب المدينة وافتضّ فيه ألف عذراء، فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم: >من أخاف أهل المدينة أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين< رواه مسلم)([4]).

وقال أيضاً في كتابه >الديباج< عند شرحه لحديث >ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص، أو ذوب الملح في الماء<: (قال القاضي: هذه الزيادة: وهي قوله: >في النار<، تدفع إشكال الأحاديث التي لم يذكر فيها، وبيّن أن هذا حكمه في الآخرة. قال: وقد يكون المراد به: من أرادها في حياة النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم كُفي المسلمون أمره واضمحلّ كيدُه كما يضمحلّ الرصاص في النار. أو يكون ذلك لمن أرادها في الدنيا فلا يمهله الله، ولا يمكّن له سلطاناً، بل يذهبه الله عن قريب كما انقضى شأنُ من حاربها أيام بني أمية، مثل مسلم بن عقبة، فإنه هلك في منصرفه عنها، ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله على إثر ذلك وغيرهما ممن صنع صنيعهما)([5]).

يزيد أمير الجيش المغفور له

من أهم النقاط التي أثاره ابن تيمية في حديثه عن يزيد، قوله: إن يزيد أمير الجيش الذي غزا القسطنطينية وأن النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: >أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم<([6])، ورتَّب على قوله هذا عدة نتائج خطيرة، منها: أن يزيد مغفور له، ومنها: أن لعنه غير جائز، ومنها: أن الصحابة المشاركين في هذا الجيش رضوا بيزيد أميراً لهم وقاتلوا تحت إمرته، ومنها: أن يزيد إنما غزا بدافع من هذا الحديث ... .

لقد أرسل ابن تيمية كلامه هذا إرسال المسلَّمات، ولم يُظهر أيّ ترديد أو خلاف في ذلك، فهل حقّاً أن الأمر بهذا النحو من الوضوح والإجماع؟ وهل يُسلِّم له بذلك كبار شرّاح الحديث من الأئمّة والحفاظ، ولا سيَّما شرّاح >صحيح البخاري< الذي ورد فيه هذا الحديث؟

يهمّنا من شأن هذا الحديث خصوص الجزء المتعلق منه بيزيد والنظر في صحة كونه منقبة وفضيلة له، كما يحاول ابن تيمية إقناعنا بذلك.

الذي يظهر من كلمات الطبقة الأولى من شرّاح >صحيح البخاري< هو خلاف ذلك، بل إن الخلاف يدبّ في جميع تفاصيل هذه القصة.

أولاً: في زمن وقوعها([7]). فقد قيل إنها وقعت عام (48)([8])، وقيل: 49([9])، وقيل: 50([10])، وقيل: 52([11]).

ثانياً: في إمرة يزيد لهذا الجيش. فقد ذهب ابن الأثير في >الكامل<([12])، وأبو الفداء في >المختصر<([13])، إلى أن أمير الجيش كان سفيان بن عوف، وهو ما نسبه صاحب >المرآة< ـ كما نقله العيني في >عمدة القاريء< ـ إلى الـ >قيل< مصححاً القول بأن إمرة الجيش كانت مع يزيد، وقد ردّ العيني عليه في >عمدة القاريء< مستظهراً أن >سادات الصحابة< لم يكونوا مع يزيد؛ لأنه في نظر العيني ليس أهلاً لأن يكون هؤلاء السادات في خدمته([14]).

قال ابن الأثير في أحدث سنة (49): (في هذه السنة - وقيل: سنة خمسين- سيّر معاوية جيشاً كثيفاً إلى بلاد الروم للغزاة، وجعل عليهم سفيان بن عوف، وأمر ابنه يزيد بالغزاة معهم، فتثاقل واعتلّ، فأمسك عنه أبوه، فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض شديد، فأنشأ يزيد يقول:

ما إن أبالي بما لاقت جموعهم
إذا اتكأتُ على الأنماط مرتفقاً

بالفرقدونة من حمى ومن موم
بدير مران عندي أم كلثوم

وأم كلثوم امرأته، وهي ابنة عبد الله بن عامر.

فبلغ معاوية شعره، فأقسم عليه ليلحقن بسفيان إلى أرض الروم ليصيبه ما أصاب الناس، فسار ومعه جمع كثير أضافهم إليه أبوه، وكان في هذا الجيش ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وغيرهم وعبد العزيز بن زرارة الكلابي، فأوغلوا في بلاد الروم حتى بلغوا القسطنطينية)([15]).

بل نقل ابن حجر عن ابن التين قوله: (يحتمل أن يكون لم يحضر الجيش) وإن ردّ ابن حجر هذا الاحتمال بقول إنه: >مردود<، وأضاف: (إلا أن يريد لم يباشر القتال فيمكن؛ فإنه كان أمير الجيش بالاتفاق)([16]) وقوله: >بالاتفاق< غريب منه بعد ملاحظة ما تقدم أعلاه.

وثالثاً: في شمول المغفرة له. فإن أصل هذه الفكرة - كما يظهر للمتتبع- هو أبو القاسم المهلب بن أحمد بن أبي صفرة الأسدي الأندلسي (ت 435هـ)([17]) الذي ذهب في شرحه لصحيح البخاري على أن في الحديث >منقبة< لمعاوية وولده يزيد، على أن معاصره ومواطنه ابن بطّال القرطبي (ت 449هـ) نقل عبارة المهلب بنحو يختلف عما سترد عليه لدى ابن حجر.

وإليك العبارتين:

ابن بطّال: (قال المهلب: من هذا الحديث فضل لمعاوية؛ لأنه أول من غزا الروم. وابنه يزيد غزا مدينة قيصر)([18]).

ابن حجر: (قال المهلب: في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر)([19]).

ومن الواضح الفرق بين العبارتين؛ لإمكان قراءة حرف الواو في (وابنه) في نقل ابن بطّال على الاستئناف.

وهذا يقودنا إلى التساؤل عن معنى الحديث: هل هو >مجرد استحقاق< أم أنه >شمول فعلي< بالغفران؟ بل حتى من يسلم جدلاً بالشمول فإنه يستثني يزيد منه >لخروجه بدليل خاص< وهو ما ذهب إليه فحول شرّاح الحديث ـ ولا سيَّما >صحيح البخاري< ـ كابن التين وابن المنير والعيني والمناوي، بل وهو ظاهر ابن حجر الذي نقل رأي الأولين دون نقد واعتراض.

قال ابن حجر بعد أن نقل كلام المهلب المتقدم: (وتعقبه بن التين وبن المنير بما حاصله: أنه لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص؛ إذ لا يختلف أهل العلم أن قوله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم: >مغفور لهم<، مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة حتى لو ارتد واحد ممن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم اتفاقاً؛ فدل على أن المراد: مغفور لمن وجد شرط المغفرة فيه منهم)([20]).

وقال العيني (ت 855هـ): (وقال صاحب >المرآة<: والأصح أن يزيد بن معاوية غزا القسطنطينية في سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سيَّر معاوية جيشاً كثيفاً مع سفيان بن عوف إلى القسطنطينية فأوغلوا في بلاد الروم وكان في ذلك الجيش ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري، وتوفّي أبو أيوب في مدة الحصار. قلتُ: الأظهر أن هؤلاء السادات من الصحابة كانوا مع سفيان هذا، ولم يكونوا مع يزيد بن معاوية؛ لأنه لم يكن أهلاً أن يكون هؤلاء السادات في خدمته. وقال المهلب: >في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر<. قلت: أي منقبة كانت ليزيد وحاله مشهور؟! فإن قلت: قال [الضمير يعود عليه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)] في حق هذا الجيش: >مغفور لهم<، قلت: لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص؛ إذ لا يختلف أهل العلم أن قوله: >مغفور لهم< مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة حتى لو ارتدّ واحد ممن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم؛ فدل على أن المراد: مغفور لمن وجد شرط المغفرة فيه منهم)([21]).

وقال المناوي (ت1031هـ) معلقاً على ما ورد في الحديث >مغفور لهم<: (لا يلزم منه كون يزيد بن معاوية مغفوراً له لكونه منهم؛ إذ الغفران مشروط بكون الإنسان من أهل المغفرة، ويزيد ليس كذلك؛ لخروجه بدليل خاص. ويلزم من الجمود على العموم: أن من ارتد ممن غزاها مغفور له، وقد أطلق جمع محققون حل لعن يزيد به حتى قال التفتازاني: >الحق أن رضا يزيد بقتل الحسين، وإهانته أهل البيت مما تواتر معناه، وإن كان تفاصيله آحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه<)([22]).

يتلخص من كل ما تقدم أن فهم ابن تيمية لهذا الحديث وإرساله لكلامه إرسال المسلمات ليس في محله، بل إن أغلب وأهمّ شرّاح الحديث يخالفونه الرأي في ذلك تماماً، حتى وصل الأمر ببعضهم (وهذا ما يمكن أن نعده رابع نقاط الخلاف بشأن هذا الحديث) أن أجاز أن يكون المراد بـ >مدينة قيصر< الواردة في الحديث المدينةَ التي كان >قيصر< بها يوم قال النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) تلك المقالة، وهي مدينة >حمص< التي كانت دار مملكته آنذاك([23]).

هذا ونحن نتكلم بناء على التسليم بصحة كل ما ورد في >صحيح البخاري<، وإلا فإن تراث مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) يخلو من ذلك ويرفض مثل هذه المضامين على إطلاقها.

الآلوسي يُلخِّص موقف علماء أهل السنة من يزيد

لنعد الآن إلى الكلمة الرابعة التي وعدنا القارئ بنقلها؛ وإنما أجَّلنا نقلها لأنها تمثل خير خاتمة لهذا المبحث بما تلخِّصه من موقف >علماء أهل السنّة< من شخصية يزيد ومجمل القضايا التي أشرنا إلى رأي >اتجاه الإسلام الأموي< فيها، ومع أن نصها طويل إلا أنني أفضِّل أن أنقلها كاملة؛ نظراً لأنها كلمة فريدة وجامعة في آن، تنمّ عن دراية وموضوعية كبيرتين، ولأن بعض القرَّاء قد لا يكون بحوزته تفسير الآلوسي >روح المعاني< فتفوته فرصة مطالعة نصه بتمامه.

قال الآلوسي في ذيل تفسيره للآية (23) من (سورة محمد) (صلَّى الله عليه وآله)، وهي قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}، ما يلي:

(واستدل بها أيضاً على جواز لعن يزيد (عليه من الله تعالى ما يستحق)، نقل البرزنجي في >الإشاعة<، والهيثمي في >الصواعق<: (إن الإمام أحمد لما سأله ولده عبد الله عن لعن يزيد، قال: كيف لا يلعن من لعنه الله تعالى في كتابه! فقال عبد الله: قد قرأتُ كتاب الله (عزَّ وجلَّ) فلم أجد فيه لعن يزيد، فقال الإمام: إن الله تعالى يقول: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ} وأيُّ فسادٍ وقطيعةٍ أشد مما فعله يزيد) انتهى.

وهو مبني على جواز لعن العاصي المعيَّن من جماعة لعنوا بالوصف، وفي ذلك خلافٌ؛ فالجمهور على أنه لا يجوز لعن المعيَّن، فاسقاً كان أو ذمّياً، حياً كان أو ميتاً، ولم يعلم موته على الكفر؛ لاحتمال أن يُختَم له أو خُتِم له بالإسلام، بخلاف من علم موته على الكفر كأبي جهل.

وذهب شيخ الإسلام السراج البلقيني إلى جواز لعن العاصي المعيّن لحديث الصحيحين [ ... ].

وفي «الزواجر»: (لو استدلّ لذلك بخبر مسلم: >أنه صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم مرّ بحمار وسم في وجهه، فقال: لعن الله من فعل هذا< لكان أظهر [ ... ] .

وعلى هذا القول لا توقُّف في لعن يزيد لكثرة أوصافه الخبيثة وارتكابه الكبائر في جميع أيام تكليفه؛ ويكفي ما فعله أيام استيلائه بأهل المدينة ومكة [ ... ]، والطامّة الكبرى ما فعله بأهل البيت، ورضاه بقتل الحسين (على جده وعليه الصلاة والسلام)، واستبشاره بذلك، وإهانته لأهل بيته، مما تواتر معناه وإن كانت تفاصيله آحاداً [ ... ]، وقد جزم بكفره وصرّح بلعنه جماعة من العلماء، منهم: الحافظ ناصر السنة ابن الجوزي، وسبقه القاضي أبو يعلى، وقال العلامة التفتازاني: [...]([24]). وممن صرح بلعنه الجلال السيوطي (عليه الرحمة)([25]). وفي >تاريخ ابن الوردي<، وكتاب «الوافي بالوفيات»: أن السبي لما ورد من العراق على يزيد، خرج فلقي الأطفال والنساء من ذرية علي والحسين (رضي الله تعالى عنهما)، والرؤوس على أطراف الرماح، وقد أشرفوا على ثنية جيرون، فلما رآهم نعب غراب، فأنشأ يقول:

لما بدت تلك الحمول وأشرفت
نعب الغراب، فقلتُ: قل أو لا تقل

تلك الرؤوس على شفا جيرون
فقد اقتضيت من الرسول ديوني

يعني: أنه قتل بمن قتله رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم يوم بدر كجدة عتبة وخاله ولد عتبة وغيرهما. وهذا كفر صريح. فإذا صح عنه، فقد كفر به. ومثلًه تمثُّله بقول عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه:

ليت أشياخي ... الأبيات([26])

وأفتى الغزالي (عفا الله عنه) بحرمة لعنه، وتعقَّب السفاريني من الحنابلة نقل البرزنجي والهيثمي السابق عن أحمد (رحمه الله تعالى)، فقال: (المحفوظ عن الإمام أحمد خلاف ما نقلا ، ففي >الفروع< ما نصّه: ومن أصحابنا من أخرج الحجاج عن الإسلام، فيتوجه عليه يزيد ونحوه. ونص أحمد خلاف ذلك، وعليه الأصحاب. ولا يجوز التخصيص باللعنة خلافاً لأبي الحسين، وابن الجوزي، وغيرهما ، وقال شيخ الإسلام ـ يعني، والله تعالى أعلم: ابن تيمية ـ ظاهر كلام أحمد الكراهة. قلت: والمختار ما ذهب إليه ابن الجوزي، وأبو حسين القاضي، ومن وافقهما) انتهى كلام السفاريني.

وأبو بكر بن العربي المالكي (عليه من الله تعالى ما يستحق) أعظم الفرية([27])؛ فزعم أن الحسين قتل بسيف جده صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم، وله من الجهلة موافقون على ذلك {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} [الكهف: 5].

قال ابن الجوزي (عليه الرحمة) في كتابه >السر المصون<: [...]([28]).

هذا ويعلم من جميع ما ذكر اختلاف الناس في أمره؛ فمنهم من يقول: هو مسلمٌ عاصٍ بما صدر منه مع العترة الطاهرة، لكن لا يجوز لعنه، ومنهم من يقول: هو كذلك، ويجوز لعنه مع الكراهة أو بدونها، ومنهم من يقول: هو كافر ملعون، ومنهم من يقول: إنه لم يعص بذلك ولا يجوز لعنه، وقائل هذا ينبغي أن ينظم في سلسلة أنصار يزيد([29]).

وأنا أقول: الذي يغلب على ظنّي أن الخبيث لم يكن مصدّقاً برسالة النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم، وأن مجموع ما فعل مع أهل حرم الله تعالى وأهل حرم نبيه (عليه الصلاة والسلام) وعترته الطيبين الطاهرين، في الحياة وبعد الممات، وما صدر منه من المخازي، ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر، ولا أظن أن أمره كان خافياً على أجلة المسلمين إذ ذاك، ولكن كانوا مغلوبين مقهورين لم يسعهم إلا الصبر ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. ولو سُلِّم أن الخبيث كان مسلماً، فهو مسلم جَمَع من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان، وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين ولو لم يتصور أن يكون له مثل من الفاسقين. والظاهر أنه لم يتب، واحتمال توبته أضعف من إيمانه، ويلحق به ابن زياد، وابن سعد، وجماعة، فلعنة الله (عزَّ وجلَّ) عليهم أجمعين، وعلى أنصارهم، وأعوانهم، وشيعتهم، ومن مال إليهم إلى يوم الدين ما دمعت عين على أبي عبد الله الحسين.

ويعجبني قول شاعر العصر ذو الفضل الجلي، عبد الباقي أفندي العمري الموصلي، وقد سئل عن لعن يزيد اللعين:

يزيد على لعني عريض جنابه

فاغدو به طول المدى ألعن اللعنا

ومن كان يخشى القال والقيل من التصريح بلعن ذلك الضليل، فليقل: >لعن الله (عزَّ وجلَّ) من رضي بقتل الحسين، ومن آذى عترة النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم بغير حقّ، ومن غصبهم حقّهم<، فإنه يكون لاعناً له؛ لدخوله تحت العموم دخولاً أوَّلياً في نفس الأمر، ولا يخالف أحد في جواز اللعن بهذه الألفاظ ونحوها سوى ابن العربي المار ذكره وموافقيه، فإنهم ـ على ظاهر ما نُقل عنهم ـ لا يجوِّزون لعن من رضي بقتل الحسين (رضي الله تعالى عنه)؛ وذلك لعمري هو الضلال البعيد الذي يكاد يزيد على ضلال يزيد)([30]).

أقول: ما عسى الآلوسي أن يقول اليوم لو اطلع على عصرنا هذا الذي تجاوز فيه الكثيرون من أتباع مدرسة ابن العربي ما ذهب إليه كبيرهم وداعيتهم للـ >الضلال البعيد< على حدّ قوله؟ لقد بدأ كلامهم بمنع لعن يزيد لينتهي بهم اليوم إلى الحديث عن كفاءته وكمال مواهبه، واستقامة سيرته، وقيامه بحرمة الشريعة، وعمله بأحكامها، وعدله بين الناس، ونظره في مصالحهم، وجهاده عدوّهم، وتوسيعه آفاق دعوتهم، ورفقه بأفرادهم وجماعاتهم ...


المبحث الثاني: قداسة دم الحسين وتربة كربلاء عند علماء أهل السنة

توطئة

إنما نعرض لهذا البحث لأن المراجِع لما يقوله أعلام الاتجاه الأموي يجد أنهم يسعون جاهدين للتقليل من قيمة واقعة كربلاء منذ وقوعها وحتى يومنا هذا؛ وذلك من خلال عدم إعطائهم بعداً أساسياً لدم سبط رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) الذي أريق فيها، مما يلقي بظلاله (أولاً) على فهمهم لحجم هول المصيبة التي وقعت، و(ثانياً) على إدانة المشاركين في اقترافها، و(ثالثاً) على شرعية فعل المحيين لذكراها.

يقول ابن تيمية: (ومن المعلوم أن عمر بن سعد أمير السرية التي قتلت الحسين، مع ظلمه وتقديمه الدنيا على الدين، لم يصل في المعصية إلى فعل المختار بن أبي عبيد الذي أظهر الانتصار للحسين وقتل قاتله، بل كان هذا أكذب وأعظم ذنباً من عمر بن سعد، فهذا الشيعي شرٌّ من ذلك الناصبي، بل والحجّاج بن يوسف خير من المختار بن أبي عبيد، فإن الحجاج كان مُبيِراً كما سماه النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم يسفك الدماء بغير حق، والمختار كان كذاباً يدّعي النبوة وإتيان جبريل إليه، وهذا الذنب أعظم من قتل النفوس، فإن هذا كفر، وإن كان لم يتب منه كان مرتداً، والفتنة أعظم من القتل)([31]).

أقول: سنعرف لاحقاً مصير هذا التقليل من جريمة عمر بن سعد. أما بشأن الذين حاربوا الإمام الحسين (عليه السلام) فلم يكونوا مجرد >سرية< كما يحلو للشيخ ابن تيمية أن يصفهم، إنما كانوا >جيشاً< يربو تعداده عن أربعة آلاف إذا أضيف له من التحق به من الكوفة كما تنبئنا كتب أهل التاريخ([32])، بل إن الأحاديث النبوية الصحيحة تقول: >أما أن أمّتك ستقتله< كما سنرى ذلك لاحقاً.

وقال أيضاً: (وانقسم الناس بسبب هذا - يوم: عاشوراء الذي قُتل فيه الحسين ـ إلى قسمين: فالشيعة اتّخذته يوم مأتم وحزن يُفعل فيه من المنكرات ما لا يفعله إلا من هو من أجهل الناس وأضلّهم، وقوم اتّخذوه بمنزلة العيد، فصاروا يوسعون فيه: النفقات والأطعمة واللباس، ورووا فيه أحاديث موضوعة [...] وأقبح من ذلك وأعظم ما تفعله الرافضة من اتخاذه مأتماً يقرأ فيه المصرع، وينشد فيه قصائد النياحة، ويعطشون فيه أنفسهم، ويلطمون فيه الخدود، ويشقّون الجيوب، ويدعون فيه بدعوى الجاهلية)([33]).

قال ابن كثير: (ولما كانت الشيعة يصنعون في يوم عاشوراء مأتماً يظهرون فيه الحزن على الحسين بن علي، قابلتهم طائفة أخرى من جهلة أهل السنة، فادعوا أن في اليوم الثامن عشر من المحرم قتل مصعب بن الزبير فعملوا له مأتماً كما تعمل الشيعة للحسين، وزاروا قبره كما يزار قبر الحسين، وهذا من باب مقابلة البدعة ببدعة مثلها، ولا يرفع البدعة إلا السنة الصحيحة) ([34]).

وقال أيضاً: (فكلّ مسلم ينبغي له أن يحزنه هذا الذي وقع من قتله (رضي الله عنه)؛ فإنه من سادات المسلمين وعلماء الصحابة، وابن بنت رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم التي هي أفضل بناته، وقد كان عابداً وشجاعاً وسخياً، ولكن لا يَحسُن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنّع ورياء، وقد كان أبوه أفضل منه، وهم لا يتخذون مقتله مأتماً كيوم مقتل الحسين) ([35]).

إن النصوص التي سنأتي على ذكرها ستوضح عدة أمور نفترض أنها في غاية الأهمية للمسلم الحريص على تجاوز الانحرافات الثلاثة المتقدمة؛ وستعطينا فكرة (أولاً) عن تعامل الرسول (صلَّى الله عليه وآله) مع دم الحسين (عليه السلام)، و(ثانياً) عن تعامله مع التربة التي أريق عليها دمه الشريف الطاهر، تلك التربة التي يقدِّسها أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ويزورونها .. وعندها سيعرف القارئ أن قضية الإمام الحسين (عليه السلام) وثورته ودمه الشريف والتربة التي سفك عليها ليست قضية ابتدعها محبُّو أهل البيت (عليهم السلام)، وإنما هي قضية اهتم بها الوحي الإلهي والنبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) ومن أجلها ذرفت دموع نبي الإسلام الكريم (صلَّى الله عليه وآله)، بل وسيعرف أيضاً أن ما وردنا عنه (صلَّى الله عليه وآله) بشأن دم الإمام الحسين (عليه السلام) لم يرد أن أحداً من الأنبياء قبله فعله بشأن دم أيِّ نبي فضلاً أن يكون وصياً أو ولياً أو صالحاً من الصالحين بل هو من مختصات دم الحسين(عليه السلام).

تبصرة هامة: هل يصح الاعتماد على >الرؤيا< في مثل هذه الأبحاث؟

سيجد القارئ في ثنايا ما تبقّى من دراستنا أننا ننقل بعض الأخبار التي هي عبارة عن >رؤيا<, فيتساءل في نفسه: هل تغيّرت اشتراطاتنا المنهجية التي نوّهنا عليها في بداية هذه الدراسة؟

جوابنا هو: كلا، لم يتغير منها شيء، وما زلنا متمسكين بما اشترطناه على أنفسنا من معايير منهجية قامت عليها هذه الدراسة، وإن الأخبار التي سنوردها قد جاءت متطابقة مع ذلك الالتزام وننقلها من نفس المصادر التي تقدم نقلنا عنها، لكن مع ذلك أرى أن من الواجب علينا الإجابة على السؤال الذي وضعناه عنواناً لهذه التبصرة, وهنا يلزم تذكير القارئ الكريم بملاحظتين مهمتين:

الملاحظة الأولى: لقد ثبت في مباحث أصول الفقه أن رؤيا شخص رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في المنام ليس حجة في بيان الأحكام الشرعية للمكلفين، وأن إثبات أحكام الشريعة له طرقه الخاصة التي ليس منها >الرؤيا< وتفصيل ذلك موكول إلى محله من تلك الأبحاث.

الملاحظة الثانية: أن الرؤيا في غير تلك المجالات تُعد حجةً ودليلاً وفق المنهجية الإسلامية, ولكن ضمن شروط ومحددات صارمة لابد أن تأخذ بنظر الاعتبار؛ أهمها أن يكون صاحب الرؤيا ممن رأى في حياته النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حسياً وعرف شخصه الشريف. أما من لم يعرف شخص النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، كمن يدّعي رؤيته (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بعد رحيله، وهو حال جميع من تأخر زمنياً على رحيله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فإن رؤياه تلك لا تشملها النتائج المترتبة على الرؤيا في القسم الأول، إنما يكون حالها كحال أيّ رؤيا أخرى: قد تكون حقاً وقد تكون أضغاثاً.

أما بقية شروط صحة الرؤيا كاشتراط الدقة في النقل، أو صدق صاحب الرؤيا، فهي شروط تتساوى فيها جميع الرؤى ولا يختلف عليها في أي رؤيا من كلا القسمين.

وهذا الذي ذكرناه هو ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر في ذيل شرحه لحديث: >من رآني في المنام فسيراني في اليقضة ولا يتمثل الشيطان بي<, فبعد أن عرض لخلاف العلماء في المسألة، قال: >قلت: ويظهر لي في التوفيق بين جميع ما ذكروه، أن من رآه على صفة أو أكثر مما يختص به، فقد رآه، ولو كانت سائر الصفات مخالفة. وعلى ذلك فتتفاوت رؤيا من رآه: فمن رآه على هيئته الكاملة، فرؤيا الحق الذي لا يحتاج إلى تعبير، وعليها يتنزل قوله: >فقد رأى الحق<. ومهما نقص من صفاته فيدخل التأويل بحسب ذلك, ويصح إطلاق أن كل من رآه في أي حالة كانت من ذلك فقد رآه حقيقة<([36]).

وقد طرح على الشيخ ابن باز سؤال بهذا الشأن فأجاب: بأن من رآه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في النوم على صورته المعروفة فقد رآه حقاً وأن ذلك من عقيدة المسلمين. وها نحن نورد السؤال وجوابه عليه:

(السؤال: يقول كثير من علمائنا أنه من الممكن أن نرى رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم في المنام وأن رؤيته في المنام حقيقة؛ لأن الشياطين لا يستطيعون أن يتمثلوا بشخصية الرسول صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم وهل مثل هذه العقيدة شرك أم لا؟

الجواب: هذا القول حق, وهو من عقيدة المسلمين وليس فيه شرك؛ لأنه قد ثبت عن النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم أنّه قال: >من رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي< متفق على صحته. فهذا الحديث الصحيح يدل على أنّه صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم قد يُرى في النوم, وأنّه من رآه في النوم على صورته المعروفة فقد رآه؛ فإن الشيطان لا يتمثل في صورته, ولكن لا يلزم أن يكون الرائي من الصالحين, ولا يجوز أن يعتمد عليها في شيء يخالف ما علم من الشرع, بل يجب عرض ما سمعه الرائي من النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم من أوامر أو نواههٍ أو خبر أو غير ذلك من الأمور التي يسمعها أو يراها الرائي للرسول صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم على الكتاب والسنة الصحيحة، فما وافقهما أو أحدهما قُبل، وما خالفهما أو أحدهما تُرك<([37]).

إذن؛ فالأخبار التي سنذكرها والتي تنصّ على رؤية النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في المنام ـ وأغلبها عن ابن عباس الذي يعرف صورة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ـ هي أخبار مقبولة عند طوائف المسلمين، لا يشكّون في مضمونها وفقاً للشروط أعلاه؛ وخير دليل على ذلك ورودها في أهم كتب الحديث لديهم كما سنرى.

أولاً: قداسة دم الإمام الحسين (عليه السلام)

وهو ما أوضحته الكثير من الأخبار .. وهذه نماذج منها:

1. ما جاء في >مسند الإمام أحمد<, قال: >حدثنا عبد الرحمن, حدثنا حماد بن سلمة, عن عمار بن أبي عمار, عن ابن عباس, قال: رأيت النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم في المنام بنصف النهار أشعت أغبر معه قارورة فيه دم يلتقطه أو تتّبع فيها شيئاً, قال: قلت: يا رسول الله, ما هذا؟ قال: دم الحسين وأصحابه لم أزل أتتبّعه منذ اليوم. قال عمار: فحفظنا ذلك اليوم فوجدناه قتل ذلك اليوم<([38]).

قال محقق الكتاب: (إسناده قوي على شرط مسلم. وأخرجه الطبراني, والحاكم من طرق عن حماد بن سلمة, بهذا الإسناد. وصححه الحاكم على شرط المسلم ووافقه الذهبي)([39]).

2. ما ورد في >فضائل الصحابة< له أيضاً، قال: (حدثنا عبد الله, قال: حدثني أبي: حدثنا عبد الرحمن, حدثنا حماد بن سلمة, عن عمار هو ابن أبي عمار, عن ابن عباس, قال: >رأيت النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم في المنام بنصف النهار أشعث أغبر, معه قارورة فيها دم يلتقطه, أو تبتعه فيها شيئاً. قلت: يا رسول الله, ما هذا؟ قال: دم الحسين وأصحابه لم أزل أتتبعه منذ اليوم. قال عمّار: فحفظنا ذلك فوجدناه قتل ذلك اليوم (عليه السلام))([40]).

علّق محقق الكتاب وصي الله بن محمد عباس قائلاً: (إسناده صحيح).

3. ما ورد في >إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة<, قال: (عن عمار بن أبي عمار, عن ابن عباس(رضي الله عنهما), قال: رأيت النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم فيما يرى النائم بنصف النهار وهو قائم أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم. فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا؟ قال: >هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم<. قال: فحفظنا ذلك فوجدناه قبل ذلك)([41]).

ثم علّق البوصيري (مؤلّف الكتاب) قائلاً: (رواه أبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل, وأحمد بن منيع, وعبد بن حميد بسند صحيح).

4. ما جاء في >البداية والنهاية<, قال: (وقال الإمام أحمد: ...) وينقل الحديث الذي ذكرناه أولاً, ثم يقول: (وإسناده قوي)([42]).

5. ما ورد في >سير أعلام النبلاء<, قال: (حماد بن سلمة, عن عمار بن أبي عمار, عن ابن عباس: رأيت رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم في النوم نصف النهار, أشعث أغبر, وبيده قارورة فيها دم. قلت: يا رسول الله, ما هذا؟ قال: >هذا دم الحسين وأصحابه, لم أزل منذ اليوم ألتقطه<. فأحصي ذلك اليوم, فوجدوه قُتل يومئذٍ)([43]).

قال شعيب الأرنؤوط (الذي خرَّج أحاديث الكتاب): (أخرجه أحمد, والطبراني, وسنده قويّ كما قال الحافظ ابن كثير في البداية, وهو في تهذيب ابن عساكر).

ثانياً: قداسة تربة الإمام الحسين (عليه السلام)

وهو ما بيَّنته الكثير من الأخبار أيضاً .. وهذه نماذج منها:

1. ما جاء في >مسند الإمام أحمد<, قال: (حدثنا وكيع, قال: حدثني عبد الله بن سعيد, عن أبيه, عن عائشة أو أم سلمة, قال وكيع: شك هو, يعني عبد الله بن سعيد, أن النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم قال لأحدهما: لقد دخل عليّ البيت ملك لم يدخل عليّ قبلها, فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول, وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يُقتل فيها, قال: فأخرج تربة حمراء)([44]).

قال محققو الكتاب: (حديث حسن بطرقه وشواهده)([45]).

2. ما ورد في >فضائل الصحابة< له أيضاً, قال: (حدثنا عبد الله, قال: حدثني أبي, قال: حدثنا وكيع, قال: حدثني عبد الله بن سعيد, عن أبيه, عن عائشة أو أم سلمة, قال وكيع: شك هو أن النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم قال لأحدهما: لقد دخل عليّ البيت مَلك لم يدخل عليّ قبلها, فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول, فإن شئت آتيك من تُربة الأرض التي يقتل بها, قال: فأخرج إليّ تربة حمراء)([46]).

قال وصي الله بن محمد عباس محقق الكتاب: (إسناده صحيح).

3. ما ورد في >مسند أبي يعلى الموصلي<, قال: (حدثنا أبو خثيمة, حدثنا محمد بن عبيد, أخبرنا شرحبيل بن مدرك, عن عبد الله بن نُجَيٍّ, عن أبيه: أنه سار مع علي, وكان صاحب مِطْهَرَتِه, فلما حاذى نينوى, وهو منطلق إلى صفّين, فنادى علي: اصبر أبا عبد الله، إصبر أبا عبد الله بشطّ الفرات, قلتُ: وماذا يا أبا عبد الله؟ قال: دخلتُ على النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم ذات يومٍ وعيناه تفيضان, قال: قلت: يا نبي الله, أغضبك أحدٌ؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: >بل قادم من عندي جبريل قبلُ, فحدثني أن الحسين يُقتل بشط الفرات< قال: فقال: >هل لك أن أُشِمَّك من تربته؟< قال: قلتُ: نعم, قال: >فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها, فلم أملك عينيَّ أن فاضتا)([47]).

قال حسين سليم أسد محقق الكتاب: (إسناده حسن [...] وأخرجه أحمد من طريق محمد بن عبيد بهذا الإسناد. وذكره الهيثمي في >مجمع الزوائد< وقال: رواه أحمد, وأبو يعلى, والبزار, ورجاله ثقات)([48]).

4. ما جاء في >مسند أبي يعلى الموصلي< أيضاً, قال: (حدثنا شيبان, حدثنا عمارة بن زاذان, حدثنا ثابت البناني, عن أنس بن مالك, قال: (استأذن مَلَك القطر ربَّه أن يزور النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم, فأذن له, وكان في يوم أم سلمة, فقال النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم: فبينما هي على الباب إذ جاء الحسين بن علي فاقتحم, ففتح الباب فدخل, فجعل النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم يلتزمه ويُقبّله. فقال الملك: أتحبّه؟ فقال: نعم, قال: إن أمّتك ستقتله, إن شيئت أريتك المكان الذي تقتله فيه, قال: نعم, قال: فقبض قبضة من المكان الذي قُتل به فأراه فجاء سهلة أو تراب أحمر. فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها. قال ثابت: فكنا نقول: إنها كربلاء)([49]).

وعلّق محقق الكتاب بقوله: (إسناده حسن كما بيّناه عند الحديث (3398). وصحّحه ابن حبّان برقم (2241) موارد من طريق الحسن بن سفيان, حدثنا شيبان بن فروخ, بهذا الإسناد [...] )([50]).

5. ما جاء في >صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان<, قال: (أخبرنا الحسن بن سفيان, قال: حدثنا شيبان بن فروخ, قال: حدثنا عمارة بن زاذان, قال: قال: حدثنا ثابت, عن أنس بن مالك, قال: استأذن ملك القطر ربَّه أن يزور النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم, فأذن له, فكان في يوم أم سلمة, فقال النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم: إحفظي علينا الباب, لا يدخل علينا أحد. فبينا هي على الباب إذ جاء الحسين بن علي, فظفر, فاقتحم, ففتح الباب فدخل, فجعل يتوثّب على ظهر النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم وجعل النبي يلثمه ويقبّله, فقال له الملك: أتحبّه؟ قال: نعم, قال: أما إن أمّتك ستقتله. إن شئت أريتك المكان الذي يُقتل فيه؟ قال: نعم, فقبض قبضة من المكان الذي يُقتل فيه, فأراه إيّاه فجاءه بسهلةٍ أو ترابٍ أحمر, فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها, قال ثابت: كنا نقول: إنها كربلاء)([51]).

قال محقق الكتاب شعيب الارنؤوط: (حديث حسن, إسناده ضعيف [...])، ثم يذكر طرق الحديث ومصادره التي حملته على تحسينه.

6. ما ورد في >مجمع الزوائد ومنبع الفوائد<, قال: (عن أنس بن مالك: أن ملك القطر استاذن [ربه] أن يأتي النبي (صلَّى الله عليه و سلَّم) فأذن له، فقال لأم سلمة : >املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد<. قال: وجاء الحسين بن علي ليدخل فمنعته، فوثب فدخل فجعل يقعد على ظهر النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم وعلى منكبه وعلى عاتقه. قال : فقال الملك للنبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم: أتحبّه؟ قال : >نعم<. قال: إما أن أمّتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل به. فضرب بيده فجاء بطينة حمراء، فأخذتها أم سلمة، فصرَّتها في خمارها. قال ثابت : بلغنا أنها كربلاء)([52]).

قال الحافظ الهيثمي: (رواه أحمد وأبو يعلى والبزاز والطبراني بأسانيد, وفيها: عمارة بن زادان, وثّقه جماعة, وفيه ضعف, وبقية رجال أبي يعلى [وهو الحديث الرابع وفق ترتيبنا] رجال الصحيح).

ثم يورد تحت رقم (15112) الحديث الثالث بترتيبنا، فيقول: (رواه أحمد وأبو يعلى والبزاز والطبراني ورجاله ثقات ولم ينفرد نجي بهذا)([53]).

وكذلك يورد تحت رقم (15113) الحديث الأول بترتيبنا ثم يعلّق قائلاً: (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح)([54]).

7. ما جاء في >تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام<, قال: (وقال وكيع: حدثنا عبد الله بن سعيد, عن أبيه, عن عائشة أو أم سلمة, شك عبد الله, أن النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم قال لها: دخل عليَّ ملك لم يدخل عليّ قبلها, فقال لي: إن ابنك هذا حسيناً مقتول, وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها)([55]).

ثم قال: (رواه عبد الرزاق, عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند مثله, إلا أنه قال: أم سلمة، ولم يشك. وإسناده صحيح, رواه أحمد والناس)([56]).

وهو نفسه أورده أيضاً في كتابه >سير أعلام النبلاء<([57]).

8. ما جاء في >صحيح الجامع الصغير<، فقد ذكر حديث: (أتاني جبريل, فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا, يعني الحسين, وأتاني بتربة من تربته حمراء)([58])، وقال: >صحيح<.

9. ما ورد في >سلسلة الأحاديث الصحيحة<, وهو حديث: (أتاني جبريل (عليه الصلاة والسلام) فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا (يعني: الحسين). فقلت: هذا؟ فقال: نعم, وأتاني بتربة من تربته حمراء).

ثم قال: (أخرجه الحاكم, وعنه البيهقي في >الدلائل<، عن محمد بن مصعب, حدثنا الأوزاعي، عن أبي عمار شداد بن عبد الله, عن أم الفضل بنت الحادث: >أنها دخلت على رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم فقال: يا رسول الله: إني رأيت حلماً منكراً الليلة ، قال: و ما هو ؟ قالت: إنه شديد، قال: و ما هو؟ قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري، فقال: رأيتِ خيراً ، تلد فاطمة إن شاء الله غلاماً فيكون في حجرك، فولدت فاطمة الحسين، فكان في حجري كما قال رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم، فدخلت يوماً إلى رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم فوضعته في حجره، ثم حانت منّي التفاتة فإذا عينا رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم تهريقان من الدموع، قالت: فقلت : يا نبي الله بأبي أنت و أمي ما لك ؟ ...< فذكره) أي: فذكر الحاكم بقية الحديث المحلّ البحث.

وثَمَّ ينقل ما قاله الذهبي من أن هذا الحديث منقطع ضعيف، فيعلِّق قائلاً: (قلت: لكن له شواهد عديدة تشهد لصحته [....])([59]).

10. ما جاء في >سلسلة الأحاديث الصحيحة< أيضاً, حيث أورد حديث: (قام من عندي جبريل قبل, فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات)([60]).

وهو الحديث الثالث بحسب ترتيبنا, ثم قال معلقاً على سنده: (قلتُ: وهذا إسناد ضعيف, نجي والد عبد الله لا يدرى من هو، كما قال الذهبي, ولم يوثّقه غير ابن حبان, وابنه أشهر منه, فمن صحَّح هذا الإسناد فقد وهم)([61]).

إلا أنه يعلق على ما قاله الهيثمي - وما قاله نقلناه سابقاً- بشأن هذا الحديث وما ورد في عبارته من قوله: >ورجاله ثقات< بقوله: (قلت: يعني أن له شواهد تقويه, وهو كذلك)([62]). ثم يشرع في بيان طرق هذا الحديث فيوصلها إلى ستة ليقول بعد ذلك: (قلت: وبالجملة فالحديث المذكور أعلاه والمترجم له, صحيحٌ بمجموع هذه الطرق, وإن كانت مفرداتها لا تخلو من ضعف, ولكنه ضعف يسير, لاسيّما وبعضها قد حسَّنه الهيثمي)([63]).

الخلاصة

لقد أعرضنا عن قصد عن سرد جميع المصادر التي تضمنت الإشارة إلى قداسة تربة كربلاء؛ إذ لم يكن في نيتنا استيعابها جميعاً وإنما أردنا مجرد التدليل على هذه الحقيقة فقط. ومما أوردناه يتضح أن موضوع قداسة التربة التي قتل فيها سبط رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مما تواترت على تبيانه الأخبار النبوية الشريفة.

لقد ذهب ابن حزم في كتابه >المحلى< إلى عدم وجوب شراء الماء للوضوء أو للغسل، وحرمة الوضوء به والغسل لمن اشتراه؛ مستدلاً على ذلك بنهي النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عن بيع الماء، وبعد سرده لعدة روايات وردت في ذلك عن أربعة من الصحابة، يقول: (فهؤلاء أربعة من الصحابة، فهو نقل تواتر لا تحل مخالفته)([64]).

أقول: إذا كان ما يقوله ابن حزم من أن ما يُنقل عن أربعة من الصحابة يصبح نقلاً >متواتراً< صحيحاً، وهو ما نختلف معه فيه على تفصيلٍ محلُّه أبحاثنا من أصول الفقه، فما بالك بموضوع الروايات التي ذكرنا بعضها والتي نقلت ـ وفي الغالب بطرق متعددة ـ عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والإمام الحسين، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأم سلمة، وعائشة، وأم الفضل .. وغيرهم! حتى قال الذهبي عن بعض طرقه (انظر الحديث السابع): (رواه أحمد والناس).

وعلى أية حال، فمن الأفضل لنا الآن أن ننصرف لبيان ما تضمّنته هذه الروايات من خصوصيات التربة التي قتل عليها سبط رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهو ما نضعه ضمن عدة نقاط نختم بها دراستنا هذه:

النقطة الأولى: أن تربة مقتله (عليه السلام) جاء بها جبرائيل.

النقطة الثانية: أن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بكى بكاء شديداً (فاضت عيناه أو أهرقتا أو لم يتمالكهما) لما جيء بتربة الحسين له (سنّة عملية تشرع البكاء).

النقطة الثالثة: أن التربة تحولت إثر مقتل الإمام (عليه السلام) وصارت >حمراء<.

النقطة الرابعة: أن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) >أراد رؤية< تلك التربة التي قُتل به الإمام (عليه السلام)، و>شمَّها< (وهذه سنن نبوية صحيحة).

النقطة الخامسة: أن أم سلمة (رضوان الله عليها) تناولت هذه القطعة من التراب فجعلتها في ثوبها أو صرَّتها في خمارها واحتفظت بها بمرأى ومسمع من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) (وهذا تقرير منه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)([65]).



([1]) الذهبي، سير أعلام النبلاء، مصدر سابق، ج21، ص ص 365-366.

([2]) نقله الآلوسي في تفسيره عن كتاب ابن الجوزي >السرّ المصون<، انظر: الآلوسي، أبو الفضل شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني البغدادي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، [بلا تاريخ]، ج 26، ص 73.

([3]) التفتازاني، سعد الدين محمود بن عمر، شرح العقائد النسفية، تحقيق: أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، ط1، 1407هـ - 1987م، ص103.

([4]) السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، تاريخ الخلفاء، دار ابن حزم، بيروت، ط1، 1324هـ - 2003م، ص166- 167.

([5]) السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، حقَّقه وعلَّق عليه: أبو إسحاق الحويني الأثري، دار ابن عفان، السعودية، ط1، 1416هـ - 1996م، ج3، ص407، ح1364.

([6]) ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، مصدر سابق، ج4، ص544، وص572. لم يرد الحديث بهذا اللفظ، وهذا دليل على أن ابن تيمية ينقل من حفظه؛ ولذا نجد الكثير من أحكامه على الأحاديث تخلو من الدقة، ولفظ الحديث هو: (أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم). راجع: البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، اعتنى به: أبو صهيب الكرمي، بيت الأفكار الدولية، 1419هـ - 1998م، كتاب الجهاد والسَّير، باب: ما قيل في قتال الروم، ح2924، ص561.

([7]) لا يفهم من كلامنا أننا نشكك في وقع غزوة القسطنطينية، بل ما نريد قوله هو أن هذه القضية وبجميع تفاصيلها (بما في ذلك زمن وقوعها) محل خلاف ونقاش، وليس كما يبدو من كلمات ابن تيمية أن الغزوة، وبجميع تفاصيلها، محلّ اتفاق وتسالم.

([8]) أبو الفداء، عماد الدين إسماعيل بن علي، المختصر في أخبار البشر، تحقيق: محمد زينهم محمد عزب، ويحيى سيد حسين ومحمد فخري الوصيف، دار المعارف، القاهرة، ج1، ح [مهمل من التاريخ]، ج1، ص231,

([9]) الطبري، تاريخ الرسل والملوك، مصدر سابق، ج5، ص232.

([10]) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، مصدر سابق، ج3، ص314.

([11]) ابن حجر، فتح الباري، مصدر سابق، ج6، ص103.

([12]) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، مصدر سابق، ج3، ص314.

([13]) أبو الفداء، المختصر في أخبار البشر، مصدر سابق، ج1، ص231.

([14]) العيني، أبو محمد بدر الدين محمود بن أحمد، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ضبطه وصحّحه: عبد الله محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1421هـ - 2001م، ج14، ص277- 278.

([15]) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، مصدر سابق، ج3، ص314. ابن خلدون، ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ المغرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، تحقيق: خليل شحادة، دار الفكر- بيروت، ط2، 1408 هـ- 1988 م: ج3، ص12. وفيه: (وندب [معاوية] يزيد معهم فتثاقل فتركه، ثم بلغ الناس أن الغزاة أصابهم جوع ومرض، وبلغ معاوية أن يزيد أنشد في ذلك ...).

([16]) ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، مصدر سابق، ج6، ص 102- 103.

([17]) انظر ترجمته في: الذهبي، سير أعلام النبلاء، مصدر سابق، ج 17، ص579.

([18]) ابن بطّال، أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك، شرح صحيح البخاري، ضبط نصه وعلّق عليه: أبو تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشيد – الرياض، [مهمل في التاريخ]، ج5، ص107.

([19]) ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، مصدر سابق: ص102.

([20]) ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، مصدر سابق، ج6، ص102- 103.

([21]) العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، مصدر سابق، ج4، ص277- 278.

([22]) المناوي، عبد الرؤوف، فيض القدير شرح الجامع الصغير، دار المعرفة، بيروت، ط2، 1391هـ - 1972م، ج3، ص84.

([23]) نقل ذلك ابن حجر العسقلاني، أنظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، مصدر سابق، ج6، ص103.

([24]) تقدم نقل عبارته هذه في (الكلمة الثانية) .. فلا نعيد.

([25]) تقدم إيضاح رأيه ونقل بعض كلماته في (الكلمة الثالثة) .. فراجع.

([26]) قصيدة عبد الله بن الزِّبَعْرَي بن قيس السهمي القرشي من الشهرة بمكان، وقد ذكرتها أغلب مصادر التراث الإسلامي، قالها يوم أحد وهو يومئذٍ مشرك، والأبيات المشار إليها (على اختلاف في النقل والتسلسل) هي:

لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا
فَأَهَلُّوا وَاسْتَهَلُّوا فَرَحاً ثُمَّ
حِينَ حَكَّتْ بِقُبَاءٍ بِرْكَهَا
قَدْ قَتَلْنَا الضَّعْفَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ


جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الْأَسَلْ
قَالُوا لِي هَنِيَّاً لَا تَسَلْ
وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي عَبْدِ الْأَشَلْ
وَعَدَلْنَا مَيْلَ بَدْرٍ فَاعْتَدَلَ

ومن المصادر التي ذكرت تمثل يزيد بهذه الأبيات أو بعضها راجع مثلاً : تاريخ الطبري، مصدر سابق: ج8، ص96. المنتظم لابن الجوزي، مصدر سابق: ج5، ص343. تاريخ ابن كثير، مصدر سابق: ج11، ص557، وص581، وص631.

([27]) شرحنا موقفه فيما تقدم .. فراجع.

([28])تقدم نقل عبارته هذه في (الكلمة الأولى) .. فلا نعيد.

([29]) ونحن أسمينا دعاة هذا القول وأمثاله، وخلفياتهم الفكرية ومرجعياتهم العقائدية، وأسسهم التي يشيدون أفكارهم ومفاهيمهم عليها، بـ : >اتجاه الإسلام الأموي<، وما هذه الدراسة إلا مسعى لكشف بعض معالم هذا الاتجاه.

([30]) الآلوسي، أبو الفضل شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني البغدادي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، [بلا تاريخ]، ج 26، ص ص 72-74.

([31]) منهاج السنة النبوية، ج2، صص 70 – 71.

([32]) قال ابن جرير الطبري: (فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقَّاص من الكوفة في أربعة آلاف. قال وكان سبب خروج ابن سعد إلى الحسين (عليه السلام) أن عبيد الله بن زياد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة يسير بهم إلى دَسْتَبَى وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، فكتب إليه ابن زياد عهده على الري وأمره بالخروج. فخرج معسكراً بالناس بحمام أعين. فلما كان من أمر الحسين ما كان، وأقبل إلى الكوفة، دعا ابن زياد عمر بن سعد، فقال: سر إلى الحسين، فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك). راجع:

تاريخ الطبري: ج5، ص409. تاريخ ابن الأثير: ج3، ص412. تاريخ ابن كثير: ج9، ص242. وغيرها من كتب التاريخ.

([33]) منهاج السنة النبوية، ج8، ص ص 148-149، 151.

([34]) البداية والنهاية:15/483.

([35]) البداية والنهاية، مصدر سابق: ج11، ص569.

([36]) ابن حجر العسقلاني, أبو الفضل أحمد بن علي, فتح الباري شرح صحيح البخاري, قرأ أصله تصحيحاً وتحقيقاً وأشرف على مقابلة نسخه المطبوعة والمخطوطة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز, رقّم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي, قام بإخراج وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب, دار المعرفة - بيروت, 1379, ج12, ص387.

([37]) ابن باز, عبد العزيز بن عبد الله بن عبد العزيز, مجموع فتاوى ومقالات متنوعة, جمع وإشراف: محمد بن سعيد الشويعر, دار القاسم, ط1, 1420هـ, ج2, ص385.

([38]) ابن حنبل, أبو عبد الله أحمد بن محمد الشيباني, مسند الإمام أحمد بن حنبل, أشرف على تحقيقه: شعيب الأرنوؤط, حقّق هذا الجزء وخرّج أحاديثه وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد, مؤسسة الرسالة, ط1, 1416هـ - 1995م, ج4, ص59, ح 2165, وص336, ح 2553. وما أوردناه أعلاه هو الحديث الأول. وقالا عن الحديث الثاني: (إسناده قويّ على شرط مسلم). ليلاحَظ هذا الحديث وأمثاله ويقارَن بما نقلناه عن ابن العربي في >عواصمه< وغمزه في أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام).

([39]) المصدر السابق, ص60.

([40]) ابن حنبل, أبو عبد الله أحمد بن محمد الشيباني, فضائل الصحابة, حققه وخرج أحاديثه: وصي الله بن محمد عباس, دار ابن الجوزي - المملكة العربية السعودية, ط2, 1420هـ- 1999/, ج2, ص977, ح1380. وكذا ص978, ح1381, وص981, ح1389, وص985, ح1396.

([41]) البوصيري, أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل, إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة, تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن سعد وأبو إسحاق السيد بن محمود بن إسماعيل, مكتبة الرشيد - الرياض, ط1, 1419هـ - 1998/, ص318, ح9054.

([42]) ابن كثير, البداية والنهاية, مصدر سابق, ج11, ص573.

([43]) الذهبي, أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان التركي الدمشقي, سير أعلام النبلاء, أشرف على تحقيق الكتاب وخرّج أحاديثه: شعيب الأرنؤوط, حقق هذا الجزء: محمد نعيم العرقسوسي ومأمون صاغرجي, مؤسسة الرسالة, ط3, 1405هـ - 1985, ج3, 315.

([44]) ابن حنبل, مسند الإمام أحمد, حقق هذا الجزء وخرّج أحاديثه وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط, محمد نعيم العرقسوسي, إبراهيم الزيبق, محمد أنس الحن؟؟, مؤسسة الرسالة, ط1, 1412هـ - 2001م, ج44, ص143, ح26524.

([45]) المصدر السابق, ص144. أقول: ذهب محققو الكتاب إلى ضعف إسناد الحديث لانقطاعه, وسيتضح حاله في القادم من البحث.

([46]) ابن حنبل, فضائل الصحابة, مصدر سابق, ج2, ص965- 966, ح1357.

([47]) أبو يعلى الموصلي, أحمد بن علي بن المثنى التميمي, مسند أبي يعلى الموصلي, حققه وخرّج أحاديثه: حسين سليم أسد, دار المأمون للتراث, ج1, ص298, ح363.

([48]) المصدر السابق, ج1, ص ص 298- 299.

([49]) المصدر السابق, دار الثقافة العربية, ط2, 1412هـ - 1992م, ج6, 129, ح3402.

([50]) المصدر السابق, ج6, ص130.

([51]) ابن بلبان, علاء الدين علي الفارسي, صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان, حققه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط, مؤسسة الرسالة, ط2, 1414هـ - 1993م, ج15, ص142, ح6742.

([52]) الهيثمي, نور الدين علي بن أبي بكر, تحقيق: عبد الله محمد الدرويش, دار الفكر, 1414هـ - 1994م, ج9, ص300, ح15111.

([53]) المصدر السابق, ج9, ص301.

([54]) المصدر السابق, ج9, ص301.

([55]) الذهبي, شمس الدين محمد بن أحمد التركماني الدمشقي, تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام, تحقيق: عمر عبد السلام تدمري, دار الكتاب العربي, بيروت, ط1, 1410هـ- 1990م, ج5, صص103- 104.

([56]) المصدر السابق, نفس المعطيات, ص104.

([57]) الذهبي, سير أعلام النبلاء, مصدر سابق, ج3, ص290.

([58]) الألباني, محمد ناصر الدين, صحيح الجامع الصغير وزيادة الفتح الكبير, المكتب الإسلامي, ط3, 1408هـ -1988م, ج1, ص73, ح61.

([59]) الألباني, محمد ناصر الدين, سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها, مكتبة المعارف- الرياض, 1415هـ -1995م, ج2, ص464 -465, ح821.

([60]) المصدر السابق, نفس المعطيات, ج3, ص159, ح1171.

([61]) المصدر السابق.

([62]) المصدر السابق: ص160.

([63]) المصدر السابق: ص162.

([64]) ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد، المحلى، تحقيق: أحمد محمد شاكر، عني بشره وتصحيحه: إدارة الطباعة المنيرية لصاحبها ومديرها محمد منير الدمشقي، 1348هـ، ج2، ص 135، المسألة: 241.

([65]) ورد في الحديث النبوي الصحيح:

حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا أنس بن عياض، عن عبيد الله، عن نافع، أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أخبره: أن الناس نزلوا مع رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم) أرض ثمود، الحجر، فاستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم): >أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة< (صحيح البخاري، مصدر سابق، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً}: ص648، ح3379).

من الواضح أن نهي النبي (صلَّى الله عليه وآله) المسلمين عن الانتفاع بمياه البئر الأول، وأمره إياهم أن يعلفوا إبلاهم بما عجنوه منه، وأن يستقوا من البئر الثاني التي كانت تردها الناقة (بينة الله وآيته المُبصِرة بحسب التعبير القرآني)، ذا دلالة واضحة على خصوصية تلك المياه التي كانت تشرب منها الناقة، على الرغم من مرور كل تلك القرون وعظيم حاجة المسلمين لتلك المياه؛ إذ كانوا في غزوة تبوك التي سميت بـ >غزوة العسرة< لشدة ما لاقاه المسلمون من مشقة! قال تعالى: {الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} (التوبة: 117).

أقول: إذا كانت هذه حالة تلك المياه التي شربت منها تلك الناقة فكيف يكون الحال بأرض شربت من دم الحسين (عليه السلام) سيد شباب أهل الجنة؟ وهل سيكون الحديث عن التبرك بتلك التربة وقداستها حديثاً غريباً؟

 
طراح و برنامه نویس: اکین