معالم الإسلام الأموي القدح في العترة النبوية الطاهرة PDF چاپ نامه الکترونیک
جمعه ۱۷ خرداد ۱۳۹۲ ساعت ۱۴:۰۴

معالم الإسلام الأموي القدح في العترة النبوية الطاهرة

أولويات منهجية في فهم المعارف الدينية

((تحديد المرجعيات الفكرية))

· توطئة

· دوافع ومبررات الانشغال بهذه الأبحاث

· الغاية والهدف من هذه الأبحاث

· سلبيات ومخاطر الحوارات المذهبية المباشرة

· المنهج القرآني في الحوار

· تحديد المرجعيات

· موقف مدرسة الصحابة من مسألة النقل عن العترة؛ صحيح البخاري نموذجاً

· المحاور المقترحة لمناقشة الإشكالية

· هل كان امتناع رسول الله عن الكتابة تأييداً للمانعين

· أهمّ النتائج التي أفرزتها نظرية (حسبنا كتاب الله)

توطئة

لا توجد حضارة من حضارات العالم إلاَّ وشهدت تنوّعا في المذاهب المنضوية تحتها واختلافاً في التيارات والاتجاهات الفكرية الصادرة عنها، حتى بات الجميع ينظر إلى هذه الظاهرة كعلامة على حيوية هذه الحضارة أو تلك، وخصوبتها الإبداعية، مما دفع كثيراً من المختصّين بتاريخ الحضارات في العصور الحديثة إلى افتراض أن جمود حضارة ما وانغلاقها على نفسها وقمعها للتنوّع الفكري الداخلي فيها أحد أهمّ أسباب انحلال تلك الحضارة وتراجعها وانحسارها عن المسرح العالمي. والحضارة الإسلامية ليست بدعاً من تلك الحضارات التي شهدت في تاريخ ازدهارها هذا الأمر، ليس لأنها شهدت هي الأخرى تنوّعا مذهلاً في المذاهب والتيارات الفكرية فحسب، بل ولأن هذا التنوّع دفع أطرافه إلى خوض نقاشات ثرية فكرياً من أجل أن يدعم كلُّ طرفٍ رأيه ومذهبه. نعم، لم تكن قصّة تلك النقاشات على مستوى واحد من الجودة والالتزام بقواعد العلم وضوابط آداب البحث، ولا على مستوى واحد في تصوّرها لدور العنف وتوظيفه في حسم تلك النقاشات. فلا نعدم وجود نقاشات انتهت إلى احترابٍ فكريٍّ وتكفيرٍ دينيٍّ أودى بالكثير من أرواح المسلمين من أجل نصرة بعض الأفكار والمعتقدات؛ في بعضها يتحمّل الطرفان إفرازات هذا الاحتراب وفي أغلبها يقع الوزر على الطرف المتغلّب على السلطة والماسك بزمام الأمور على أرض الواقع.

إلا أن من حسنات العصر الحديث الذي نعيش فيه أنه قلّص كثيراً من وجود أمثال تلك الظواهر وفسح المجال للناس ليقولوا ما يشاءون ويعتنقوا ما يريدون من مذاهب وأفكار بدون إكراه أو قسر، مما أعطى فرصة كبيرة للمعتقدات السليمة والصادقة أن تجد لها فسحة من الحركة ومساحة من الأنصار والأتباع لم تكن لتتمتع بها في وقت سابق، حين كانت السلطة السياسية تشدِّد من قبضتها على حياة الناس الخاصة وتحول بينهم وبين خياراتهم العقدية والفكرية، ولم يشذّ عن عدّ هذا التحوّل كحسنة من حسنات العصر الحديث إلّاَ ثلّة ضئيلة رأت في هذا الواقع الجديد مصدر قلق على متبنّياتها الفكرية، فاختارت أن تعتمد العنف كاستراتيجية لقمع أفراد المجتمع وحملهم على تبنّي معتقداتها، أعني بهذه الثلّة ما يسمّى بـ(السلفية الجهادية) التي تبنّت أفكار الشيخ ابن تيمية في الجهاد والتي تهدّد أمن مجتمعاتنا اليوم وتستخفّ بحقوقها الفكرية والإنسانية.

ولو اقتصر الأمر على هذه الفئة المتطرّفة التي تُجاهر باستخدامها السلاح لفرض قناعاتها على الآخرين لهان الأمر؛ إذ إن أفعالها الوحشية تفقدها المصداقية في تقييم عقائد وأفكار الآخرين، وبالتالي تعزلها وتحجِّم من دورها, ولكن المشكلة كلّ المشكلة مع الوجه الآخر (غير المسلَّح) من تلك الفئة، الذي أُرغم على تجميد مظاهر العنف واستوعب أن هذه الآلية لا تخدمه في الوقت الحاضر، فستر وجهه القديم لصالح تكتيك جديد يتخذ من "الدفاع عن الحقيقة" شعاراً له ولا ينفكّ يظهر حرصه على مصير مخالفيه من بقية فرق ومذاهب المسلمين، وهو لا يتوّرع في الوقت ذاته عن إقصاء الفرق الإسلامية الأخرى المخالفة له والطعن في عقيدتها وتكفير أتباعها، ووصفهم بأقذع كلمات قاموس الهجاء قسوةً وضراوةً، مستفيداً في تحقيق ذلك من الإمكانات الهائلة التي وضعتها التقنية المعاصرة بيد الإنسان اليوم من إعلام وبثّ فضائي متلفز وشبكة معلوماتية عالمية (الإنترنت).


دوافع ومبررات الانشغال بهذه الأبحاث

لقد أشار عليَّ أكثر من صديق وعدد كبير من المعارف والمحبّين في أكثر من دولة إسلامية وغير إسلامية ممن يحسنون الظنَّ بي أن أتدخّل للتصدّي لهذا الخطر المترصّد - أمنياً وعقدياً- بنسيجنا الاجتماعي في بلداننا الإسلامية, ولكنِّي وفي كلّ مرة أحاول الإقدام على الردّ على هذه الحملة الضارية التي تكاد تستهدف بنحو حصريّ أتباعَ مذهب أهل البيت عليهم السلام أجدني منشغلاً بما لديّ من أبحاث ودروس أُلقيها على أبنائنا في الحوزة العلمية، حتى وصل الأمر بشيوخ هذا الفضائيات أن تجاوزوا كلَّ لياقة يمكن أن يتخيَّلها المرء في حواره مع مخالفيه، وكلَّ أدب يُفترض أن يتحلَّى به أبسطُ فرد من أفراد المجتمع المسلم وهو يتحدَّث إلى معارضيه، وهذا ما دفعني بنحو جدِّي نحو إعادة التفكير بالموضوع والنظر فيما يمكنني ويسعني من أداء الواجب .. وهكذا انتهيتُ في نهاية تلك المراجعة الذاتية إلى ضرورة مواجهة هذه الحملة، ونَقْد أُسُسِها الفكرية والعقدية وما تتشدّق به من دعاوى بالحرص على عقائد المسلمين ومناصرتهم.

بنحو موجز: بوسعي أن أحدِّد للقارئ الكريم أكثر من سببٍ يُسَوِّغ الانشغال بمثل هذه الأبحاث، إلّاَ أنني أقتصر على ذكر سببين منها:

السبب الأول: ما يقع ضمن السياق الذي أشرتُ إليه توّاً من اعتماد هذه الفئة الوهابّية المتطرّفة لاستراتيجية هجومية إعلامية (تلفاز وإنترنت) وتصعيدها في الآونة الأخيرة لخطابها الاحترابي التشهيري بمذهب أهل البيت عليهم السلام ونبزها لرموز هذا المذهب وعلمائه، وتكفيرها لأتباعه ومعتنقي أفكاره ومتبنّياته العقدية والتشريعية، وهي تقوم بهذه الوظيفة من خلال استقدامها لمجموعة من المتظاهرين بالعلم ممن يتمتّعون بمزاج انفعالي مفرط في انفلاته وبدائيّته، ويكثرون من الصراخ والشتائم والسباب والتشهير.

السبب الثاني: حلّ بعض الإشكاليات الزائفة والاعتراضات الواهية التي يطلقها هؤلاء على مذهب أهل البيت عليهم السلام والوقوف أمام تلك الحملات التكفيرية التي تحاول النيل من أتباع هذا المذهب وتشكيكهم بمدى حقّانية مذهبهم وصواب أفكاره ومفاهيمه بشأن العقيدة والشريعة الإسلامية، أو محاولتهم التقليل من مكانة أئمّته وعلمائه وقادته. علماً أن هذه الحملات التكفيرية والاعتراضات التشكيكية المضلّلة ليست بالجديدة على مذهب أهل البيت عليهم السلام ، ولا دعاتُها أوَّلُ من استخدم هذا الأسلوبَ وهذا المنهج، فقد سبقهم كثيرون من أسلافهم إلى ذلك .. كما أن الأمر لا يقتصر على مجرّد حفنة من الهواة الذين يجتذبهم اليوم الإعلام المعاصر بل يتعدّاهم إلى سلف لهم بعيد، مهّدوا لهم هذا النهج المجافي للحقيقة، وشرَّعوا لهم هذا الأسلوب القائم على القذف بالباطل وتزييف الحقائق .. ولو أردنا أن نأتي بكلّ تلك الشواهد الدالّة على ذلك لاستغرق منَّا الموضوع عدّة مجلَّدات وآلاف الصفحات، ولخرج هذا البحث عن الغاية التي كُتب لأجلها، ولكن حسبنا من ذلك شاهدان ننقلهما عن أحد أهمّ أسلافهم لكي يعرف القارئ أنّ ما يشاهده اليوم من أسلوب التنابز والسباب والقذف بالباطل ليس من مستحدثات اليوم وإنما هو أمر موغل في القدم ألِفه هؤلاء واستساغوه بمرور الليالي والأيام حتى عاد ديدناً لهم.

أنقل الشاهدين من أهمّ كتاب يتداوله هؤلاء التشهيريون الجدد، وهو كتاب (منهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية) لمؤلفه أبي العباس تقيّ الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (ت 728) هذا الكتاب الذي لم يترك لفظاً نابياً ومقذعاً وتكفيرياً إلَّا جاء به حتى استحال هذا الكتاب الهجائي، ومعه شخص مؤلّفه وما يمتلكه من مزاج حادّ، قاموساً ملهماً ينهل منه السائرون على خطاه ممن تأخّروا عليه.

الشاهد الأول: لنلاحظ أوّلاً كيف يستهلّ ابن تيمية حديثه عن الشيعة الذين يناقش أفكارهم في كتابه هذا، بقوله:

>أما بعد، فإنه قد أحضر إليَّ طائفة من أهل السنّة والجماعة كتاباً صنّفه بعض شيوخ الرافضة في عصرنا منفقاً لهذه البضاعة، يدعو به إلى مذهب الرافضة الإمامية ... فأخبرتهم أن هذا الكتاب، وإن كان من أعلى ما يقولونه في باب الحجّة والدليل، فالقوم من أضلّ الناس عن سواء السبيل ... والقوم من أضلّ الناس في المنقول والمعقول .. وهم من أشبه الناس بمن قال الله فيهم: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}([1])، والقوم من أكذب الناس في النقليات، ومن أجهل الناس في العقليات، يصدِّقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل، ويكذبون بالمعلوم من الاضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمّة جيلاً بعد جيل، ولا يميّزون في نقَلة العلم ورواة الأحاديث والأخبار بين المعروف بالكذب، أو الغلط، أو الجهل بما ينقل، وبين العدل الحافظ الضابط المعروف بالعلم بالآثار. وعمدتهم في نفس الأمر على التقليد ... وهم من أجهل هذه الطوائف بالنظريات، ولهذا كانوا عند عامة أهل العلم والدين من أجهل الطوائف الداخلين في المسلمين<([2]).

ثم عندما يتحدّث عن الكتاب الذي ينقده، وهو كتاب (منهاج الكرامة في معرفة الإمامة) يصف الكتاب ومؤلّفه العلّامة ابن المطهَّر الحلّي بالقول:

>فصل: فلما ألحّوا في طلب الردّ لهذا الضلال المبين ... البهتان ... وهذا المصنِّف سمَّى كتابه (منهاج الكرامة في معرفة الإمامة)، وهو خليق بأن يسمَّى (منهاج الندامة)، كما أن من ادَّعى الطهارة وهو من الذين لم يُرد الله أن يُطهِّر قلوبهم، بل من أهل الجبت والطاغوت والنفاق، كان وصفه بالنجاسة والتكدير أولى من وصفه بالتطهير ... ومن أعظم خبث القلوب أن يكون في قلب العبد غلّ لخيار المؤمنين، وسادات أولياء الله بعد النبيين؛ ولهذا كان بينهم وبين اليهود من المشابهة في الخبث واتّباع الهوى وغير ذلك من أخلاق اليهود، وبينهم وبين النصارى من المشابهة في الغلوّ والجهل وغير ذلك من أخلاق النصارى ما أشبهوا به هؤلاء من وجه، وهؤلاء من وجه، وما زال الناس يصفونهم بذلك<([3]).

ولا يكتفي بهذا المقدار حتى ينقل عن الشعبي كلمته بحقّ الشيعة فيقول: >ومِن أخبر الناس بهم الشعبيُّ وأمثاله من علماء الكوفة، وقد ثبت عن الشعبي أنه قال: ما رأيت أحمق من الخشبية([4]) لو كانوا من الطير لكانوا رخماً، ولو كانوا من البهائم لكانوا حمراً، والله لو طلبت منهم أن يملأوا لي هذا البيت ذهباً على أن أكذب على عليٍّ لأعطوني، ووالله ما أكذب عليه أبداً. ... أحذّركم هذه الأهواء المضلّة، وشرُّها الرافضة؛ لم يدخلوا في الإسلام رغبةً ولا رهبة، ولكن مقتاً لأهل الإسلام وبغياً عليهم<([5]).

ثُمّ حاول التدليل على مشابهة الشيعة باليهود والنصارى فقال: >وآية ذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود؛ قالت اليهود: لا يصلح المُلك إلا في آل داود، وقالت الرافضة: لا تصلُح الإمامة إلا في وَلَد علي ... وقالت اليهود ... وقالت الرافضة ... <([6]) وهكذا يسترسل في عقد المقارنات حتى يقول: >وفُضّلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين: ... <([7])!!.

الشاهد الثاني: بعد نقله عن الصحيحين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله المرويّ عن جماعة من الصحابة وبألفاظ متعددة حيث يقول صلى الله عليه وآله - واللفظ هنا للبخاري-: >عن عبد الملك، سمعت جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم يقول: يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: كلهم من قريش» يعلّق ابن تيمية - والنصّ وإن كان طويلاً ولكن أنقله لأهميته- يعلّق قائلاً:

>وهكذا كان، فكان الخلفاء: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ثم تولّى مَن اجتمع الناس عليه وصار له عزّ ومنعة: معاوية، وابنه يزيد، ثم عبد الملك وأولاده الأربعة، وبينهم عمر بن عبد العزيز. وبعد ذلك حصل في دولة الإسلام من النقص ما هو باقٍ إلى الآن ; فإن بني أمية تولّوا على جميع أرض الإسلام، وكانت الدولة في زمنهم عزيزة، والخليفة يُدعى باسمه: عبد الملك، وسليمان، لا يعرفون عضد الدولة، ولا عزّ الدين، وبهاء الدين، وفلان الدين، وكان أحدهم هو الذي يصلّي بالناس الصلوات الخمس، وفي المسجد يَعْقِد الرايات ويُؤمِّر الأمراء، وإنما يسكن داره، لا يسكنون الحصون، ولا يحتجبون عن الرعية ... وأعظم ما نقمه الناس على بني أمية شيئان: أحدهما: تكلُّمهم في علي، والثاني: تأخير الصلاة عن وقتها ... .

ثُمّ كان من نعم الله سبحانه ورحمته بالإسلام أن الدولة لما انتقلت إلى بني هاشم صارت في بني العباس ... مع أن أحداً من العباسيين لم يستولوا على الأندلس، ولا على أكثر المغرب، وإنما غلب بعضهم على إفريقية مدة، ثم أخذت منهم. بخلاف أولئك، فإنهم استولوا على جميع المملكة الإسلامية، وقهروا جميع أعداء الدين، وكانت جيوشهم جيشاً بالأندلس يفتحه، وجيشاً ببلاد الترك يقاتل القان الكبير، وجيشاً ببلاد العبيد، وجيشاً بأرض الروم، وكان الإسلام في زيادة وقوة، عزيزاً في جميع الأرض ...

وهؤلاء الاثنا عشر خليفة هم المذكورون في التوراة ; حيث قال في بشارته بإسماعيل: وسيلد اثني عشر عظيماً.

ومَن ظنَّ أن هؤلاء الاثني عشر هم الذين تعتقد الرافضة إمامتهم، فهو في غاية الجهل ; فإن هؤلاء ليس فيهم من كان له سيف إلا علي بن أبي طالب، ومع هذا فلم يتمكن في خلافته من غزو الكفار، ولا فتح مدينة، ولا قَتَل كافراً، بل كان المسلمون قد اشتغل بعضهم بقتال بعض حتى طمع فيهم الكفار بالشرق والشام من المشركين وأهل الكتاب، حتى يقال إنهم أخذوا بعض بلاد المسلمين، وإن بعض الكفار كان يُحمل إليه كلام حتى يكفّ عن المسلمين، فأيُّ عزٍّ للإسلام في هذا، والسيف يعمل في المسلمين، وعدوّهم قد طمع فيهم ونال منهم؟!

وأما سائر الأئمة غير عليّ، فلم يكن لأحد منهم سيف، لا سيَّما المنتظر، بل هو عند من يقول بإمامته: إما خائف عاجز، وإما هارب مختفٍ من أكثر من أربعمئة سنة، وهو لم يهدِ ضالاً ولا أمرَ بمعروف، ولا نهىَ عن منكر، ولا نصَر مظلوماً، ولا أفتى أحداً في مسألة، ولا حَكَم في قضية، ولا يُعرف له وجود، فأيُّ فائدةٍ حصلت من هذا لو كان موجوداً، فضلاً عن أن يكون الإسلام به عزيزاً؟!<([8]).

ليلاحظ القارئ المسلم - من أيِّ فرقة كان ولأيِّ مذهب انتمى- كيف تُخلَط الأمور ويتِمّ تدليس التاريخ وتشويهه؟ فمتى عُدَّ تولّي الحكم فضيلة في ذاته بمعزل عن الوسائل والآليات؟وهل يجهل المسلمون سياسة القهر والاضطهاد وقطع الرقاب وسمل العيون التي أوصلت بني أمية وبني العباس للسلطة؟ وهل اجتمع الناس لمعاوية لولا حيله ودهاؤه؟ وماذا نفعل بواقعة الحَرَّة وخلفيّاتها مِن رفض أهل المدينة البيعة ليزيد؟ وهل ننسى خروجَ مروان بن الحكم على عبد الله بن الزبير الذي بايعته أمصار المسلمين، وقتالَه لشعبة بن الزبير والضحّاك بن قيس في مرج الرهط، ودور ذلك في صعود ابنه عبد الملك الذي لم تستتبّ له الأمور لولا وجود الحجاج الثقفي (أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام) معه؟ ألم يبنِ هؤلاء وغيرهم ممن جاء بعدهم القصور (منها قصر بني حديلة لمعاوية بناه في المدينة)؟ ألم يحتجبوا عن الرعية بالحُجَّاب والخدّام (أوّل من احتجب معاوية)؟ ألم يسنّوا البدع والمحدثات في الدين (من محدثات معاوية ترك الجهر بالتكبير والأذان للعيد وترك التلبية ... وغيرها كثير، ومن بدع عبد الملك جمع الناس على رفع الأيدي على المنبر يوم الجمعة، وعلى القصص (أي الوعظ والتذكير) بعد الصبح والعصر؟ هل يخفِّف من جرم الأمويين بسبّهم الإمام عليَّ بن أبي طالب عليه السلام سبعين سنةً على منابر المسلمين - ولا نريد أن نذكر استئصالهم لشيعته وإبادتهم لهم- كلمةُ ابن تيمية الماكرة أنه مجرّد (تكلُّم)، ألم يكن (التكلّم) هذا مخالفاً لآية التطهير التي أجمع المسلمون على دخول علي عليه السلام فيها؟ ولحديث الثقلين ولحديث الغدير ولحديث المنزلة ولعشرات بل مئات الأحاديث الواردة في فضائل الإمام علي عليه السلام؟ ولماذا استصغر ابن تيمية هذه المرة سبَّ أحد الخلفاء الأربعة وأحد أعظم الصحابة وهو يؤمن أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: >لا تسبّوا أصحابي<؟ لماذا هذا الكيل بمكيالين؟

الواقع أنّ متابعة ابن تيمية في نصّه هذا وإثبات ما يحتويه من مخالفات للحقيقة والتاريخ، يحتاج بحدّ ذاته إلى استئناف أبحاث جديدة مسهبة لتوضّح ذلك. يكفيه من المفارقات أنه يشابه في نصّه الأول بين الشيعة واليهود ثم يأتي ويتحدَّث في نصّه الثاني عن الرجال (الاثني عشر) من قريش وأنهم من تحدَّثت عنهم البشارة الواردة في التوراة؟ وكأنّ أمر المشابهة لما ورد في التوراة لا يكون علامة على صدق الفكرة وصوابها وحقّانيتها إلا حين تكون تلك الفكرة موافقة لما يعتقده ابن تيمية، أمّا لو وافقت ما يقوله الشيعة فهذا علامة على ضلال تلك الفكرة وانحرافها وضلالها عن مبادئ الإسلام ! ولا أدري كيف يكون يزيد - هادم الكعبة ومستبيح أهلها - كيف يكون دون سيدَي شباب أهل الجنّة، بشارةَ إسماعيل المفتدى به من أجل الكعبة ؟! فتلك مسألة لا يفهمها إلا ابن تيمية وحده!

وعلى القارئ أن ينتبه إلى أنَّ ابن تيمية على شكّ كبير في إدراج الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في هؤلاء (الاثني عشر خليفة)، وأكاد أجزم أنه لم يفعل ذلك إلا على مضض؛ إذ هو يشترط في عدّ الشخص ضمن هؤلاء الاثني عشر أن يكون الإسلام عزيزاً تحت حكمه، والحال أن الإسلام كان ذليلاً في ظلّ حكم الإمام علي عليه السلام ، وزمنُه كان زمنَ فتنةٍ، كما يعتقد ابن تيمية.

لذا نجده يقول: >وأما مروان وابن الزبير فلم يكن لواحد منهما ولاية عامة، بل كان زمنه زمن فتنة، لم يحصل فيها من عزّ الإسلام وجهاد أعدائه ما يتناوله الحديث. ولهذا جعل طائفة من الناس خلافة علي من هذا الباب. وقالوا: لم تثبت بنصّ ولا إجماع. وقد أنكر الإمام أحمد وغيره على هؤلاء ... والكلام على هذه المسألة لبسطه موضع آخر. والمقصود هنا أن الحديث الذي فيه ذكر الاثني عشر خليفة، سواء قدِّر أن علياً دخل فيه، أو قدِّر أنه لم يدخل، فالمراد بهم من تقدَّم من الخلفاء من قريش ...<([9]).

وعلى أيّة حال فليس غرضنا في هذا الموضع مناقشة أفكار ابن تيمية تلك ولا نقلها بتمامها، وإنما أردت الإشارة فقط على أن التشهيريين الجدد ما هم في الواقع إلا امتداد لسلفٍ ماضٍ مهَّدوا لهم هذا السبيل وعبَّدوا لهم هذا الطريق، وهؤلاء سائرون على دربهم ولا يختلفون عنهم إلّاَ فيما خلقه عالم التقنية الجديد من فرص للانتشار، وإمكانيات للتضليل، وصخب في الاستعراض الإعلامي الصوتي والمرئيّ.

الغاية والهدف من هذه الأبحاث

لقد حاولت - ولا أدري مدى نجاح هذه المحاولة وهو أمر أتركه للمختصّين بمثل هذه الأبحاث- أن لا أبقى أسيراً لما يثيره الاتجاه المخالف من إشكاليات (أو أشباه إشكاليات) والدوران في فلك اعتراضاته، فهذا من شأنه أن يحدّ من عائدية هذه الأبحاث ويقلّل من أهميتها الفكرية؛ إذ نادراً ما نجد ما يستحقّ عناية الرد والإيضاح في كلام هؤلاء البعض, وما زلت أعتقد أن من أكبر ما يحدّ من إمكانيات الفكر الإسلامي الذي تقدّمه مدرسة أهل البيت عليهم السلام هو استجابة هذه المدرسة - التي تكاد تكون استجابة أغلبية تاريخياً- للدخول في هذه المناظرات دون أن تتوفّر - أو على حساب أن تتوفّر- الفرصة للبناء الفكري المستقلّ الذي يكرّس نفسه للتأسيس أكثر من مجرّد النقض والمحاججة.

لقد أردتُ لهذا النقاشات أن تحقّق في آن واحد أمرين مهمّين:

الأول: إيضاح الشروط المنهجية التي ينبغي أن يقوم عليها هذا النقاش دون أن يفضي إلى التباسات فكرية من شأنها أن تضيّع الجهود وتستنزف الزمن بلا ثمرة أو فائدة علمية أو عملية في واقع المسلمين أو أن تسهم في تنضج رؤاهم بشأن عقيدتهم وتاريخهم القديم.

الثاني: تقريب وجهات النظر وبيان العناصر المشتركة التي يُجمع عليها المسلمون بالرغم من اختلافاتهم الكثيرة. إن العالم المعاصر يتّجه يوماً بعد يوم نحو التقارب الفكري وازدياد الاندماج والتواصل حتى عاد هذا الأمر يعدّ بحدّ ذاته أمراً إشكالياً بالنسبة لتلك التكتلات والفرق والجماعات الصغيرة التي تُهدَّد بالانقراض أو بانعدام التأثير على تسيير نفسها فضلاً عن تأثيرها المثمر على الصعيد الفكري العالمي في غيرها. قد يكون هذا التماهي في الهوية هو أحد مضارّ ما يسمّى اليوم بالعولمة؛ إذ من شأنه أن يقوِّض التنوّع الإنساني وما يحمله من محفّزات مقاربة الحقيقة.

وإذا لم يكن أمامنا من خيار سوى مسايرة هذا العصر والاستفادة من إمكانياته الهائلة، فإن خير ما يجب علينا القيام به هو الدعوة إلى وحدة المسلمين وتكاتفهم، وتفهّم كلّ واحد منهم لعقيدة الآخر، واستعداده للتعايش مع الآخر المختلف عنه.

من هنا أجدني عاجزاً عن استيعاب تلك الدعاوى التي تمانع حوار المسلمين فيما بينهم و تضنّ بتقاربهم في المؤتمرات والندوات المشتركة، بل وتعمل على تباعدهم وتفريق لفيفهم. لقد أخذت على عاتقي أن لا يكون من أهدافي أن أقنع الطرف المسلم غير الشيعي بضرورة أن يتخلّى عن معتقده، فهذه الأبحاث ليس من أغراضها زيادة عدد معتنقي مذهب أهل البيت عليهم السلام ، بل إنّ كلَّ ما تطمح له هو بيان وجهة نظر هذه المدرسة فيما يطرح من مناقشات بشأن العقيدة الإسلامية وتاريخ الحضارة والمجتمع الإسلاميين. هدفنا بيان ما تذهب إليه مدرسة أهل البيت عليهم السلام وما يؤمن به علماؤها طبقاً لمصادرهم في فهم الإسلام في مجال العقيدة والشريعة والأخلاق والتاريخ، ثُمّ أترك الخيار لمن يتابعنا أن يتّخذ خياره بنحو شخصي دون أن يكون ذلك مطلباً لنا يدفعنا لتسجيل هذه الأبحاث.

يضاف إلى ما تقدّم أن ممّا تطمح إليه هذه الدراسة، وهو أمر في غاية الأهمّيّة: الفصل بين المنظّر الرئيسي للاتجاه الذي تنعقد المناقشات معه، وهو الشيخ ابن تيمية وأتباعه من الوهابية وبين مجمل الاتجاهات التي تمثّلها مدرسة أهل السنّة والجماعة، وإثبات أن الاتجاه الأوّل لا يمتّ بصلة للاتجاه الثاني فضلاً عن أن يحتكر تمثيله ويعتبر نفسه الناطق باسمه.

من هنا يتبيّن أنّ الإشكاليات التي تتناولها دراستنا لا تقع في نطاق مدرسة أهل البيت عليهم السلام ومدرسة الصحابة، كما يعتنقها ويمثّلها بحقٍّ أهلُ السنّة والجماعة، بل بين مدرسة أهل البيت عليهم السلام وبين اتجاه الإسلام الأموي الذي أسّس له معاوية بن أبي سفيان، ونظّر له الشيخ ابن تيمية، وسوّقه - وما يزال- رجالات الوهابيّة في المملكة العربية السعودية بما تملك من إمكانيات مالية وإعلامية هائلة.

سلبيات ومخاطر الحوارات المذهبية المباشرة

قد يتساءل بعضٌ عن سبب إحجامي عن المشاركة في الحوارات المذهبية التي تعقدها بعض القنوات، قائلين: ما دمتم حريصين على بيان الحقيقة وتبيان مذهب أهل البيت عليهم السلام فإن أقصر طريق لتحقيق هذه الغاية هو الحضور في تلك البرامج والدخول في مناقشات مباشرة مع مشايخ الطرف الآخر, وعند ذلك يكون بوسع المشاهد أن يتابعكم بنحو أفضل، ويكون من السهل عليه أن يتعرّف على وجهة النظر الصائبة ويختارها.

الواقع أنني أختلف كثيراً مع هذا الطرح الذي عرضه عليَّ أكثر من شخص، ولا زالت تردني الأسئلة والاقتراحات أثناء تقديمنا سلسلتنا من المحاضرات والحوارات حين ظهوري على بعض القنوات وهي تطلب مني ذلك. إلا أنني ما زلت - بالرغم من اعتزازي بكل وجهات النظر تلك- أرى صواب ما أذهب إليه.

وقبل أن أضع بين يدي القارئ الكريم بعض مبررات اختياري هذا، أودّ الإشارة إلى أن هذا الأسلوب الذي أعتمده في طرح هذه الموضوعات هو ذاته الأسلوب المتعارف عليه في حواضرنا العلمية في النجف الأشرف وقم المقدّسة وغيرهما, فمنذ أن انتسبتُ للحوزة العملية وأنا أرى أساتذتنا الأعلام يتعاطون الأسلوب النقدي مع ما يطرحه معاصروهم من أفكار وآراء دون أن يجتمع الطرفان معاً في مكان واحد, وإنما يتكفّل بهذه المهمّة طلاب كلّ منهما بأن يحملوا الفكرة الجديدة إلى أستاذهم الآخر ويطرحوها أمامه كمجرّد رأي علميّ ثُمّ يتولّى الأستاذ مناقشة الفكرة والردّ عليها في حال كونه لم يوافق عليها. وكلّ هذه العملية تجري في ظلّ أجواء هادئة تفسح المجال للتأمّل والتحقيق العلمي الرصين للمسائل الفكرية المطروحة.

أما مبررات اختياري لهذا الأسلوب فأضعها بين يدي القارئ بالنحو التالي:

المبرر الأول: أن الحوارات المباشرة يسودها الكثير من الارتجال والعجلة ولا تتوفّر فيها الفرصة للطرفين في التريث والتدقيق والمراجعة للمصادر والآيات والروايات، والعامل الأساسي في كلّ هذه العملية هو الاعتماد على الذاكرة وما يحفظه المرء حين المحاورة.

قد يبدو هذا الأمر جيداً لمن يستمتع بغلبة الخصوم وإحراجهم، ولكنه ليس بالأمر المهم لمن يحرص على التعرّف على الحقيقة والتزام الحقّ. إنها مخاطرة لا تسرّ الحقيقة، وتحول دون إجهاض دوافع الحمية والتعصّب التي قد تحمل المرء على القول بلا علم وعلى التسرّع إلى التفوّه بأمور لم يتمّ التأكد منها.

المبرر الثاني: أن هذه الحوارات المباشرة لا تخلو في الأعمّ الأغلب من الجدل العقيم والاحتراب الجدلي من أجل الاستطالة على الخصم وإفحامه وتتبّع عيوبه وسقطاته على حساب معرفة الحقيقة والالتزام بالشروط العلمية للمناظرات.

المبرر الثالث: أن الحوارات المباشرة تفسح المجال لغير المتخصصين بالمداخلة، وتسمح لغير أهل العلم المحيطين بأطراف الموضوع محلّ النقاش بالمشاركة والتعليق، وهذا كلّه يزعزع الأساس العلمي لتلك المناقشات ويجعل منها برامج دعائية أكثر منها علمية.

المبرر الرابع: أن هذه الحوارات المباشرة لا تخضع للسُلَّم المنطقي في طرح الأفكار ولا يتمّ الالتزام فيها بوحدة الموضوع، وإنما يتمّ الانتقال فيها من موضوع إلى آخر ومن مسألة إلى أخرى قبل أن يتمّ الفراغ من الموضوع الأول أو المسألة الأولى وقبل أن تنقّح وتمحَّص الأسس التي تقوم عليها، وقد شاهدنا بعض تلك الحوارات ووجدنا أن كلّ طرف يصرخ بزميله الآخر أن عليه أن يجيب على أسئلته قبل الانتقال إلى الموضوع الآخر، وهكذا يفعل معه خصمه أيضاً.

هذه السلبيات التي تُمنَى بها - عادةً- الحوارات المباشرة، هي التي حملتني على ترك هذه الحوارات وعدم المشاركة فيها والتقليل من أهمّيتها. وفي المقابل أجد أن الأسلوب الذي أعتمده يتجاوز هذه السلبيات، أو على الأقلّ يحدّ منها، وهو بعد ذلك أكثر توافقاً مع معايير الدعوة الحسنى التي يطالبنا بها القرآن الكريم في الحوار مع المخالفين.

المنهج القرآني في الحوار

يبدو أن من المناسب - ونحن نتحدّث عن سلبيات الحوارات المباشرة كما نشاهدها اليوم - أن نقول جملة مختصرة عن منهج القرآن الكريم في الحوار، والآداب التي حضّ المسلمين على اتّباعها. فما هي المعايير والأسس التي يرسيها القرآن الكريم للحوار بين الأطراف المتخاصمة في مسألة ما؟ ما هو الفهم الذي يريد القرآن الكريم إشاعته في وعي الفرد المسلم وهو يشتغل بالدعوة إلى قيم ومبادئ الإسلام؟

في هذه الفقرة نريد أن نتطرّق سريعاً إلى هذه القضية الحساسة؛ لأننا نجد أن هناك الكثير منا، وفي أحيان ربما مستدامة، مَن تجاوز هذه المعايير وهذا الفهم الحواري، وحينها تضيع الحكمة القرآنية التي ينبغي في ضوئها أن تؤسَّس حواراتنا ومناظراتنا .

من مجمل الآيات القرآنية الكثيرة التي ترسي دعائم الحوار المثمر، يمكن أن نقف عند الآيتين الكريمتين التاليتين:

- الآية الأولى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ}([10]).

- الآية الثانية: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}([11]).

من المؤكَّد أنّ الدخول في تفاصيل هاتين الآيتين يحتاج إلى فرصة أوسع من مجرَّد هذه الإشارة المقتضبة، ولكن هذا لا يعفينا عن تناول بعض النقاط الهامَّة التي تدعو لهما هاتان الآيتان الشريفتان, وأنا أضع تلك النقاط بالنحو التالي:

النقطة الأولى: إن الآية الأولى اعتبرت مسألة الدعوة ليست مجرّد أمر مباح فقط وإنما أمرت به وجعلته واجباً على الإنسان المسلم, أي أن قضية الحوار في سبيل قضايا الإسلام ليست مجرّد حقّ للمسلم إن شاء قام به وإن شاء تركه، وإنما هو واجب، عليه أن يضطلع به ويتحمّل أعباء القيام به، كما أنها ترشدنا إلى مسألة أخرى وهي أن الدعوة السلمية تشكّل الخيار الأول للإنسان المسلم، وليس العنف أو استخدام وسائل الترهيب والإكراه وحمل السلاح والاقتتال، وليس كذلك الموقف الانعزالي الذي لا يكترث للآخرين.

ولا شكّ أنّ >سبيل الربّ< الذي يفترض بالمسلم الدعوة إليه ليس سبيلاً واحداً يتّفق عليه المسلمون جميعاً دون خلاف بل هو متعدّد بحسب كلّ فرقةٍ أو مذهب إسلامي يرى في نفسه أنه سائر على هذا السبيل، وهو ما نعتقده نحن أيضاً في أن سبيل الرب إنما هو سبيل أهل البيت عليهم السلام وما دعوا إليه أو تكفّلوا إيضاحه من مبادئ الإسلام وقيمه ومفاهيمه وتشريعاته.

النقطة الثانية: إن الدعوة تخضع لثلاثة أساليب هي: الدعوة بـ(الحكمة) و(الموعظة الحسنة) و(الجدل بالأحسن). ونحن وإن كنا لا نريد تفصيل الحديث في معنى الحكمة بالمفهوم القرآني إلا أنه يمكننا القول.

إن الحكمة التي على المحاور الالتزام بها في الدعوة إنما هي الاستدلال الرصين القائم على بديهيات الوعي البشري وما فُطر عليه الإنسان في عقله وسلوكه مما لا تختلف عليه النفوس والأذهان.

أما الموعظة الحسنة، فإن المواعظ ليست جميعها خيّرة، وهناك الكثير من المواعظ السيئة والقبيحة، والقرآن الكريم يحث على الحسنة منها فقط.

وأن يكون أداء هذا المواعظ بالنحو الأحسن, فالقرآن الكريم لا يريد لنا جدالاً كيفما اتّفق ولو كان بهتك حرمة الآخرين وسبّهم والاستخفاف بهم والنيل منهم، بل وليس بالجدال الحسن الذي يبتعد عن تلك السلبيات وإن لم يتمتع بالتعاطف والرفق واللين، إنما يريد لنا جدالاً بالتي هي (أحسن) في كلّ شيء، والالتزام بجميع هذه الأمور معاً دون إغفال أيّ واحدٍ منها.

النقطة الثالثة: إن من الأسلوب الأحسن الذي دعت له الآية الأولى: أن اعتقاد المرء بكونه على الحقّ لا يمنع من إنصافه لخصمه، وتمجيده - ولو بنحو مؤقّت - لاعتقاده هذا، من أجل أن يستقيم أمر المناظرة والحوار؛ فالرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله بالرغم من علمه اليقيني بكونه على حق وأنه على بيّنة من ربّه - كما أمره الله أن يقول ذلك في قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي}([12]), واصفاً سبحانه رسالة نبيه صلّى الله عليه وآله بكونها بينة كما في قوله تعالى: {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ}([13])- وبالرغم من أمره صلّى الله عليه وآله في آيات أخرى بالدعوة مع استحضار كونه على الحقّ في دعوته تلك والاكتفاء بإخبارهم أن الله ناظر لهم محيط بأعمالهم عالم بها كما في قوله تعالى: {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ * وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلْ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ}([14])، إلا أن القرآن الكريم عاد في هذه المرة ومعه استراتيجية أكثر انفتاحاً وأوسع مرونة حين قال: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * قُلْ لاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ}([15]) .

إنّ عَلِمنا أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يخاطب المشركين من العرب في قوله هذا؛ وذلك بقرينة الآيات السابقة على هاتين الآيتين: {قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}([16])، يوضح لنا أنه صلّى الله عليه وآله لم يكن ليتخلّى عن الالتزام بآداب الحوار (وهو صاحب الخلق العظيم بنصّ القرآن الكريم) القاضي ببدء الطرفين بالتسليم سلفاً باحتمال أن يكون كلّ واحد منها على خطأ ..

يعلّق السيد محمد حسين الطباطبائي في هذا الموضع وهو يفسر هذه الآية الكريمة قائلاً: إنها جاءت >تتمة قول النبي صلّى الله عليه وآله [الذي ورد في الآيتين السابقين] وهذا القول بعد إلقاء الحجّة القاطعة ووضوح الحقّ في مسألة الألوهية مبنيّ على سلوك طريق الإنصاف، ومفاده: أن كلَّ قول إما هدى أو ضلال، لا ثالث لهما نفياً أو إثباتاً، ونحن وأنتم على قولين مختلفين لا يجتمعان، فإما أن نكون على هدى وأنتم على ضلال، وإما أن تكونوا أنتم على هدى ونحن في ضلال، فانظروا بعين الإنصاف إلى ما ألقي إليكم وميّزوا المهديَّ من الضالّ والمحقَّ من المبطل<([17]).

الجدير بالذكر أن الآية محل البحث استخدَمت أسلوبَ اللفّ والنشر المرتّب, فربطت كلمة >لعلى هدى< بكلمة >إنّا< وكلمة >في ضلال مبين< بكلمة >إياكم< ولكن بأسلوب غاية في التهذيب والأدب وفي منتهى الدقّة والبلاغة. وهذا الأدب بما يحمل من رقّة في التعامل مع الآخرين واحترامهم هو أدب قرآني رفيع, في مقابل الأدب الفرعوني الذي تحدَّثت عنه بعض الآيات حين قالت: {فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى}([18]), في حين أن الأدب القرآني ينصّ على معاملته بمنطق {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}([19]), وهو نفسه منطق رسول الله صلى الله عليه وآله الذي وصفته الآية الكريمة: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ}([20]), المنطق الذي لا يوظِّف الهجاء والبذاءة والتسقيط في تعاطيه مع الآخر؛ قال تعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}([21]). هذا المنطق الحريص على الحدّ من الظلم والتعدّي على الآخرين واعتماد منطق اللين والرفق والكلمة الطيبة كما هو منطق أهل الجنّة {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً}([22]). على عكس منطق أهل النار الذين ينقل القرآن الكريم خطاب بعضهم لبعض بالقول: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا}([23]).

وهذا المنطق الأخير هو ما تروّج له بعض قنوات الإعلام التي أشرنا إليها في بداية حديثنا، حيث يكون الأسلوب المفضَّل لديها هو الكلمة البذيئة، والمنطق الفظّ، والعدائية المفرطة التي لا تعرف حدوداً للذمّ والتشهير والانتقاص عن الآخرين المخالفين لها. والغريب أن ذلك يقدَّم باسم العلم وباسم الدفاع عن الفضيلة ومبادئ الإسلام! وهم بفعلهم هذا يسوِّقون أنفسهم للآخرين كخير مثال لقول أمير المؤمنين عليه السلام :

>وآخر قد تسمَّى عالماً وليس به, فاقتبسَ جهائل من جهّال، وأضاليلَ من ضُلَّال، ونصب للناس أشراكاً من حبائلِ غرورٍ وقولِ زورٍ. قد حمل الكتابَ على آرائه، وعطفَ الحقَّ على أهوائه. يُؤْمِن الناسَ من العظائم، ويُهوِّن كبير الجرائم. يقول: أقفُ عند الشبهات، وفيها وقع! ويقول: أعتزلُ البدع، وبينها اضطجع ! فالصورة صورةُ إنسان، والقلب قلب حيوان؛ لا يعرف باب الهدى فيتبعه، ولا باب العمى فيصدَّ عنه؛ وذلك ميّتُ الأحياء<([24]).


تحديد المرجعيات

تعدُّد المذاهب والفرق الإسلامية أمرٌ واقع لا مفرَّ منه, وليس بوسع جميع التمنّيات بوحدة المسلمين، وجميع النقاشات المذهبية في فهم الإسلام وشرعية تمثيله، أن تزيل هذا التعدّد. لن تَدمج تلك المحاولات مسلمي اليوم، كما لم تفعل مع مسلمي الأمس، في مذهب واحد، وسيبقى هذا التنوّع قائماً. ويمكننا القول إن مشكلة المسلمين ليس في تعدّد فرقهم وتنوّع مذاهبهم بقدر ما هي مشكلة >التعايش السلمي< ضمن هذا التعدد، واستيعاب كلّ طرف للطرف الآخر، والتواصل معه على ما هو عليه .

بطبيعة الحال إن هذه الفكرة لا تعني رفض وجود حقيقة واحدة تمثّل الإسلام بنحو حقّ، كما لا تعني أن يُمنع الحوار والنقاش بشأن فهم الإسلام، أو يحظر على المذاهب الإسلامية أن تبيّن معتقداتها وتصوّراتها حول أهمّ قضايا الفكر والعقيدة والتشريع الإسلامي، إنما نعني أنّ على المسلمين -كلٌّ ضمن الإطار المذهبي الذي ينتمي إليه- أن يشتغلوا على إمكانيات التعايش والتساكن وليس على إذكاء الخلافات وتمزيق البنية المجتمعية لهم وتكريس الكراهية والقطيعة بين أفراد مجتمعاتهم.

انطلاقاً من هذه الفكرة قلت سابقاً: إن ما يعنيني بالدرجة الأساس ليس هو الردّ على من لم يعتنق أفكار وعقائد وتشريعات مدرسة أهل البيت عليهم السلام وإنني لست حريصاً على زيادة عدد المنتسبين لهذه المدرسة بقدر ما هو بيان حقيقة هذه المدرسة وما تقوله وتتبنّاه، وقطع الطريق أمام من يقوّل هذه المدرسة ما لم تقل أو ينسب لها من المعتقدات ما لا تلتزم به، وهذا لا يعني أن ندَّعي صحَّة جميع ما صدر تحت غطاء هذه المدرسة، فإن مدرسة أهل البيت عليهم السلام تشكِّل واحدة من أكبر المدارس التي تتعامل مع الإسلام في جميع أبعاده العقائدية والتشريعية والأخلاقية، وقد انتمى لها منذ ألف وأربعمئة سنة عشرات الآلف من الرجال، وصدرت لهم أضعاف هذا العدد من الكتب والمؤلَّفات، وانبثق عن هذه المدرسة الكثير من الاتجاهات والتيارات. وعليه فليس من المنطقي، ولا هذا قصدنا، أن ندّعي صحّة جميع هذا التراث الضخم الهائل وحقانيّته ومطابقته للحقيقة، فإنّ مثل هذا الرأي لا يُقدم عليه أحد ولا يتبنّاه - فيما أعرف- واحد من علماء هذه المدرسة.

ومن الظريف أن عدم فهم بعض دارسي ونقّاد مدرسة أهل البيت عليهم السلام لهذا الموضوع، وعدم استيعابهم هذا الغنى والتنوّع والثراء الكبير في هذه المدرسة، قادهم إلى تصوّر أن تعدّد التيارات واختلاف التوجّهات والمشارب في مدرسة أهل البيت عليهم السلام هو أحد عيوب وأزمات هذه المدرسة وعلامةٌ على تشرذمها وتفكّكها، وأغلب الظنّ أن دافع هؤلاء النقّاد لتبنّي هذا الرأي هو حيلولة هذا الواقع، الصحّي تماماً والسليم في منطق الفكر، دون ما كانوا يتمنّونه من إطلاق أحكام شمولية إقصائية تكفيرية تشمل جميع المنتسبين لهذه المدرسة، وتحميل الكلّ تبعات آراء البعض.

إن مرونة هذه المدرسة وكثرة تيّاراتها وتوجّهاتها هو مصدر اعتزاز وفخر لنا؛ وذلك لما تنمّ عنه تلك التيارات من جهود فكرية هائلة كوّنتها، على الرغم من علمنا بأن في ذلك إرباكاً لبعض العقول الضيّقة والنفوس المظلمة التي تتحيّن الفرص للإجهاز على هذه المدرسة.

على أن هذه الملاحظة التي ذكرناها أعلاه بشأن عدم التزامنا بحقانية جميع ما صدر عن هذه المدرسة على امتداد تاريخها، لا يعني التنصُّلَ عن الأسس المشتركة التي قام عليها هذا التراث الكبير، كما لا يعني إنكار المبادئ والقيم الأصيلة التي تشكّل ملتقى لكلّ هذه الجهود وكلّ هذا النتاج الفكري، إنما نودّ أن نلفت القارئ إلى نقطة في غاية الأهمية وهي أن مدرسة أهل البيت عليهم السلام - شأنها شأن المدارس الأخرى في التاريخ الفكري للإسلام- فيها ما هو جوهري وفيها ما هو ثانوي، فيها ما هو أساس فكري مُجمَع عليه وفيها ما هو عبارة عن جهد خاصّ بهذا العالم أو ذلك، فيها ما يُعدّ قاسماً مشتركاً رئيسياً وفيها ما هو عبارة عن مواقف فكرية تمثّل منتجيها ومولّديها، وعليه فليس من الصحيح إلغاء هذه الفروقات الهامة والجوهرية ونقد الكل بذريعة الجزء أو التماس مصادر ثانوية في تراث هذه المدرسة لتمثيل ما هو رئيسي وأوّلي فيها. في رأيي أن من شأن هذه الملاحظة أن تحدّ من الكثير من النقاشات والاعتراضات التي لا تعدو في حقيقتها مجرّد التباسات منهجية، أو اتهامات زائفة لا تقصد معرفة الحق والحقيقة.

نقطة الانطلاق في إشكالية هذا البحث هي هذه البديهية التي يتسالم على الاعتراف بها جميع علماء المسلمين، وهي أن المصدر الأساسي في تلقّي المعارف الإسلامية وفي فهم الإسلام عقيدة وتشريعاً وآداباً وأخلاقاً ورؤىً كونية ومفاهيم دينية هو القرآن الكريم والسنّة النبوية. الجميع يؤمن بقوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كلّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاَء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}([25])، وبقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}([26]), وقوله تعالى: {مَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}([27])، ولكن بالرغم من وحدة المصدر في استلهام الإسلام وفهمه نجد المسلمين منقسمين إلى فرق ومذاهب وتيارات، والسؤال الذي يؤرّق الجميع هو: لماذا وقع هذا الاختلاف بين المسلمين وما هو منشؤه؟ كيف وُجد كلّ هذا الاختلاف الحادّ والهائل بين المسلمين على الرغم من اعترافهم بوحدة المصدر الذي يُستقى منه الإسلام؟

في اعتقادي أن هذا السؤال يختزل أهمّ جوانب المشكلة، كما أن الإجابة عليه تُعدّ أكبر الخطوات جذرية في فهم هذا الانقسام الحاصل بين المسلمين على شكل فرق ومذاهب وتيارات.

شخصياً أرى أن جانب المشكلة الأبرز يتعلّق بالمصدر الثاني من مصدرَي فهم الإسلام وليس المصدر الأول، أي في السنّة النبوية وليس في القرآن الكريم، بعبارة أخرى: إن طريق تلقّي هذه السنّة والمرجعية المعتمدة في تحصيلها هو الجانب الأهم في خلق مشكلة انقسام المسلمين وتخندقهم في مذاهب وفرق متعددة، وهو أيضاً العنصر الذي يفترض أن يناقش ويحقّق قبل البدء بأيّ حوار نقدي مذهبي.

من المعروف أن العالم الإسلامي منقسم في معالجة هذه المشكلة إلى قسمين:

قسم يذهب إلى مرجعية العترة (وهي التسمية المقترحة بدلاً عن التعبير بـ>أهل البيت<؛ إذ الأول لا يسمح بدخول غير الإمام علي والصدّيقة الزهراء وأولادهما عليهم جميعاً سلام الله على العكس من التعبير الأخير الذي حاول البعض إقحام نساء النبي فيه) وأولويتهم في نقل السنّة النبوية وشرحها وتفسير النصّ القرآني، وإيضاح ما يحتويه من معارف ورؤى ومفاهيم.

وقسم آخر يذهب إلى إيكال هذه المهامّ إلى الصحابة وإعطائهم الأولوية في ممارسة هذا الدور.

إنّ حلّ الإشكاليات المذهبية والخلافات العقائدية التي تفرزها مُناطٌ- في اعتقادي- بحسم هذه المشكلة قبل البدء بالدخول في تفاصيل الخلافات الأخرى. فمثلاً: الخلافات العقائدية بشأن توحيد الله تعالى وفهم صفاته سبحانه وعلاقة تلك الصفات بذاته المقدسة، أو الخلافات حول مفاهيم الشفاعة والتوسّل والزيارة (وإنما أذكر هذه الأمثلة لأنها موضوع حديث الساعة وإلا فإن الأمثلة في هذا المجال من الكثرة والتنوّع ما لا عدّ ولا حصر لها) إنما يُحسَم النقاش فيها من خلال العودة إلى السنّة النبوية، وهذه الأخيرة تختلف باختلاف الطريق الموصل لها.

إذن فالنقاش ينبغي أن ينصبّ على هذه الطرق تحديداً، ونبدأ بمعالجة موضوعة: أنعود إلى التراث النبوي كما ينقله لنا الصحابة، أم نختار ما جاء عن طريق العترة؟ من هنا ينبغي أن تبدأ في اعتقادي خطوتنا الأولى باتجاه دراسة الاختلافات الواقعة بين مذاهب المسلمين.

قد يتصوّر البعض أنّ مقابلة الصحابة بالعترة ووضع كلّ واحد منهما كقطب أمام الآخر إنما هي مشكلة مختلقة، لا وجود لها في التاريخ الفكري الإسلامي، وإنما نحن نفترضها ونصطنعها، ففي النهاية - هكذا يستمرّ هذا البعض في تصوّره- لا يختلف أتباع مدرسة الصحابة على عدّ الإمام علي (وهو سيّد العترة والمعنيّ الأول بهذا التقسيم) واحداً من الصحابة، بل من أبرز الصحابة وأعظمهم وأرفعهم شأناً، ولا يختلفون أيضاً حول التمسّك بما يرويه وينقله عن النبي صلّى الله عليه وآله ، وكذا الحال مع شخصيات أهل البيت الأخرى كالإمام الحسن والإمام الحسين سبطي رسول الله وسيدَي شباب أهل الجنة؛ من هنا فإنّ عزْل الإمام علي عليه السلام وبقية شخصيات أهل البيت ومقابلتهم ببقية الصحابة أمر لا أساس له، لا في التاريخ الإسلامي ولا في كتابات علماء ومفكّري المسلمين.

إلا أننا نعتقد مع ذلك أن الفرق بين وجهتي نظرة مدرسة العترة ومدرسة الصحابة بشأن دور الإمام علي عليه السلام يبقى قائماً؛ وذلك أن الفرق الأساسي بين النظريتين هو أن المدرسة الأولى تجعل من الإمام علي قطب الرحى في تمثيل الإسلام وفي معرفة العقيدة الإسلامية وتحديد مفاهيمها ورؤاها وأحكامها التشريعية، وعندما يثبت لها بالآليات والطرق الموضوعية المقرَّرة في مجال الإسناد التاريخي والتشريعي أن له رأياً أو فهماً أو نقلاً في مجال ما من تلك المجالات، فإنها تعتبر ذلك الرأي والفهم والنقل هو رأي الإسلام وفهم الإسلام، وكلّ ما خالفه أو عارضه فهو باطل ولا قيمة له، أي أن هذه المدرسة تضع عليَّ بن أبي طالب كميزان ومعيار نهائي في معرفة الإسلام والإيمان بما جاء به رسول الله صلّى الله عليه وآله ولا تضع معه في هذه المنزلة أيَّ شخص آخر من المسلمين، سواء أكان من الصحابة أم ممن جاء بعدهم. وليست هذه النظرة لشخصية الإمام علي عليه السلام ولا الدور الذي مارسه، بل والذي أُنيط به حصراً كما تعتقد الشيعة، مما تتبنّاه مدرسة الصحابة في تعاملها مع تلك الشخصية، بل إننا سوف نشير لاحقاً إلى أن هذه المدرسة ليس فقط لا تعتمد رأي مدرسة العترة في فهمها لدور ومكانة الإمام علي عليه السلام في فهم الإسلام، بل ولا تتعامل معه على مسافة واحدة كما تتعامل مع الصحابة غيره، وسنثبت أن دور الإمام علي عليه السلام في فهم مدرسة الصحابة لا يشغل إلا حيزاً هامشياً بالمقارنة مع غيره من الصحابة، سواء في نقل السنّة النبوية أو في شرح تعاليم الإسلام أو في غير ذلك مما يتعلّق بالإسلام، وسنجد أنها لا تحفل بمخالفته وانفراده عن الآخرين من الصحابة. وهذا الأمر ليس مجرّد تحليل نظري نستنتجه من تراث مدرسة الصحابة، فهناك تصريح واضح وجليّ من علماء هذه المدرسة بذلك حين يقولون بأعلمية الخلفاء الأول والثاني والثالث قياساً بأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام حين يذهبون إلى أن ترتيبهم، أي ترتيب هؤلاء الأربعة، في الفضل والعلم، كترتيبهم في الخلافة وتسلُّمهم زمام الحكم والسلطة.

في مجال اعتماد الصحابة كمرجعية في فهم الإسلام توجد لدينا نصوص كثيرة جداً يربو مجرّد جمعها على أكثر من مجلد، ولكننا سوف نذكر بعض هذه النصوص على سبيل المثال وليس الحصر، وبل ليس حتى الأهمية, وإنما فقط لمجرّد التدليل:

1. في نصّ يكاد يجمع أطراف هذه النظرية يقول أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي الأندلسي(ت 790هـ) في كتابه >الموافقات في أصول الفقه< ما يلي:

>سنّة الصحابة رضي الله عنهم سنّة يعمل عليها ويرجع إليها. ومن الدليل على ذلك أمور:

أحدها: ثناء الله عليهم من غير مثنوية، ومدحهم بالعدالة وما يرجع إليها؛ كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}([28]). وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}([29]). ففي الأولى إثبات الأفضلية على سائر الأمم، وذلك يقضي باستقامتهم في كلّ حال، وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة، وفي الثانية إثبات العدالة مطلقًا، وذلك يدلّ على ما دلّت عليه الأولى. [...].

والثاني: ما جاء في الحديث من الأمر باتباعهم، وأن سنّتهم في طلب الاتباع كسنة النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم كقوله: (فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ)[...].

والثالث: أن جمهور العلماء قدّموا الصحابة عند ترجيح الأقاويل [...].

الرابع: ما جاء في الأحاديث من إيجاب محبّتهم وذمّ من أبغضهم، وأنّ من أحبّهم فقد أحبّ النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم ومن أبغضهم فقد أبغض النبي عليه الصلاة والسلام ، وما ذاك من جهة كونهم رأوه أو جاوروه أو حاوروه فقط؛ إذ لا مزيّة في ذلك، وإنما هو لشدّة متابعتهم له، وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنّته مع حمايته ونصرته، ومن كان بهذه المثابة حقيق أن يُتّخذ قدوة، وتُجعلَ سيرته قبلة<([30]).

2. قال الغزالي(ت 505هـ) في كتابه (المستصفى في أصول الفقه): >وقد ذهب قوم إلى أن مذهب الصحابي حجّة مطلقاً ...<([31]).

من هنا نعرف أن فهم الدين الإسلامي وبيان عقائده وأحكامه ورؤاه يكون طبقاً لمدرسة الصحابة من خلال سنّة الصحابة، أو من خلال نقلهم عن النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله .

قد يغالط البعض فيقول: ما دمتم لا تؤمنون بما ننقله عن الصحابة ولا تقبلون حديثنا، كما نحن لا نؤمن بما تنقلونه عن العترة عليهم السلام ولا نقبل حديثكم، فلِمَ لا يتمّ الانتقال بالمناقشة إلى المصدر الأول من مصدري الإسلام وهو القرآن الكريم, عندئذٍ ننظر للقرآن الكريم فنأخذه بما جاء فيه ونعمل به ونترك ما نفاه ونرفضه؟

الواقع أنه لا يمكن القبول بهذا القول وذلك:

أوّلاً: لأن السنّة النبوية ركن أساسي في فهم الإسلام ولا يمكن غضّ الطرف عنها، كما قالت الآية القرآنية {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}([32])، وقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}([33]).

وثانياً: لأن القرآن حمّال أوجه، وفيه الكثير من الآيات المتشابهة أو المحتملة أو العامّة أو المطلقة، ويحتوي على الكثير من المجازات والكنايات والاستعارات؛ وهذا يجعل من مهمّة فهمه بمعزلٍ عن السنّة النبوية مهمّةً عسيرةً وصعبةً للغاية إن لم تكن مستحيلة، وبالتالي فلا يمكن الاكتفاء به وحده فقط.

وثالثاً: لأن القول بعدم قبول كلّ طرف لما ينقله الطرف الآخر بنحو مطلق، غير صحيح على إطلاقه. فنحن لا نرفض جميع ما ينقله البخاري ومسلم مثلاً وإنما نرفض فقط ما انفردا به أو ما لم يتمّ الدليل على صحّته. أما ما لم ينفردا به فهو حجّة لدينا، وكذا ما تمّ الدليل عليه بإجماع أو موافقة للقرآن الكريم وغير ذلك من المعايير الشرعية الموضَّحة في علم أصول الفقه.

موقف مدرسة الصحابة من مسألة النقل عن العترة

صحيح البخاري نموذجاً

لقد أشرت سابقاً إلى الفرق الرئيسي الذي يميّز مدرسة أتباع العترة عن مدرسة أتباع الصحابة وقلت إن موضوع الالتزام بما ترويه العترة عليهم السلام وما توضحه من تعاليم الإسلام ليس على حد سواء بين هاتين المدرستين، وإنّ من يتقيَّد بمدرسة العترة هو الجدير بأن يحمل هذه التسمية، وإن الاعتراض بكون مسألة المقابلة بين العترة والصحابة مشكلة مصطنعة غير دقيق وغير صحيح إطلاقاً، بل إن هناك الكثير من الشواهد مما تثبت صحّة هذه المقابلة وحقيقتها.

أودّ الآن أن أوضح للقارئ الكريم بعض أبعاد هذه المقابلة وكيف تعرَّض أئمة العترة عليهم السلام إلى الإقصاء والتهميش في ذلك كلّه من خلال أهمّ كتاب في التراث الحديثي لمدرسة الصحابة، أعني به كتاب >صحيح البخاري<. فمع أن الجميع يروي - وبألفاظ مختلفة- عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنه قال: (إنّي أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا بعدي: الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل مدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، ألا و إنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض) إلا أن الواقع التاريخي لمدرسة الصحابة يثبت أن هذه المدرسة لم تولِ هذه العترة ما تستحقّه من عناية في الأخذ منها والتقيّد بتعاليمها.

لنحاول الآن أن نعرف عدم العناية تلك، وذلك من خلال المقارنة بين صحابيَّين من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وآله وما شغلاه من حضور في الكتاب المشار إليه أعلاه في موضوع النقل عن رسول الله صلّى الله عليه وآله : الأول الإمام علي عليه السلام , والثاني هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي(ت: 57هـ).

لن نخوض في موضوع إسلام أبي هريرة وطبيعة علاقته برسول الله صلى الله عليه وآله، ولا ميله وعلاقته بمعاوية - العدوّ التقليدي للإمام أمير المؤمنين عليه السلام - إنما أكتفي بإيراد بعض الإشارات الهامة التي تسلّط الضوء على هذه الأمور، وذلك نقلاً عن أحد أكبر دارسيه والمتخصصين في حياته العلمية والسياسية وما وصلنا من مرويّاته، عنَيتُ به الباحثَ الأستاذ محمود أبو رية الذي تناوله في دراستين، هما: (أضواء على السنّة المحمّدية)، و(أبو هريرة شيخ المضيرة) .

نستهلّ حديثنا حول أبي هريرة بتذكير القارئ بمعلومة على مستوى كبير من الأهمية أشار لها الأستاذ أبو رية في كتابه (أضواء على السنّة المحمدية) وأثبتها بنحو علميّ محكم في كتابه الآخر (أبو هريرة شيخ المضيرة) وهي أن أبا هريرة لم يصحب رسول الله صلى الله عليه وآله إلا عاماً وتسعة أشهر فقط، أو - وهذا هو قول أبي هريرة نفسه ويمكننا التسليم به جدلاً لكونه لا يؤثر كثيراً على موقفنا من مرويّاته- ثلاث سنوات على أفضل التقادير.

لنستمع إلى ما قاله محمود أبو رية أو نقله عن آخرين من العلماء والباحثين الذين وقفوا على حياة أبي هريرة ومرويّاته:

قال أبو رية وهو ينقل عن السيد محمد رشيد رضا أنه قال: >لو طال عُمْرُ عُمَر حتى مات أبو هريرة لما وصلت إلينا تلك الأحاديث الكثيرة<.

ثم إنه نقل عن ابن قتيبة عبد الله بن مسلم الدينوري في (مختلف تأويل الحديث) أنه قال: >إنه لما أتى أبو هريرة من الرواية عنه صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم ما لم يأتِ بمثله مَن صحبه من جلّة أصحابه والسابقين الأولين، اتَّهموه وأنكروا عليه وقالوا: كيف سمعتَ هذا وحدَك؟ ومن سمعه معك؟ وكانت عائشة رضي الله عنها أشدّهم إنكاراً عليه لتطاول الأيام بها وبه<([34]).

ومن هنا كان أبو هريرة كما نقل أبو رية عن الكاتب مصطفى صادق الرافعي - وهما على حقّ في ذلك-: أول راوية اتُّهم في الإسلام.

وقد ورد في البخاري أن لأبي هريرة (كيساً) يُخرج منه الحديث ! قال: >حدّثنا أبو صالح، قال: حدّثنا أبو هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله : أفضل الصدقة ما ترك غنى, واليد العليا خير من اليد السفلى, وابدأ بمن تعول. ثم وردت في الحديث هذه التتمة: تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول البعد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني إلى من تدعني. فقالوا يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله؟ قال: لا, هذا من كيس أبي هريرة< ([35]).

إن أبا هريرة -كما نقل أبو رية عن أبي محمد بن حزم- روى (5374) حديثاً عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أثبت البخاري في صحيحه (446) حديثاً منها. وقد علَّق أبو رية على هذه الظاهرة في حياة أبي هريرة بما يشبه القاعدة في تمييز حجم ما يمكننا توقّعه من مرويّات الصحابي قائلاً: >وبقى أن تعرف مقدار ما رواه الذين سبقوه بالإيمان وكانوا أوفى منه إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وأعلم بالدين وأبعد في الفضل والجهاد من المهاجرين والأنصار وغيرهم وقضوا مع رسول الله سنين طويلة, لنرى كم روى كبارهم من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله < ليشرع بعدها بالحديث عن كبار الصحابة واحداً تلو آخر وحجم مرويّاتهم فيقول:

>فهذا أبو بكر أوّلُ الرجال إسلاماً بعد عليّ، وشيخُ الصحابة جميعاً، وقضى مع النبي ما قضى بمكة والمدينة، وكان نسّابة العرب، ترى كم من حديث رواه؟ قال النووي في تهذيبه: روى الصدِّيق عن النبي (142) حديثاً, أورد السيوطي منها في (تاريخ الخلفاء) (104) وله في البخاري (22)< أي أن البخاري روى عن أبي هريرة أكثر من عشرين ضعفاً مما رواه عن أبي بكر.

أما بخصوص الخليفة عمر بن الخطاب فيقول أبو رية:

>أسلم سنة ستّ وظلّ مع النبي صلّى الله عليه وآله إلى آخر حياته صلّى الله عليه وآله . من قوله: (كنت وجاراً من الأنصار نتناوب على رسول الله ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك) وبرغم ذلك كلّه لم يصحّ عنه إلَّا زهاء خمسين حديثاً كما أثبت ذلك ابن حزم<.

ويقول أبو رية عن الإمام علي عليه السلام : >أول من أسلم وتربَّى في حجر النبي وعاش تحت كنفه من البعثة وظلَّ معه إلى أن انتقل النبي إلى الرفيق الأعلى, لم يفارقه لا في سفر ولا في حضر, وهو ابن عمه وزوج ابنته فاطمة الزهراء, شهد المشاهد كلَّها سوى تبوك؛ فقد استخلفه النبي فيها على المدينة فقال: يا رسول الله, أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال رسول الله: أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي. هذا الإمام الذي يكاد لا يضارعه أحد من الصحابة جميعاً في العلم، قد أسندوا له كما روى السيوطي (58) حديثاً، وقال ابن حزم: لم يصحّ منها إلا خمسون حديثاً لم يروِ البخاري ومسلم منها إلا عشرين حديثاً<.

وعن عثمان وغيره من الصحابة يقول أبو رية:

>أمّا عثمان فقد روَى البخاري له تسعة أحاديث ومسلم خمسة.

الزبير بن العوام روى له البخاري تسعة أحاديث ومسلم حديثاً.

طلحة بن عبيد الله روى له البخاري أربعة أحاديث.

عبد الرحمن بن عوف روى له البخاري تسعة أحاديث.

أُبيّ بن كعب له في الكتب الستّة ستّون حديثاً ونيّف.

زيد بن ثابت روى له البخاري ثمانية أحاديث, واتّفق الشيخان على خمسة.

سلمان الفارسي أخرج له البخاري أربعة أحاديث ومسلم ثلاثة ...

وقد ثبت أن كثيراً من الصحابة لم يرووا عن النبي شيئاً<([36]).

ومن هنا نعرف أن ما رواه البخاري عن أبي هريرة يفوق ما رواه عن الإمام علي بأكثر من (22) ضعفاً.

هذا حال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في مرويّات البخاري، أما لو انتقلنا إلى البقية من أئمة أهل البيت عليهم السلام المتأخّرين وفيهم من عاصر البخاري كالأئمّة الجواد والهادي والعسكري، لرأينا أن استبعاد الأئمة عليهم السلام يكاد يكون نهائياً وجذرياً! فهو لم ينقل عنهم عليهم السلام ولا حتى رواية واحدة !؟ حتّى الإمام الصادق عليه السلام - الذي يُعَدّ أبا المذاهب الأربعة وأستاذ أئمة هذه المذاهب- لم ينقل عنه حتى رواية واحدة، ومما يزيد الأمر غرابة علمنا بأن البخاري عاش في نفس الحاضنة العلمية التي كان يعيش فيها الإمام الصادق عليه السلام ، أي الحجاز، وأنه جاء بعد الإمام الصادق بفترة ليست بالطويلة في عرف المحدّثين. فالإمام الصادق توفِّي عام (146 أو 148) والبخاري توفّي عام (256) وعليه لا تكون الفاصلة الزمنية بينهما إلا قرناً ونيّف من السنين، مع أنه ينقل عن تلامذة الإمام الصادق ويحجم عن النقل عن الإمام نفسه.

قال الشيخ محمد صادق نجمي مؤلف الكتاب الهامّ (تأمّلات في الصحيحين - دراسة وتحليل لصحيحي البخاري ومسلم):

>نرى البخاري ومسلم يرويان عن ستة وعشرين رجلاً يسمّون بالحسن، وثلاثة وعشرين راوياً باسم موسى، وتسعة وثلاثين محدّثاً معروفين باسم عليّ، ولم يكن بينهم ذكر عن اسم الإمام الحسن المجتبى ريحانة رسول الله صلَّى الله عليه وآله ، أو إشارة إلى اسم موسى بن جعفر حفيد النبي صلَّى الله عليه وآله ، أو اسم لحفيد النبي صلَّى الله عليه وآله علي بن موسى الرضا عليه السلام الذي كان علمه وفضله موضع إجلال وتكريم المحبّ والمبغض.

نعم، إن مسلماً والبخاري لم يُخرجا حتى حديثاً واحداً عن أحد من أهل البيت عليهم السلام ، مثل: الإمام الحسن المجتبى، والإمام موسى بن جعفر، والإمام علي بن موسى الرضا، والإمام محمد الجواد، والإمام الهادي، وخاصة الإمام الحسن العسكري عليه السلام الذي كان معاصراً للبخاري<([37]).

وأختم حديثي هذا بنقل كلمة قيّمة للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي وردت في تفسيره (الميزان في تفسير القرآن)، قال: >إن ما جرى في أمر الخلافة بعد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أوجب اختلاف آراء عامة المسلمين في أهل بيته؛ فمن عاكف عليهم هائم بهم، و من معرض عنهم لا يعبأ بأمرهم و مكانتِهم من علم القرآن، أو مبغضٍ شانئ لهم، وقد وصّاهم النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - بما لا يرتاب في صحّته ودلالته مسلمٌ- أن يتعلّموا منهم ولا يعلّموهم، وهم أعلم منهم بكتاب الله، و ذكر لهم أنهم لن يغلطوا في تفسيره ولن يخطئوا في فهمه. قال في حديث الثقلين المتواتر: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي و لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض الحديث [...]. وقال في المستفيض من كلامه: من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار [...] وهذا أعظم ثلمة انثلم بها علم القرآن وطريق التفكّر الذي يندب إليه.

ومن الشاهد على هذا الإعراض قلّة الأحاديث المنقولة عنهم عليهم السلام فإنك إذا تأمّلت ما عليه علم الحديث [...] ثمّ أحصيت ما نُقل في ذلك عن عليّ والحسن والحسين، وخاصّة ما نُقل من ذلك في تفسير القرآن لرأيت عجباً: أما الصحابة فلم ينقلوا عن علي عليه السلام شيئاً يذكر، وأما التابعون فلا يبلغ ما نقلوا عنه - إن أحصي- مئة رواية في تمام القرآن، وأما الحسن عليه السلام فلعلّ المنقول عنه لا يبلغ عشراً، وأما الحسين فلم ينقل عنه شيء يذكر، وقد أنهى بعضهم الروايات الواردة في التفسير إلى سبعة عشر ألف حديث من طريق الجمهور وحده([38])، وهذه النسبة موجودة في روايات الفقه أيضاً<([39]).


المحاور المقترحة لمناقشة الإشكالية

في ضوء الفكرة التي قدّمناها بشأن إشكالية الحوار المذهبي، أعني أهمية بدء النقاش بالمصدر الثاني من مصادر الفكر الإسلامي (السنّة النبوية) ([40]) وضرورة دراسته وفحصه ومعالجة الأسئلة التي يفرزها قبل الانشغال بالتفاصيل الأخرى، فإننا نقترح أن نضع بين يدي القارئ أهمّ المحاور التي نراها ضرورية في تحليل ودراسة هذه الفكرة.

بطبيعة الحال إن دراسة هذه المحاور المقترحة تحتاج إلى فرصة أوسع وأشمل وليس من الممكن تفصيل كلّ ذلك في هذا البحث المختصر. ولعلنا نقتصر في حديثنا هنا على مجرّد المحور الأول فقط.

أما المحاور المقترحة فأضعها على نحو أسئلة بالشكل التالي:

المحور الأول: وهو عبارة عن سؤال مركزي وأساسي يناقش أصل الحاجة إلى السنّة النبوية في فهم المعارف الدينية، والسؤال هو: هل هناك حاجة تدعونا إلى العودة إلى السنّة النبوية أم أنّه يمكننا الاكتفاء بالنصّ القرآني المقدّس فقط؟

إن الجواب على هذا السؤال لا يقتصر تأثيره فقط على تصورنا للجانب النظري لكيفية تكوين المنظومة الفكرية الإسلامية (عقيدة وتشريعاً وأخلاقاً...) وعلاقة ذلك بالقرآن الكريم، بمعنى أن نختار بمقتضى هذا الجواب بناء هذه المنظومة وصياغتها اعتماداً على القرآن الكريم فقط، بمعزل تامّ عن السنّة النبوية، بل يمتدّ تأثيره إلى تصوّراتنا للدور الفكري الذي يضطلع به نقلة هذه السنّة النبوية، أي جميع الصحابة بما فيهم أهل البيت عليهم السلام ويطرح تساؤلاً بشأن ما يبقى لهم من وظيفة في المجتمع الإسلامي المتأخّر عليهم.

المحور الثاني: وهو يتفرّع على المحور الأول ويتوقّف الخوض فيه على طبيعة النتيجة التي ننتهي إليها هناك، فإن اخترنا هناك الجواب بالإيجاب على السؤال - بأن نقول: إننا بحاجة إلى السنّة النبوية في بنائنا وتكويننا للمنظومة الفكرية الإسلامية، وأنه لا غنى لنا في إنجاز هذه المهمّة بنحو صحيح بمعزل عنها- كان بوسعنا تناول المحور الثاني وما يقترحه من سؤالٍ هو عبارة عن: ما هو دور هذه السنّة؟ وما هي المهمّة التي تشغلها في صياغة الفكر الإسلامي، هل وظيفتها وظيفة تكميلية لما عجز النصّ القرآني عن القيام به أم أن هذا الافتراض - كما هي عقيدتنا- الذي يفترض قصور ونقص النصّ القرآني غير صحيح وباطل، وعندها تكون وظيفة السنّة النبوية هي البيان والشرح والتفصيل؟ ثم إن تلك الحاجة للسنة أتعود إلى حاجة نفس النصّ القرآني بالبيان والتفسير أم إلى حاجتنا نحن المسلمين المتلقّين له؟

المحور الثالث: لو افترضنا أن الحاجة كانت ماسّة للسنة النبوية في تكوين الفكر الإسلامي، وافترضنا أيضاً أن مهمّة هذه السنّة هو التبيان والشرح، حينها يتوجّب علينا الإجابة على هذا السؤال الهام والجوهري، وهو: كيف يمكننا تحصيل تلك السنّة النبوية؟ ما هي الطرق والوسائل التي يمكننا من خلالها الظفر بتلك السنّة دون دمجها بما ليس منها مما يعدّه المسلمون كذباً وباطلاً أُقحم في السنّة النبوية؟

وهذا المحور هو صلب ما أشرنا إليه سابقاً من اختلاف المسلمين في الطريق المفضي إلى السنّة وقلنا حينها إن المسلمين سلكوا طريقين مختلفين: بعضهم اعتمد الصحابة كطريق وممرّ إلى تحصيل هذه السنّة، وبعضهم الآخر فضّل العودة إلى العترة عليهم السلام لإنجاز هذه المهمّة، وكل واحد من الطرفين أوضح مبررات خياره هذا في مصنفات عديدة توزَّع على اختصاصات أصول الفقه وعلمي الحديث والرجال وغيرهما.

وهذا المحور لا يقتصر على مجرّد إثبات هذا الاختلاف بين المدرستين، وتمسّك كلّ طرف بطريقه المذكور، وسرده لمبررات هذا التمسّك، وإنما يتعدّى ذلك إلى مناقشة عدّة أمور فرعية أيضاً هي وليدة لهذا المحور، نظير: معايير قبول الرواية والاشتراطات العلمية لقبول خبر الواحد والمتواتر والمستفيض ومعايير الجرح والتعديل في تقييم رجال تلك الأسانيد .... وغير ذلك من أبحاث تفصيلية ودقيقة.

وفي هذا المحور بالذات سوف نطالع الكثير من الإقصاء والتهميش للعديد من الشخصيات العلمية الكبيرة التي انتمت إلى مدرسة العترة عليهم السلام وكيف أُسقطت عدالتهم ووثاقتهم وطُعن في دينهم بعبارات النبز (كرافضي ومتشيّع وغير ذلك من عبارات أهل الجرح والتعديل في مدرسة الصحابة) لا لجرم اقترفوه إلا مجرّد الالتزام والتمسّك بأهل البيت النبوي عليهم السلام .

المحور الرابع: وهذا المحور يتعلّق بما بات يسمّى في الدراسات الحديثية بالنقد الداخلي للنصّ - كما يسمّى المحور الثالث بالنقد الخارجي للنص- وهو عبارة عن التساؤل عن الأدوات التي يتمّ بواسطتها تحليل نصوص تلك السنّة النبوية وفهمها، كيف تُفهم السنّة وما هي الآليات والمفاهيم التي تنهض بهذه المهمّة الأساسية؟ وهذا أحد المحاور التي تعددت فيه النظريات وكثرت فيه الاتجاهات بين فلاسفة وفقهاء ومتصوّفة وغيرهم، بل وتعددت الاتجاهات بين الصنف الواحد منهم، ونظير هذا نجده في تعدد تيارات الفكر الإسلامي في قراءة وتفسير النصّ القرآني الذي تنوّعت مناهج الدارسة له إلى حد كبير حتى عاد لدينا اختصاص قائم بذاته اسمه >مناهج التفسير<.


اتجاهات التعامل مع السنة النبوية

في مجال المحور الأول من المحاور الأربعة المتقدمة، وهو الحاجة إلى السنّة النبوية، نلحظ وجود اتجاهين في التاريخ الفكري للمسلمين وهم يتعاملون مع تلك السنّة، وبالرغم أن تطورات الاتجاه الثاني الذي سنذكره بعد قليل قد اختلفت اختلافاً كبيراً عن بداياته إلا أن ذلك لا يمنعنا من اعتباره اتجاهاً قائماً بذاته له معتنقوه ومناصروه، على الأقلّ في العقود الأولى من حياة المجتمع الإسلامي بعد رحيل نبي الإسلام صلى الله عليه وآله . نعم, تمَّ التراجع عن الالتزام بهذا الاتجاه في مراحل تاريخية لاحقة مما جعل كلامنا في سرد هذا الاتجاه مجرّد تحليل نظري محدود بفترة تاريخية معيّنة، ولكن هذا التحليل النظري التاريخي أمر لابد منه مادمنا نروم فرز هذه الاتجاهات في حياة العقل المسلم.

الاتجاه الأول: التعاطي الإيجابي مع السنة النبوية

هذا هو الاتجاه العام والسائد اليوم بين المسلمين على اختلاف طوائفهم وتياراتهم، وهو يقول بضرورة السنّة النبوية وأهمّيّتها في فهم وتأسيس المعارف الدينية. فالمحورية تكون للقرآن الكريم ودور السنّة دور تبييني. ويكون الأخذ بالسنّة النبوية (قولاً وفعلاً وتقريراً) نتاجاً للآية القرآنية التي تنصّ {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}([41]).

أما الأدلة التي يتمسّك بها أصحاب هذا الاتجاه فهي كثيرة, منها:

أولاً: الإجماع العملي الذي أشرنا إليه قبل قليل، والذي يمثّل اتفاق جميع المسلمين اليوم على ذلك.

ثانياً: الدليل القرآني، وهو عبارة عن مجموعة من الآيات القرآنية الكريمة التي تحثّ المسلمين على الأخذ بما يَرِدُهم عن الرسول الأكرم صلَّى الله عليه وآله ومتابعته والالتزام بتعاليمه. من تلك النصوص الآيات التالية:

أ- قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}([42]).

ب- قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}([43]).

ج- قوله تعالى: {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً}([44]).

ثالثاً: الدليل الروائي الذي ينصّ على تلك الحاجة. وهناك أحاديث عديدة في هذا المجال، منها الحديث المتواتر والمتَّفق عليه بين جميع المسلمين؛ حديث الثقلين. وهذا الحديث بالرغم من الاختلاف في بعض ألفاظه بين (الكتاب والعترة) أو (الكتاب والسنّة)([45]) إلا أن هذا الاختلاف لا يضرّ بأصل الاستدلال بهذا الدليل، وهو توقّف نجاة الأمّة وعصمتها من الوقوع في الضلال، على التمسّك بالسنّة، سواء أكان طريقنا إليها هم الصحابة أم العترة الطاهرة. نعم، الاختلاف في ألفاظه له علاقة وتأثير مباشر بالمحور الثالث من المحاور المتقدمة، أي تمحيص الطريق الحق من بين الطريقين الناقلين لتلك السنّة، واعتقادنا أن الصحيح في ذلك هو اللفظ الذي ينصّ على العترة، وهو ما سنأتي على إثباته في القادم من أبحاث هذه السلسلة إن شاء الله تعالى.

الاتجاه الثاني: التعاطي السلبي مع السنة النبوية (نظرية حسبنا كتاب الله)

وهذا الاتجاه يذهب إلى عدم الحاجة إلى السنّة النبوية في فهم وتأسيس المعارف الدينية، وقد أشرنا سابقاً أن هذا الاتجاه لم يُعد هناك من يمثّله داخل المذاهب الإسلامية المعاصرة، وأنّ عدم التمثيل هذا لا يقلّل من كونه اتجاهاً فكرياً آمن به البعض ولو في فترة محدودة ودعوا إليه، وإن لم تنجح تلك الدعوة في أهدافها.

سيتّضح لاحقاً أن صاحب هذا الاتجاه - بنحو يكاد يكون حصرياً- هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، والنصوص التي لدينا وإن أحجمت بعض الأحيان عن التصريح باسمه إلا أنّ بعضها الآخر عاد وصرّح بذلك، بل وإنّ لدينا من النصوص التاريخية ما يثبت أن هذا الموقف من السنّة النبوية كان سياسة ثابتة وواعية اعتمدها الخليفة الثاني .

من أهمّ تلك النصوص ما ورد عن الخليفة الثاني في ساعة احتضار النبي صلَّى الله عليه وآله حين حاول صلَّى الله عليه وآله أن يكتب كتاباً لا تضلّ الأمة بعده وقيام عمر بمنع رسول الله صلَّى الله عليه وآله عن كتابته. وقد نُقل هذا الحديث في أهمّ المدوَّنات الحديثية عند مدرسة الصحابة وأكثرها شهرة، إلَّا أننا سنقتصر على نقله من أهمّ كتابين حديثيين لدى تلك المدرسة، وهما صحيحا البخاري ومسلم، فإن في ذلك كفاية لإلزام الطرف الآخر، ثم نتلوه بذكر كلمة مهمّة لأحد مشاهير علماء الإسلام وهو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الأندلسي.

ورد هذا الحديث في صحيح البخاري في أربعة مواضع، انفرد بثلاثة منها واشترك معه مسلم في الموضع الرابع، ونحن نذكر هذه المواضع الأربعة بنفس هذا التتابع وبالنحو التالي :

1. عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال:

(لمّا حضر رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم وفي البيت رجال، فقال النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم : «هلمّوا أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده». فقال بعضهم: >إن رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله<. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: >قرّبوا يكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده<. ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف، قال رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم : «قوموا». قال عبيد الله: فكان يقول ابن عباس: إن الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم)([46]).

2. عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: (لما اشتدَّ بالنبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم وجعه قال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده»، قال عمر: >إن النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله، حسبنا<. واختلفوا وكثر اللغط، قال صلى الله عليه وآله : «قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع». فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كلَّ الرزية ما حال بين رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم وبين كتابه)([47]).

3. عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما حُضِرَ رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم : «هلمّ أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده»، فقال عمر: >إن النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله<. فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: >قرّبوا يكتب لكم النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم كتاباً لن تضلّوا بعده<، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم قال رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم : «قوموا». قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كلَّ الرزية ما حال بين رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم)([48]).

4. عن سعيد بن جبير قال: (قال ابن عباس: يوم الخميس، وما يوم الخميس! اشتد برسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم وجعه فقال: «ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً» فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما شأنه أهجر! استفهموه؟ فذهبوا يردون عليه، فقال: «دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه» وأوصاهم بثلاث، قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» وسكت عن الثالثة أو قال: فنسيتها)([49]).

أمّا الكلمة التي وعدنا القارئ بنقلها له عن أبي إسحاق الشاطبي، فقد وردت في الباب التاسع (في السبب الذي لأجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين) من كتابه (الاعتصام) الذي ألّفه لمناهضة ما رأى أنه من البدع الموجبة لتفرّق الأمّة واختلافها وضلالها، فبعد أن أوضح أن وصف التفرّق والاختلاف لصيق بأهل البدع، انتقل إلى بيان أسباب هذا الاختلاف، وهي في نظره سببان: أحدهما قدريّ لا يقع ضِمن كسب العباد، والآخر كسبيّ تقع مسؤوليته عليهم، وهو بعد أن قسّم أوجه الاختلاف إلى ثلاثة أقسام (الأول: الاختلاف في أصل النحلة وفروعها، والثاني: الاختلاف في فروع النحلة دون أصولها، والثالث: الاختلاف في قواعد النحلة الكلية مع الاتفاق في أصولها) جعل اختلافات المسلمين في القسمين الثاني والثالث، فكان اختلافهم في الثاني غير ملامين عليه بل هو رحمة لهم، واختلافهم في الثالث هو الاختلاف البدعي المنهيّ عنه، ليشرع بعدها في بيان أسباب هذا الاختلاف الأخير. ولكن ما أردت نقله للقارئ يتعلّق بتصوّره عن الاختلاف القدري الذي حصل من الله تعالى للمسلمين دون أن يكون لهم دخل في خلقه ... قال:

(ولقد كان عليه الصلاة والسلام حريصاً على أُلْفَتنا وهدايتنا حتى ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما حُضِر النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم قال: - وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم - فقال: «هَلُمَّ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده»، فقال عمر: إن النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم غلبه الوجع وعندكم القرآن، فحسبنا كتاب الله. واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول كما قال عمر. فلما كثر اللغط والاختلاف عند النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم ، قال: «قوموا عني» فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كلَّ الرزية ما حال بين رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.

فكان ذلك - والله أعلم- وحياً أوحى الله إليه أنه إن كتب لهم ذلك الكتاب لم يضلّوا بعده البتّة، فتخرج الأمّة عن مقتضى قوله: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} بدخولها تحت قوله: {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} فأبى الله إلا ما سبق به علمه من اختلافهم كما اختلف غيرهم. رضينا بقضاء الله وقدره ونسأله أن يثبّتنا على الكتاب والسنّة ويميتنا على ذلك بفضله) ([50]).

ولا يكاد ينقضي عجبي مما كتبه الشاطبي هنا ! فهو يقول: إن النبي صلى الله عليه وآله حريص على هدايتنا، وإن ما دعا إليه من كتابة الكتاب كان بوحي من الله تعالى له، وإن الخليفة عمر هو الذي حال دون كتابته، ومع ذلك يجعل من هذا المنع قضاءً من الله تعالى! فيقول: (أبى الله إلا ما سبق به علمه من اختلافهم كما اختلف غيرهم) فهل من تناقض أبرز من هذا يمكن للمرء أن يتخيّله!

وعلى أية حال، ففي ختام هذه النصوص أودّ أن أشير إلى بعض النقاط التي تسلّط الضوء على بعض الأبعاد المهمّة لها، أضعها بالنحو التالي:

1. ليلاحظ القارئ الكريم أن موقف النبي صلَّى الله عليه وآله في جميع النصوص السابقة موقف المطالب بإحضار الدواة أو بالكتابة، وهذا مصداق واضح وجليّ لما أمرت به الآية الكريمة بالأخذ عنه صلَّى الله عليه وآله {مَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}([51]).

2. إن قول النبي صلّى الله عليه وآله في النصوص السابقة >لا تضلّوا بعدي< يوضح أن موضوع الكتاب لا يتعلّق بجانب دنيوي تافه أو أمر حياتي معيشي عادي، بل له علاقة بنجاة وهداية الأمة وعصمتها من الضلالة.

3. إن قوله صلّى الله عليه وآله >لن تضلوا بعدي أو بعده أبداً< يدلّ أن عدم >الضلال< فيه نوع من التأكيد والاستمرارية.

4. بالرغم من أن النصوص أعلاه لا تشير إلى من كان حاضراً من أهل البيت عليهم السلام أو من الصحابة في الغرفة التي حُضِر ومات فيها رسول الله صلَّى الله عليه وآله إلَّا أن من المتوقَّع جداً أن يكون الحاضرون هم "ثلّة محدودة" تقتصر على أهل بيته صلَّى الله عليه وآله وأكابر الصحابة وأبرزهم؛ وذلك استنتاج يمكننا تفهُّمه جرَّاء فهمنا لملابسات زمان ومكان هذا الحدث، إذ الزمان هو ساعة احتضار النبي صلَّى الله عليه وآله ، وهي أهمّ ساعة وأشدّها هولاً وحزناً بالنسبة للإنسان المسلم ولا سيَّما أكابر الصحابة. أما المكان، فإنّ معرفتنا بطبيعة سعة غرف بيوت ذلك الزمان تمنعنا من المبالغة في تقدير عدد الحضور من الصحابة وترجّح لدينا فرضية أن يكون الحاضرون منهم هم أكابر الصحابة فقط.

5. أجمع علماء المسلمين قاطبةً على أن الرجل الذي حال دون كتابة الرسول صلى الله عليه وآله الكتابَ ووصفَهُ بغلبة الوجع والهذيان هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ومن الملفت أن النصوص المتقدمة لم تصرِّح باسم القائل بنحو مباشر وإنما اكتفى بعضها بقول (فقالوا)، وبعضها الآخر بقول: (بعضهم)، وحتى تلك التي صرّحت باسمه لم تزد على القول (فقال عمر) دون أن تنسبه لأبيه أو قبيلته! فهل لجسامة الحدث وتداعياته الخطيرة من جهة، وطبيعة شخصية الخليفة الحادّة وسطوته من جهة أخرى، علاقة بإحجام الرواة عن ذكر اسمه؟ سؤال لا غنى للقارئ عن التفكير فيه.

6. ما يزيد الأمور غرابة أن النصوص المتقدمة تظهر أن عمر بن الخطاب كان أعرف حالاً بالنبي من النبي نفسه! فالنبي صلّى الله عليه وآله يقول: (ائتوني أو هلمّوا أكتب لكم الكتاب) وعمر يقول: لا تأخذوا كلام النبي صلّى الله عليه وآله مأخذ الجدّ؛ فهو قد غلبه الوجع أو أنه يهجر!

لا يقال: إن عمر لم يكن يقصد بكلمته تلك، أكثر من مجرّد الإشارة لمرض النبي صلّى الله عليه وآله دون أن يهدف إلى منع كتابة الكتاب.

لأننا نقول: إن عمر لم يقل (حسبنا كتاب الله وسنّة نبيّه) حتى يقال إنه لم يكن قاصداً المنع، إنما قال: (حسبنا كتاب الله)، وهذا يعني أنه ملتفت إلى إقصائه للسنة والكتاب الذي طالبَ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله بكتابته.

هذا، ولولا أنَّا اشترطنا في دراستنا هذه أن لا نأتي بأحاديث من خارج الصحيحين لنقَلْنا للقارئ بعض مواقف وأقوال الخليفة عمر التي تصبّ جميعها باتجاه منع تدوين الحديث وعزل السنّة النبوية والاكتفاء بالقرآن الكريم([52]) إلا أنني أكتفي بنقل هذين الحديثين ويبقى على القارئ أن يلاحظ ما يسلّطه الحديث الثاني من ضوء على السلوك الظاهر في الحديث الأول:

الحديث الأول: عن القاسم بن محمد بن أبي بكر: أن عمر بن الخطاب بلغه أنه قد ظهرت في أيدي الناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيها الناس، إنه قد بلغني أنه قد ظهرت في أيديكم كتب فأحبُّها إلى الله أعدلها وأقومها، فلا يُبقينّ أحد عنده كتاباً إلا أتاني به فأرى فيه رأيي. قال: فظنّوا أنه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار([53]).

الحديث الثاني: عن المقدام بن معد يكرب الكندي أن رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم قال: >يوشك الرجل متكئاً على أريكته يحدّث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عَزَّ وجَلَّ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام استحرمناه. ألا وإن ما حرّم رسولُ الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم مثلُ ما حرّم الله<([54]).

7. حاول البعض نسبة عبارة: (ولا ينبغي عند نبيّ تنازع) إلى ابن عباس وليس النبي الأكرم صلَّى الله عليه وآله ([55])، ولكن هذه المحاولة لا نصيب لها من الصحّة؛ وذلك لأن الرواية الثانية التي نقلناها عن البخاري في صحيحه صريحة في بيان أن قائل ذلك هو رسول الله صلَّى الله عليه وآله .

معنى الهجر: آراء الشراح والتعليق عليها

8. أجمعت كلمة شرّاح البخاري([56]) - إلَّا من شذّ فاحتمل غير ذلك- على تفسير كلمة الهجر التي قُذف بها رسول الله صلَّى الله عليه وآله بـ(الهذيان) و(الفحش). قال ابن حجر نقلاً عن القرطبي >والهُجْر (بالضمّ ثُمَّ السكون): الهذيان، والمراد به هنا: ما يقع من كلام المريض الذي لا ينتظم ولا يعتدّ به؛ لعدم فائدته<([57]).

نعم, حاول هؤلاء الشرّاح تخريج تلك الكلمة مخرجاً مقبولاً لمعرفتهم، وهو صريح قولهم باستحالة وقوع ذلك من رسول الله صلَّى الله عليه وآله لقول الله تعالى في نبيّه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ولروايتهم عنه صلَّى الله عليه وآله قوله: >إني لا أقول في الغضب والرضا إلا حقّاً<؛ ولذا لخَّص ابن حجر عن القرطبي أهمّ الاحتمالات لتأويل تلك الكلمة التي لخَّصها الأخير عن عياض؛ أقتبس من ابن حجر ما يلي:

>إنما قاله [يقصد كلام من قال: ما شأنه؟ أهجر] من قاله منكراً على من توقّف في امتثال أمره بإحضار الكتف والدواة، فكأنه قال: (كيف تتوقّف أتظن أنه كغيره يقول الهذيان في مرضه؟ امتثِل أمره وأحضِره ما طلب فإنه لا يقول إلّاَ الحق)، قال: هذا أحسن الأجوبة. قال: ويحتمل أن بعضهم قال ذلك عن شكّ عرض له، ولكن يبعده أن لا ينكره الباقون عليه مع كونهم من كبار الصحابة، ولو أنكروه عليه لنقل. ويحتمل أن يكون الذي قال ذلك صدر عن دهش وحيرة كما أصاب كثيراً منهم عند موته ...<.

ثم قال ابن حجر معبّراً عما يختاره من تلك الأجوبة:

>قلت: ويظهر لي ترجيح ثالث الاحتمالات التي ذكرها القرطبي ويكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام وكان يعهد أن من اشتدّ عليه الوجع قد يشتغل به عن تحرير ما يريد أن يقوله لجواز وقوع ذلك<.

وهذا الرأي نفسه تبنّاه العيني في (عمدة القارئ)، كما تبنّى القسطلاني ما اختاره القرطبي.

إن مناقشة هذه الآراء بنحو مفصّل، ويخرجنا عن أصل موضوع هذه الدراسة، ولكن ينبغي تذكير القارئ بالتالي:

أولاً: أن نصوص السياسة العمرية بشأن الإقلال من الرواية عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله بل ومنع تدوين الحديث - وقد أشرنا إلى قسم منها- تؤكد أن ما فعله عمر هنا يمثّل موقفاً ثابتاً وحازماً اختاره عن سابق وعي ومعرفة، وعليه فإن ما صدر منه في هذه الحادثة ينبغي لنا تفسيره وفق تلك السياسة التي اعتمدها لاحقاً والتي أكدها الذهبي -كما سمعنا سابقاً- لا كما يريد القرطبي والقسطلاني إقناعنا به أنه إنكار منه على من توقّف في امتثال أمره صلَّى الله عليه وآله .

ثانياً: أن قوع التنازع بعد قول عمر تلك الكلمة يؤكد أنها صدرت للمنع، لا للاستنكار على من توقّف في إحضار ما طلبه صلَّى الله عليه وآله ، كما يؤكّد أن التنازع إنما وُلد بفضل تلك الكلمة لا أنه ناشئ قبلها.

ثالثاً: أن قول عمر: (استفهِموه) بعد نسبته الهجر لرسول الله صلَّى الله عليه وآله وعدم قوله أو مطالبته الحاضرين بما من شأنه الامتثال لأمر رسول الله صلَّى الله عليه وآله يرجِّح أن كلمته الأولى كانت للمنع من الكتابة، وإلا لو كان الأمر بالعكس لكان وجَّه كلامه لمن امتنع لا لمن أمر.

رابعاً: على أن هذا كله إنما يكون ممكناً لو اقتصرنا على هذا الحديث، ولكن ماذا يفعل هؤلاء الشرّاح بالأحاديث الأخرى التي أوردنا بعضها سابقاً والتي تنصّ على أن عمر قال: (إن رسول الله قد غلبه الوجع) و(حسبنا كتاب الله) واختلاف الحاضرين بين من يقول قرّبوا يكتب لكم النبي صلَّى الله عليه وآله كتاباً لن تضلّوا بعده، ومن يقول ما قال عمر ... فهل يبقى بعد كلّ هذه النصوص الواضحة البيّنة الجلية أيُّ شكّ أو مجال للتأويلات الاعتباطية.

خامساً: بناء على ما تقدم، لا سيَّما في النقطة الرابعة، تكون مطالبة القرطبي - في احتماله الثاني الذي نقله ابن حجر- الباقين من الصحابة بالإنكار على ما قاله عمر في غاية الغرابة؛ اذ كيف يكون الإنكار أكثر مما كان ؟! وجميع الأخبار تنصّ على التنازع والاختلاف بين الحاضرين وانقسامهم إلى فريقين: فريق مطالب بالكتابة والاستجابة لما أمر به رسول الله صلَّى الله عليه وآله ، وفريق يضمُّ رأيَه إلى رأي عمر وما قاله.


هل كان امتناع رسول الله عن الكتابة تأييداً للمانعين

هل يمكن القول إن رسول الله صلّى الله عليه وآله بامتناعه عن الكتابة قد أيَّد المعترضين ووافقهم؟ أي أنه أقرّ بصحّة عدم إمكانه الكتابة أو على الأقلّ أقرّ بعدم فائدتها؟

لا نشكّ بعدم إمكان ذلك، وجوابنا على من يقول بإمكانه هو:

أولاً: الجواب نقضاً بالقول إننا حتى لو تنزّلنا وقلنا إنه أقرّ على نفسه بالوجع، فهل يمكن أن يقرّهم على نفسه بالهجر والهذيان ؟! لا أعتقد أن مسلماً اليوم يوافق على هذا الرأي، وكيف يقرّ رسول الله صلّى الله عليه وآله بذلك على نفسه والقرآن الكريم يحدّثنا عنه صلَّى الله عليه وآله بـ: {ومَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ؟!

ثانياً: ثم إن رسول الله صلّى الله عليه وآله لو كان موافقاً على تلك الكلمة لقال لقائلها: أحسنت لقد غلبني الوجع ولا تأخذوا ما قلتُ على محمل الجد! في حين إننا نرى رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: (قوموا عني) وهذا رفض لتلك الكلمة ومضمونها وليس تقريراً.

ثالثاً: أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وصف الوضع القائم بعد تلك الكلمة بأنه (تنازع) وقال: (لا ينبغي عندي التنازع) وكان يفترض - بحسب من يقول إن رسول الله أيّد المعترضين ووافقهم فيما قذفوه به- أن يطالب المخالفين لرأي عمر بالسكوت، لا أن يصف الوضع بالتنازع ويدعوهم لمغادرته ويقول: (فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه).

رابعاً: أن كلمة ابن عباس ووصفه لما جرى بأنه (رزيّة)، بل (وكلّ الرزية) على حدّ قوله، يدلّ على أنه فهم من امتناع رسول الله صلّى الله عليه وآله عن الكتابة عدم موافقته صلَّى الله عليه وآله على ما قيل، لا أنه أيَّدهم وأقرَّهم؛ وإلا لو كان الأمر فيه تأييد وإقرار فلا معنى لحزن ابن عباس وتعبيره عما حصل بكونه (رزية) فإنها ستكون رزية من صنع رسول الله صلَّى الله عليه وآله أو - على أقلّ التقادير- هو شريك فيها !!

لا يقال: إن على رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وهو النبي المرسل من الله برسالته لهداية الناس كافة، أن لا يستجيب لاعتراض المعترضين أو أقوال الممانعين؛ فإنه بذلك يغفل ما كُلِّف به وما أُرسل من أجله، والتكاليف الإلهية للرسل لا تسقط عن مسؤوليتهم بمجرّد رفض المتلقّين لها.

لأننا نقول: إن هذه ليس المرّة الأولى التي يتحدّث فيها رسول الله صلّى الله عليه وآله عن موضوع الخلافة أو عن علاقة الإمام علي بذلك، ونحن نؤمن أن رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يترك شيئاً من الدين لم يبيّنه؛ قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}([58]) وهو القائل سبحانه عن نبيّه صلّى الله عليه وآله : {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ}([59]).

ومن هنا علينا أن نفهم أن ما كان يهمُّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله بفعله هو مجرّد تأكيد الحقيقة التي طالما أوضحها وبيّنها. فبدافع من أبوّته صلَّى الله عليه وآله لهذه الأمّة وحرصه عليها - كما يحدّثنا القرآن الكريم {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}([60])- أراد أن يوضح حقيقة ما يعصم هذه الأمّة من الضلالة، والتي أفنى عمره الشريف في تبليغها وتكريسها. وهذا نظير ما فعله أئمة أهل البيت عليهم السلام من بعده حينما نراهم يؤكّدون في وصاياهم على تفاصيل وفروع الشريعة التي قضوا كلَّ أعمارهم في نشرها وتعليمها، كما فعل الإمام الصادق عليه السلام حين أكّد في وصيته الأخيرة على موضوع أداء الصلاة؛ فإن هذه الوصية لا تعني أنه انتظر كلَّ هذا الوقت ليقول في آخر عمره الشريف: أيها الناس اهتمّوا بصلاتكم. إنما هو قالها للتأكيد فقط .. وهذا هو ما أراد رسوله الله صلَّى الله عليه وآله قوله هنا.

أما السؤال عن السبب الذي منعه عن الكتابة وتنفيذ ما أراد، فإن الواقع يفرض علينا أن نستوعب أن تلك الكلمة العمرية ضربت إسفيناً قوياً دون تحقيق ما طالبهم به من إحضار الدواة والكتف؛ إذ إنها أفقدت كلمة رسول الله محتواها وقيمتها, وذلك أنه لو قُدِّر إصرار رسول الله صلَّى الله عليه وآله على كتابتها للزم نقض الغرض الذي أراده صلَّى الله عليه وآله من كتابتها (وهو الكتاب الذي يعصم الأمّة المتمسّكة به من ضلالها) فسوف تسقط قيمة هذا الكتاب لأنهم سيعتبرونه ناتجاً عن هجر وهذيان وغلبة وجع، بل وسيفضي إلى ما هو أخطر من ذلك بأن يعامل رسول الله صلّى الله عليه وآله في كلّ ما قاله وفعله على أساس: أن فيه ما هو وحي يوحى، وفيه ما يمكن أن يعدّ مرضاً أو هذياناً.

إذن، فكتابة الكتاب من قبل النبي صلَّى الله عليه وآله ليس فقط فقدت معناها، بل وسيكون الإصرار عليها ذا تأثيرات سلبية تعود بالقهقرى على كلّ التراث النبوي السابق وتضعه عرضة للشك والتساؤل والنقاش.


أهم النتائج التي أفرزتها نظرية حسبنا كتاب الله

بعد هذه الجولة السريعة في تفاصيل وسياقات الاتجاه الثاني يمكننا أن نجمل أهمّ النتائج التي أفرزتها نظريته (نظرية حسبنا كتاب الله) بالتالي:

النتيجة الأولى:

أن هذه الكلمة - كلمة: حسبنا كتاب الله- التي هي صلب هذا الاتجاه، تمثّل ردّاً صريحاً ومباشراً على تلك النصوص القرآنية التي نصَّت بنحو جليّ على ملازمة رسول الله للحق والحقيقة وأن جميع ما ينطبق به ويقوله ما هو إلا وحي يوحى وليس فيه للهوى والباطل نصيب.

النتيجة الثانية:

أن هذه الكلمة تضمّنت مخالفة صريحة لرسول الله صلّى الله عليه وآله الذي نصّت كلّ الروايات المنقولة في هذه الحادثة على أنه صلّى الله عليه وآله هو المطالِب بكتابة هذا الكتاب.

النتيجة الثالثة:

أن هذه الكلمة صارت سبباً دون تدوين وصية رسول الله صلّى الله عليه وآله والحيلولة دون الخير العظيم المنتظَر منها, فهذه الكلمة وقفت حائلاً دون كتابٍ وصفه رسول الله صلّى الله عليه وآله بالعاصم عن الضلالة (لن تضلوا بعده أبداً) وكفى بهذه العبارة النبوية بياناً لما فاتنا بسبب تلك الكلمة العمرية.



([1]) الملك: 10.

([2]) ابن تيمية، أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الحراني الحنبلي، منهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ السعودية، ط1، 1406 هـ - 1986 م: ج1، ص 4 9.

([3]) المصدر السابق: ج1، ص 15 - 22.

([4]) علّق محقّق الكتاب (محمد رشاد سالم) مفسّراً هذه الكلمة بشرحٍ أنقله دون تعليق بالقول: >... الخشبية نسبة إلى الخشب، وذلك لأنهم كانوا يرفضون القتال بالسيف ويقاتلون بالخشب ... ذكر ابن حزم (الفصل 5/45) أن بعض الشيعة كانوا لا يستحلّون حمل السلاح حتى يخرج الذي ينتظرونه، فهم يقتلون الناس بالخنق وبالحجارة، والخشبية بالخشب فقط<.

([5]) منهاج السنّة، مصدر سابق: ج1، ص22 - 23.

([6]) المصدر السابق: ج1، ص 24 25. من الطريف أن ما ذكره من مشابهة الشيعة لليهود بخصوص الملك في آل داود ما هو في الواقع إلّاَ حقّ قرآنيّ ذكره القرآن الكريم لآل داود، إذ وصف سبحانه داود بالقول: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26] ثم قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}[ص: 30]، ثم قال عَزَّ وجَلَّ: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كلّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ المُبِينُ} [النمل: 16].

([7]) منهاج السنّة، مصدر سابق: ج1، ص27.

([8]) مصدر سابق: ج8، ص238 - 242.

([9]) انظر المصدر السابق: ج8، ص243-244.

([10]) النحل: 125

([11]) سبأ: 24

([12]) الأنعام: 57 .

([13]) الأنعام: 157 .

([14]) الحج: 67 .

([15]) سبأ: 24- 25 .

([16]) سبأ: 22- 23 .

([17]) الطباطبائي, السيد محمد حسين, الميزان في تفسير القرآن, منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية, قم, ج16, ص374.

([18]) النازعات: 23- 24

([19]) طه: 44.

([20]) آل عمران: 159.

([21]) الأنعام: 108.

([22]) الواقعة: 25- 26.

([23]) الأعراف: 38.

([24]) راجع: نهج البلاغة, شرح الشيخ محمد عبده, دار الذخائر, قم, ط1, 1412, ج1, ص153.

([25]) النحل: 89.

([26]) النحل: 44.

([27]) الحشر: 7.

([28]) آل عمران: 110.

([29]) البقرة: 143.

([30]) الشاطبي، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، الموافقات، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان - السعودية، ط1، 1417هـ- 1997م،ج4، ص446-493.

([31]) الغزالي، محمد بن محمد، المستصفى من علم الأصول، تحقيق: حمزة بن زهير حافظ، شركة المدينة للطباعة والنشر، جدة، 1413 هـ: ج2، ص 450.

من الجدير بالذكر أن الغزالي ملتفت إلى المأزق الذي يفضي إليه القول بإطلاق حجية قول الصحابة؛ وذلك أنه يوجب لهم العصمة - وهو ما يشنّعون على الشيعة القول به لأئمة أهل البيت عليهم السلام - لذا ذهب إلى بطلان هذا الرأي معللاً ذلك بقوله:

>إن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجّة في قوله. فكيف يحتجّ بقولهم مع جواز الخطأ، وكيف تُدَّعى عصمتُهم من غير حجّة متواترة، وكيف يُتصوَّر عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف، وكيف يختلف المعصومان، كيف وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة؟ فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد، بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كلّ مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه. فانتفاء الدليل على العصمة، ووقوع الاختلاف بينهم، وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه، ثلاثة أدلة قاطعة< (المصدر: ص 451).

من هنا نعرف - وطبقاً لهذا المذهب في حجية قول الصحابة - أن نفاة العصمة عن الصحابة قد التزموا بها في الواقع العملي دون أن يصرّحوا بذلك، لا سيَّما مع نقلهم عن الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله حديث (أصحابي كالنجوم، بأيِّهم اقتديتم اهتديتم). وإن ناقشوا في صحّة سند النص.

([32]) النحل: 44.

([33]) الحشر: 7.

([34]) أبو رية, محمود, أضواء على السنّة النبوية, أوفسيت على الطبعة الخامسة من النسخة المصرية: ص203.

([35]) البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وسننه وأيامه، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة ـ بيروت، ط1، 1422هـ، كتاب النفقات، الباب الثاني (باب وجوب النفقة على الأهل والعيال)، ج7، ص 63، الحديث 5355.

وقد اتسع كيس أبي هريرة لأحاديث أخر وردت فيها هذه العبارة :

منها: قوله >كنت حدّثتكم أن من أصبح جنباً فقد أفطر، فإنما ذلك من كيس أبي هريرة، فمن أصبح جنباً فلا يفطر< راجع: الخطيب البغدادي(392-463هـ)، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، الفقيه والمتفقّه، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، دار ابن الجوزي ـ المملكة العربية السعودية، ط1، 1417هـ ـ 1996م، ج2، باب رجوع المفتي عن فتواه إذا تبيّن له أن الحقّ في غيرها، ص421-422، الحديث 1404.

وطعنُ ابن حجر في سند هذا الحديث يردّه ورود الحديث الذي يليه (رقم 1405) الذي تناول رجوع أبي هريرة عن فُتياه (من أصبح جنباً فليفطر) وكان الأفضل التعبير برجوعه عن التحديث لا الفتيا.

ومنها: ما ورد في مسند أحمد في بعض ما نهى النبي عن التكسّب به بسنده عن المغيرة قال: >سمعت عبيد الله بن أبي نُعْم يحدِّث أنه سمع أبا هريرة يقول: نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن كسب الحجَّام، وكسب البغي، وثمن الكلب. قال: وعسب الفحل. قال: وقال أبو هريرة: هذه من كيسي<. مسند أحمد، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1416هـ: ج13، ص 355، رقم الحديث 7976.

علماً أن عبارة (وعسب الفحل) التي تبدو كتدخّل من أبي هريرة ما هي إلا قطع واستئناف قام به عبيد الله بن أبي نعم، ويدلّ على ذلك لفظ هذا الحديث في رواية النسائي (انظر: سنن النسائي، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان ،تعليق: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع - الرياض، ط1، ص 712، الحديث 4673) ولم يرد في رواية الأخير عبارة (هذه من كيسي).

هذا، وقد دفع قولُ أبي هريرة هذا بالكثير من مريديه إلى تأويل كلمته تلك وتخريجها مخرجاً مقبولاً: تارة بتفسير الكيس بوعاء، وتارة ثانية بفطنته، وتارة ثالثة اعتبر قوله تهكّماً على سائليه، وتارة رابعة عدّ إشارة إلى نسخ هذا الحديث .. وغيرها من المحاولات المتكلَّفة التي لا محصّل لها .. ولا مجال هنا لتفصيل الكلام أكثر من ذلك.

([36]) أبو رية, أضواء على السنّة المحمدية، مصدر سابق, ص224- 225, علماً أن جميع رواة البخاري هم (2400) راوٍ. ومن المفيد جداً العودة إلى كتاب (الإفصاح عن أحوال رواة الصحاح) للعلامة الشيخ محمد حسن المظفر (ت1375) للتعرّف على هؤلاء الرواة وآراء أهل الجرح والتعديل فيهم.

([37]) نجمي، محمد صادق، أضواء على الصحيحين دراسة وتحليل لصحيحي البخاري ومسلم، تعريب: يحيى كمالي البحراني، مؤسسة المعارف الإسلامية ـ قم، ط1، 1419هـ، ص 113.

([38]) قال الطباطبائي في حاشية هذه العبارة ما يلي: (ذكره السيوطي في الإتقان، وذكر عدد الروايات في تفسيره المسمّى بترجمان القرآن وتلخيصه المسمّى بالدرّ المنثور).

([39]) الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم، ج 5، ص274.

([40]) أودّ أن ألفت عناية القارئ الكريم إلى أننا في كلّ مرة نقول (السنّة) في هذا البحث فإننا نعني حصراً (السنّة النبوية)، أما طبيعة دور أهل البيت عليهم السلام وما تمثّله سيرتهم في هذا الاتجاه، الذين نصُّوا على أن حديثهم هو حديث رسول الله صلَّى الله عليه وآله ، فهو أمر موكول بحثه إلى دراسات أعمق.

([41]) البحث عن هذه الآية وشمولها لجميع أفعال النبي صلى الله عليه وآله وتقريراته بالإضافة لأقواله، حديث آخر مرتبط بعصمة النبي صلى الله عليه وآله وأبعاد تلك العصمة ونطاقها والأدلّة المقامة على ذلك... وهو بحث خارج عن محور حديثنا فعلاً.

([42]) الحشر: 7.

([43]) آل عمران: 31- 32.

([44]) النساء: 80.

([45]) في اعتقادنا، بل واعتقاد مدرسة الصحابة أيضاً، أن الحديث الوارد بلفظ العترة هو حديث متواتر لا يعتريه الشك. أما الحديث الوارد بلفظ السنّة أو سنتي فهو من أخبار الآحاد، بل وخبر آحاد ضعيف، وسيأتي في القادم من الأبحاث التي ننوي تقديمها، بيان ذلك إن شاء الله تعالى.

([46]) الجامع المسند الصحيح، كتاب المغازي، باب مرض النبي ووفاته، ج6، ص 9، الحديث 4432.

([47]) المصدر السابق: ج1، ص 34، الحديث 114.

([48]) المصدر السابق: ج7، ص 120، الحديث 5669.

([49]) المصدر السابق: ج6، ص 9، الحديث 4431. وانظر أيضاً: القشيري النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، ج3، ص 1257، الحديث 1637. قال: [...] عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خدّيه كأنها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : «ائتوني بالكتف والدواة (أو اللوح والدواة) أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً» فقالوا: إن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يهجر.

([50]) الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الأندلسي، الاعتصام، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، مكتبة التوحيد - المنامة، ط1، 1421 هـ- 2000 م: ج3، ص126-127 .

([51]) الحشر: 7.

([52]) فمن سياسته حبس الصحابة ومنعهم من التحديث. فعن شعبة بن الحجاج عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب حبس جماعة منهم أبو هريرة وقال: >أقلّوا الرواية عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم<، وكانوا في حبسه إلى أن مات. وقال السائب بن يزيد: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: >لتتركنَّ الحديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أو لألحقنّك بأرض دوس<. وقد أشار أبو هريرة لذلك بقوله: >أفإن كنت محدّثكم بهذه الأحاديث وعمر حيّ؟! أما والله إذاً لألفيت المخفقة ستباشر ظهري<.

ثم إن عمر كان يوصي ولاته على الأمصار ومن يخرج من الصحابة لها بالإقلال من الحديث (كما هو الحال مع قرظة بن كعب حين أراد الخروج للعراق) ويقول: >أقلّوا الرواية عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأنا شريككم<، أو >جرِّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن رسول الله وأمضوا وأنا شريككم<.

راجع كلَّ هذه المعطيات في: الذهبي، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، تحقيق مجموعة من المحقّقين بإشراف شعيب الأرناءوط، مؤسسة الرسالة، ط3، 1405 هـ / 1985 م، ج2، ص 600 وما بعدها. وابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، تحقيق: أبو الأشبال الزهيري، باب ذكر من ذَمَّ الإكثار من الحديث دون التفهّم له والتفقّه فيه، ج1، ص 998 وما بعدها.

وقد علَّق الذهبي على تهديد عمر لأبي هريرة بالقول: >هكذا هو كان عمر رضي الله عنه يقول: أقلّوا الحديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . وزجر غير واحد من الصحابة عن بثّ الحديث، وهذا مذهب لعمر ولغيره<.

ولقد استغلّ معاوية بن أبي سفيان ذلك فزاد في إجراءات التشدّد العمرية تلك ولم يسمح إلا برواية ما تمّ تداوله في زمن عمر، قال: >يا أيها الناس، أقلّوا الرواية عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأنتم متحدّثون لا محالة، فتحدَّثوا بما كان يُتحدَّث به في عهد عمر، إن عمر رضي الله عنه كان يخيف الناس في الله< (راجع: الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد اللخمي، مسند الشاميين، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، ط1، 1409 هـ ـ 1989 م، ج3، ص 250).

والأحاديث المنقولة عن عمر في هذا المجال أو عن سيرته مع من يتعاطى نقل الحديث، من الكثرة بمكان، حتى إنها تشكّل وحدها مادّة لدراسة مستفيضة، إلا أننا نرجئ ذلك إلى فرصة أخرى إن شاء الله تعالى.

([53]) راجع: عبد الخالق، عبد الغني، حجّية السنّة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي ـ واشنطن / دار الفكر ـ بيروت، 1407 هـ، ص 395. وكذا: الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي، تقييد العلم، تحقيق: سعيد عبد الغفار علي، دار الاستقامة ـ القاهرة، ط1، 1429 هـ ـ 2008 م، ص 53-54. .

([54]) انظر: الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح سنن ابن ماجة، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع ـ الرياض، الطبعة الجديدة الأولى ، 1417هـ - 1997م، ج1، ص 21.

([55]) طرحه ابن حجر كاحتمال ونسبه العيني إلى الـ(قيل) ثم صوَّبا نسبة العبارة إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله . انظر: ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: عبد العزيز بن عبد الله ابن باز وآخرون، دار السلام ـ الرياض، ط1، 1421 هـ ـ 2001 م، ج 8، ص 167. والعيني، أبو محمد بدر الدين محمود بن أحمد الحنفي، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، تحقيق: عبد الله محمود محمد عمر، منشورات علي بيضون ودار الكتب العلمية ـ بيروت، ط1، 1421 هـ ـ 2001 م، ج18، ص 79.

([56]) راجع: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، مصدر سابق، ج8، ص 167. أبو محمد العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، مصدر سابق، ج18، ص 80. القسطلاني، أحمد بن محمد، إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري، المطبعة الكبرى الأميرية ـ مصر، ط7، ج7، ص 462.

([57]) راجع: فتح الباري، نفس المعطيات السابقة. ومثله القسطلاني في (إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري)، نفس المعطيات السابقة، قال: >الهذيان الذي يقع من كلام المريض الذي لا ينتظم<.

([58]) المائدة: 3.

([59]) التكوير: 124.

([60]) التوبة: 128.

 
طراح و برنامه نویس: اکین