سيدة نساء العالمين الزهراء البتول عليها السلام وانتقاص ابن تيمية منها PDF چاپ نامه الکترونیک
جمعه ۱۷ خرداد ۱۳۹۲ ساعت ۱۴:۰۲

سيدة نساء العالمينالزهراء البتول عليها السلام وانتقاص ابن تيمية منها

· توطئة

· المحور الأول: منزلة الزهراء البتول في الأخبار النبويّة

ü المجموعة الأولى: أفضل نساء أهل الجنة

ü المجموعة الثانية: حسبك من نساء العالمين

ü تفضيل الزهراء البتول على من سواها

ü معنى السيادة المنسوبة إلى الزهراء

· المحور الثاني: موقف ابن تيمية من سيدة نساء العالمين

ü القدح في أهل البيت خطوة ممنهجة من ابن تيمية

توطئة

سبق أن أوضحنا في أكثر من موضع أن موضوع هذه الدراسة (= معالم الإسلام الأموي) في معلمها الأول هو مقام >أهل البيت عليهم السلام< عند هذا الإسلام وكيفية تعامل منظّريه مع عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وما نالهم من رموز هذا الاتجاه وقادته السياسيين أو المفكّرين من تنقيص أو حطّ أو تجريح أو تصفية جسدية أو تعذيب وتنكيل.

وقد أوضحنا أيضاً أن مقصودنا من تعبير >أهل البيت< هو حصراً الخمسة من أهل الكساء (النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب والإمامان الحسن والحسين عليهم السلام والصدّيقة الزهراء عليها السلام) وهم المقصودون بآية التطهير في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}([1])، وفي الحديث النبوي المتواتر والمعروف بحديث الثقلين. قال صلَّى الله عليه وآله - على خلاف يسير في ألفاظه-: >إنّي أوشك أن اُدعى فأجيب، وإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا بعدي: الثقلين؛ أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض, وعترتي أهل بيتي, ألا وإنهما لن يتفرّقا حتى يراد عليّ الحوض<.

ومن الواضح أن المسلمين متّفقون على اختصاص الآية الشريفة المتقدّمة والحديث النبوي بالخمسة أصحاب الكساء، دون سواهم من نساء النبي أو بني عمومته, كما أن الجميع يعلم أن أحداً من هؤلاء - نساء النبي وبني عمومته- لم يتعرّض إلى تنقيص أو تجريح أو تصفية من قِبَل اتجاه الإسلام الأموي. من هنا فإن دخول الزهراء البتول عليها السلام في محور بحث هذه الدراسة واضح ولا يحتاج إلى عناية خاصة, إنما من المهم في هذه التوطئة أن نوضّح أمرين:

الأمر الأول: نشير فيه إلى تقسيم أبحاث هذا الجزء من الدراسة.

الأمر الثاني: نشير فيه إلى بعض الأصول والأسس المهمّة التي تبتني عليها هذه الأبحاث والتي ينبغي للقارئ الكريم أن يستوعبها ويضعها نصب عينيه قبل قراءته ومتابعته لها.

الأمر الأول: تقسيم البحث

يتركّز الحديث في هذا الجزء من دراستنا على محورين:

المحور الأول: وفيه نأتي على ذكر بعض أهمّ النصوص الدالّة على فضائل الزهراء البتول عليها السلام ومناقبها ومقاماتها بحسب أوثق المصادر وأصحّها عند مدرسة الصحابة.

المحور الثاني: ونأتي فيه على ذكر موقف منظّر وشيخ الإسلام الأموي (ابن تيمية الحرَّاني) من الصدّيقة الزهراء عليها السلام وكيفية فهمه لشخصيتها وتعامله مع فضائلها ومناقبها، وهل تلقّاها بالقبول والرضا أم أنه اختار أن يتعامل معها كما تعامل مع فضائل أمير المؤمنين عليه السلام
- ولاحظنا هذا سابقاً- بالتكذيب والرفض والتأويل؟

الأمر الثاني: الأسس والأصول التي يقوم عليها البحث

قبل الدخول في تفاصيل البحث، على القارئ الكريم أن يستحضر نقطتين هامّتين تشكّلان الأساس الذي تقوم عليه هذه الأبحاث والأسلوب المعتمد فيها, ولولا الانطلاق من هذين الأصلين لم يكن البحث يمتلك مسوّغاته العلمية المطلوبة, وقد سبق أن أشرنا لهما في أكثر من مناسبة، وإنما نعيد الكّرة هنا لمزيد إيضاحٍ ولكي يضعهما القارئ الكريم نصب عينيه, وهذان الأصلان هما:

الأصل الأول: وهو أصل قرآني يتعلّق بطبيعة شخصية رسول الله صلى الله عليه وآله والأساس الذي تقوم عليه أو تتحرّك في ضوئه، وعلاقة ذلك بالبعد الإلهي أو بالحقيقة, وهذا أصل يتأسّس عليه كلُّ المعتقد والتشريع الإسلاميين وجميع ما صدر من رسول الله صلى الله عليه وآله (قولاً أو فعلاً أو تقريراً)، وقد حسم النصُّ القرآنيُّ النقاشَ في هذا الموضوع؛ إذ قال سبحانه: {ومَا يَنْطِقُ عَنْ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}([2]) وغير ذلك من النصوص القرآنية التي تشكّل الأساس الذي تقوم عليه حجّية السنة النبوية وارتباط هذه السنّة بالعصمة الإلهية, ولولا الإيمان بهذا الأصل لما كان للنصوص الواردة في الزهراء البتول عليها السلام, بل وجميع أصحابه وغيرهم, قيمة تذكر, ولكان من الممكن تفسير ما يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وآله بمنطق العاطفة والرغبات أو الفهم الشخصي وليس منطق الوحي والسماء.

الأصل الثاني: وهو أصل يتعلّق بطريقة عملنا في هذه الأبحاث وما ننقله من نصوص أو ما نعتمده من مصادر في توثيق الأفكار التي نذكرها، فقد اشترطنا نقلها من كتب ومصادر مدرسة الصحابة بشرطين:

الشرط الأول: أن تكون هذه النصوص والأحاديث صحيحة أو حسنة أو مقبولة لدى علماء الجرح والتعديل المنتمين إلى هذه المدرسة.

الشرط الثاني: أن تكون هذه النصوص والأحاديث مما يحظى بالقبول والرضا عندنا، أي أنها صحيحة بحسب تراثنا عن مدرسة أهل البيت عليهم السلام. وعليه فلا مجال لأن يعترض معترض علينا بالقول: إن المصادر التي تنقلون عنها أحاديث فضائل أهل البيت عليهم السلام هي ذاتها ورد فيها فضائل غيرهم، ومن ثَمَّ إذا قبلتم بالقسم الأول فإنكم ملزمون بقبول القسم الثاني دون فرق يُذكر, وإلاّ فلو لم تكن هذه الكتب حجّة عليكم وكنتم تردّون بعضها، فعليكم ردّ الجميع ورفضه وعدم الاحتجاج به.

لأننا نقول: إن هذا الاعتراض غير وجيهٍ, فإننا إنما ننقل تلك الأخبار لموافقتها تراثنا الخاصّ الوارد عن العترة عليهم السلام أو لأنها تأتي من باب القاعدة القائلة: (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم) وليس استشهادنا بها نابعاً من إيماننا بصحّة هذا التراث في نفسه وبمعزل عن هذين الاعتبارين.

المحور الأول: منزلة الصديقة الزهراء في الأخبار النبوية

نظراً إلى وفرة الأخبار المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وآله في مناقب وفضائل الزهراء البتول عليها السلام وانعقاد نيّتنا في هذه الأبحاث على مجرّد التدليل على سموّ مقام هذه الإنسانة العظيمة، وبيان ما تعرّضت له من تنقيص وطعن من قبل اتجاه الإسلام الأموي، وليس جَمْع كلّ ما ورد في هذا الشأن، فإننا سنقتصر على إيراد عددٍ محدودٍ من تلك الأخبار، وتوزيعها على مجموعتين، لكلّ مجموعة عنوانها العام الذي يشكّل عنصراً مشتركاً تتّفق عليه جميع الأخبار الوارد ذكرها.

تنويه هام: تعدد طرق الحديث تعني تعدد الحديث

قد يلاحظ القارئ غير المتخصّص بمثل هذه الأبحاث، تكرّر ذكر الراويات ذات المضمون الواحد، فيتصور أن تلك >الروايات< ما هي في الواقع إلا رواية >واحدة<، ومن ثَمَّ قد يتساءل: ما هو مبرّر سرد كلّ تلك الروايات مادامت لا تضيف على مضمون سابقاتها شيئاً؟

القاعدة في علم الحديث تقول: إن تعدد طرق الحديث تعني تعدد الحديث؛ بمعنى: أن سلسلة الناقلين لمتن الحديث إنْ تعددت وكثرت في كل طبقة فلا يكون الحديث (= المتن) واحداً وإن لم يختلف مضمونه، بل يكون حديثاً متواتراً أو مستفيضاً أو غير ذلك من أقسام.

بعبارة أخرى: أن مصطلح >خبر واحد< عند الباحثين في علمي الدراية وأصول الفقه له معنى >خاص< لا يتعلق بـ >مضمون الخبر<، بل بطرق نقل ذلك المضمون. فإنْ تعدد نَقَلَةُ الخبر في كلّ طبقة بنحو يمتنع على جميعهم أن يتواطئوا على الكذب، فالخبر حينها يسمّى بـ >المتواتر<، وإن لم يمتنع ذلك - أي كان من الممكن أن يجتمعوا على الكذب- فهو خبر >آحاد<.

نعم، ينقسم >الخبر المتواتر< باعتبار وحدة مضمونه لفظاً وعدمها إلى قسمين: فإن توحَّد مضمون الخبر ومتنه لفظاً سمَّي حينها بـ >المتواتر اللفظي<، وإن اختلاف مضمونه ومتنه في اللفظ سمِّي بـ >المتواتر المعنوي< وهذا الأخير يعني: أن مفاد الخبر ومعناه متواتر بالرغم من اختلاف ألفاظه.

ومسألة تسمية الخبر >واحداً< لا ترتبط بعنصر العدد فقط، أي: ليس مجرد >كمّ< الناقلين للحديث في كل طبقة هو الذي يلعب الدور الوحيد في رفع الخبر إلى مستوى الأخبار المتواترة، إنما هناك عناصر أخرى >كيفيّة< تتعلق بطبيعة شخصية الناقلين ومستوى ضبطهم أو طبيعة مضمون الخبر، وكلّ ما يمنع من نشره؛ من ظروف اجتماعية أو سياسية أو غيرهما، وبالتالي كلما زاد عدد الناقلين في أمثال هذه الظروف المانعة من إذاعة هذا الخبر، زاد هذا الخبر قوّة وصحّة واعتباراً.

وهذا الذي نقوله هنا عن علاقة عدد الناقلين وطبيعتهم والظروف المحيطة بهم وتأثير ذلك على تفسرنا لكون الخبر واحداً أو متواتراً، هو النظرية الأحدث في علم الأصول الإمامي الحديث في هذا الشأن القائمة على >حساب الاحتمال<، وهي النظرية التي أرست دعائمها المدرسة الأصولية العظيمة للإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه ... وتفصيل هذا الأمر بأكثر من هذه الإشارة موكول إلى محلّه من مباحث علم أصول الفقه.

إذن، على القارئ الكريم أن يعرف أن نقل مجموعة من الأخبار تختلف بحسب طرقها وتشترك في مضمونها، لا يجعل منها >خبر آحاد<؛ إذ النظر عند علماء دراية الحديث في كون الخبر من الآحاد أو من المتواتر هو طرق نقل الخبر لا نفس مضمونه بمعزل عن تلك الطرق.

سوف نأتي على ذكر سند الأخبار التي سنسردها كاملاً بالرغم مما قد يوجبه ذلك من تطويل؛ وذلك لكي يقف القارئ بنفسه على تعدد طرق تلك الأخبار واختلافها، وأنها ليست خبراً واحداً كما قد يُظنّ لأول وهلة.

المجموعة الأولى: أفضل نساء أهل الجنة

وردت تحت هذا العنوان العديد من الأخبار التي تنصّ على أن الصدّيقة فاطمة الزهراء عليها السلام واحدة من جملة نساء (محدودات العدد ومعرَّفات في تلك الأخبار بنحو صريح) هن أفضل نساء أهل الجنة.

وإليك عزيزي القارئ بعض تلك الأخبار والروايات:

1. ما ورد في (مسند) الإمام أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) حيث قال: حدثنا يونس، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خطّ رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم في الأرض أربعة خطوط، قال: تدرون ما هذا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران([3]).

وقد علّق على هذا الحديث محقِّقا هذا الجزء من الكتاب (شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد) بقولهما: >إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح<([4]).

2. ما ورد أيضاً في (مسند) أحمد، قال: حدّثنا أبو عبد الرحمن، حدّثنا داود، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خطّ رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم في الأرض أربعة خطوط، قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون([5]).

وقد علق عليه (شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد) أيضاً بقولهما: >إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح<([6]).

3. ما ورد أيضاً في (مسند) أحمد، قال: حدثنا عبد الصمد، حدثنا داود، قال: حدثنا علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم خطّ أربعة خطوط، ثم قال: أتدرون لم خططتُ هذه الخطوط؟ قالوا: لا . قال: أفضل نساء الجنة أربع: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة ابنة محمد، وآسية ابنة مزاحم([7]).

وقد علّق عليه (شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد) بقولهما: >إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح<([8]).

4. ما ورد في (مسند) أبي يعلى الموصلي(ت 307 هـ)، قال: حدّثنا زهير، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا دواد بن أبي الفرات عن علباء عن عكرمة عن ابن عباس قال : خطّ رسول الله صلى الله عليه و سلم في الأرض أربعة خطوط فقال : أتدرون ما هذا؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون([9]).

وقد علق عليه محقق الكتاب (حسين سليم أسد) بقوله: >إسناده صحيح، [...]. وأخرجه أحمد من طريق يونس بن محمد المؤدب، بهذا الإسناد، وصحَّحه الحاكم وأقرّه الذهبي. وأخرجه أحمد من طريق داوود بن أبي الفرات، به. وذكره الهيثمي في (مجمع الزوائد) في (المناقب) في (باب فضل خديجة بنت خويلد) وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، ورجالهم رجال الصحيح<([10]).

5. ما ورد في (شرح مشكل الآثار) لأبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي (ت 321 هـ)، قال: >وما قد حدثنا إبراهيم بن أبي داود، حدثنا علي بن عثمان اللاحقي البصري، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خطّ النبي عليه السلام أربعة خطوط, ثم قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون<([11]).

قال محقق الكتاب شعيب الأرنؤوط: >إسناده صحيح. علي بن عثمان اللاحقي وثّقه أبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في (الجرح والتعديل)، وذكره ابن حبان في (الثقات) وباقي رجاله رجال الصحيح. ورواه أحمد والطبراني والحاكم من طريق داود بهذا الإسناد، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي<([12]).

المجموعة الثانية: حسبك من نساء العالمين

العنوان الثاني الذي يمكن ملاحظته في النصوص النبوية وهي تتحدث عن الصدّيقة الزهراء هو ما ورد تحت عنوان >حسبك من نساء العالمين<، ومن تلك الأخبار والروايات ما يلي:

1. ما جاء في (فضائل الصحابة) لأحمد بن حنبل؛ قال: >حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس، أن النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم قال: حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة ابنة محمد، وآسية امرأة فرعون<([13]).

قال محقّق الكتاب (وصي الله بن محمد عباس): >إسناده صحيح لغيره [...]<.

2. وجاء في (صحيح سنن الترمذي) لمحمد ناصر الدين الألباني (ت 1999 هـ): >حدّثنا أبو بكر بن زنجويه، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم قال: حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون<([14]).

قال الألباني: >صحيح، قال أبو عيسى [الترمذي]: هذا حديث صحيح<.

3. ما ورد في >مسند< أبي يعلى الموصلي(ت 307 هـ)، قال: >حدثنا محمد بن مهدي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون<([15]).

وقد صحَّح هذا الحديث محقق الكتاب حسين سليم أسد([16]).

4. ما جاء أيضاً في (شرح مشكل الآثار) للطحاوي(ت 321 هـ)، قال:

>قد حدثنا علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة أبو الحسن، قال حدثنا يحيى بن معين، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس، أن النبي عليه السلام قال: حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون<([17]).

قال محقّق الكتاب شعيب الأرنؤوط: >إسناده صحيح على شرط الشيخين، وهو في المصنّف. ورواه الترمذي وابن حبان وأحمد والحاكم من طرق عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح<([18]).

5. ما جاء في (مسند) أحمد، قال: >حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس، أن النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم قال: حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة ابنة محمد وآسية امرأة فرعون<([19]).

قال محقق الكتاب شعيب الأرنؤوط في تعليقة هامة على هذا الحديث ننقل معظمها لمزيد الفائدة:

>إسناده صحيح على شرط الشيخين. وهو في (مصنف عبد الرزاق)، وفي تفسيره، ومن طريقه أخرجه المصنف أيضاً في (فضائل الصحابة)، والترمذي، وابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني)، وأبو يعلى، والطحاوي في (شرح مشكل الآثار)، وابن حبان، والسراج في (مسنده) كما في (الاستيعاب)، والطبراني في (المعجم الكبير)، والحاكم، وأبو نعيم في (الحلية)، والبغوي في (شرح السنّة)، وفي (التفسير).

وأخرجه المصنّف في (فضائل الصحابة)، ومن طريقه الحاكم عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس.

وأخرجه ابن أبي عاصم في (الآحاد)، والطبري، وابن عدي، والطبراني في (الكبير)، والخطيب في (تاريخ بغداد)، وابن عبد البر في (الاستيعاب)، وابن الأثير في (أسد الغابة) من طريق أبي جعفر الرازي، عن ثابت، عن أنس. وأبو جعفر سيئ الحفظ. لكن حديثه حسن في المتابعات وهذا منها.[...]<([20]).

الفرق بين المجموعتين في موضوع التفضيل

من الملاحظ أن التعبير النبوي الشريف اختلف من المجموعة الأولى (أفضل نساء أهل الجنة) عنه في المجموعة الثانية (حسبك من نساء العالمين) فهل لهذا الاختلاف في التعبير من فرق بين هاتين المنقبتين والفضيلتين؟

الواقع أن مناشئ التفضيل بين بني البشر تختلف بحسب النشأة التي يعيشون فيها، فالنشأة الدنيوية لا تنفكّ تخضع في هذا المجال إلى مجموعة من الاعتبارات العقلائية التي تتواضع عليها المجتمعات وتحظى لديها بالقبول والاهتمام، ومَرَدّ هذه الاعتبارات في الغالب هو مقدار ما يعلّق عليها الناس من مصالح ومنافع اجتماعية، فقد يتفاضل الناس بالمال أو السلطة أو الجمال أو المناصب الاجتماعية وغيرها ... ومن الواضح أن هذه المعايير هي معايير دنيوية تستمدّ قيمتها من هذه النشأة فقط.

أما النشأة الأخروية فإن معاييرها في التفاضل تستمدّ قيمتها بمقدار ارتباطها بالله تبارك وتعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ}([21]) وهذه الكرامة الإلهية والقرب منه تعالى هي التي تشكّل جوهر الرؤية الدينية في قيمة المرء وتفضيله على ما سواه، وليس للبعد الاجتماعي الدنيوي تأثير يذكر، بل القيمة جميعها للإيمان الخالص وطهارة الروح والاعتقاد السليم والعمل الصالح الذي يراد به وجه الله سبحانه.

إن اختلاف التعبير في المجموعتين يعود إلى فكرة أن الفضل لهذه النساء الأربع إنما يعود إلى شدّة تعلّقهن بمعايير الكرامة الإلهية. فالنصّ في المجموعة الأولى (أفضل نساء أهل الجنة) الذي يرتبط بالآخرة، كاشف عن معنى النصّ في المجموعة الثانية (حسبك من نساء العالمين) المرتبط بالدنيا، بمعنى أن الأفضلية تلك فرع هذا الحصر في ارتقاء سُلّم الكمالات في هذه الدنيا.

وبعبارة أخرى: إن النصّ الأول يشير إلى الأفضلية في الآخرة وكاشف في الوقت ذاته عن أفضلية في هذه النشأة الدنيوية عبّر عنه النص الثاني، وهذا الأخير وإن كان >محلّ< الأفضلية فيه هو هذه النشأة الدنيوية إلا أن >معيار< هذا التفاضل هو القرب والكرامة الإلهية وليس المعيار الاجتماعي الدنيوي الذي تواضع الناس على قبوله والخضوع له؛ ووفقاً لهذا وانطلاقاً منه صارت هذه النساء الأربع أفضل نساء أهل الجنة.

تفضيل الصديقة الزهراء على من سواها

أما بالنسبة للمفاضلة بين هذه النساء الأربع، فينبغي قبل الحديث عنها بيان نقطتين هامتين:

النقطة الأولى: أن التسلسل والترتيب في ذكر أسماء النساء الأربع في هذه الأحاديث لا علاقة له بفضل كل واحدة منهن على الأخرى([22])؛ وذلك لاختلاف الترتيب وتفاوته من حديث إلى آخر، وهذا واضح لمن يلقي نظرة على الأحاديث التي تقدّم ذكرها.

النقطة الثانية: أن النساء الأربع المذكورات لسن في رتبة واحدة من حيث الفضل، بل بينهن تفاوت وتفاضل، وهذه القضية قضية عقدية قرآنية روائية، وقعت "في نفسها" مورداً للخلاف بين علماء المسلمين، وأعني بكلمة >في نفسها< أن الخلاف في هذه القضية ليس خلافاً مذهبياً مرتبطاً بمعارضة مدرسة أهل البيت عليهم السلام، بل هي مما وقع بشأنها الخلاف بين نفس أعلام مدرسة الصحابة دون أن يكون لخلافهم علاقة بموقف مدرسة أهل البيت، فبعد أن اتفقوا على أن هؤلاء النسوة الأربع هن الأفضل بين نساء العالمين([23]) وأنه لا يوجد من هي أفضل منهن، اختلفوا بينهم فيمن هي الأفضل من بينهن([24]).

النصوص الدالّة على أفضلية الصدّيقة الزهراء عليها السلام

ما نعتقده تبعاً للنصوص النبوية هو أفضلية الصديقة الزهراء عليها السلام على من عداها، وهناك عدة أخبار في هذا المجال يمكن الاستدلال بها، نكتفي بالإشارة إلى بعضها:

1. ما ورد في (صحيح البخاري) في باب مناقب فاطمة عليها السلام، حيث قال البخاري: قال النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة»([25]).

أقول: ومقتضى الإطلاق يقتضي كونها سيدة نساء الجنة بنحو لا يشاركها فيها أحد.

2. ما ورد في (صحيح سنن الترمذي: ج3، ح3781): >حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن وإسحق بن منصور، قالا: أخبرنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيش، عن حذيفة، قال: سألتني أمّي: متى عهدك؟ - تعني بالنبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم- فقلت: ما لي به عهد منذ كذا وكذا. فنالت مني، فقلت لها: دعيني آتي النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم فأصلّي معه المغرب وأسأله أن يستغفر لي ولك، فأتيت النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم، فصلّيت معه المغرب، فصلّى حتى صلّى العشاء ثم انفتل فتبعته، فسمع صوتي فقال: من هذا حذيفة؟ قلت: نعم، قال: ما حاجتك غفر الله لك ولأمّك، ثم قال: إن هذا ملك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربَّه أن يسلم علي ويبشِّرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وأنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة<([26]).

قال [أي الترمذي]: >هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل. وقال الألباني: صحيح<([27]).

3. ما ورد في (مسند أحمد)، قال: >حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيش، عن حذيفة قال: سألتني أمّي: منذ متى عهدك بالنبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم؟ قال: فقلت لها: منذ كذا وكذا، قال: فنالت مني وسبّتني، قال: فقلت لها: دعيني، فإني آتي النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم فأصلّي معه المغرب، ثم لا أدعه حتى يستغفر لي ولك، قال: فأتيت النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم فصلّيت معه المغرب، فصلّى النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم [إلى] العشاء، ثم انفتل فتبعته، فعرض له عارض فناجاه، ثم ذهب فأتبعته، فسمع صوتي فقال: من هذا؟ فقلت: حذيفة، قال: ما لك؟ فحدّثته بالأمر، فقال: غفر الله لك ولأمك، ثم قال: أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل؟ قال: قلت: بلى، قال: فهو ملك من الملائكة لم يهبط الأرض قطّ قبل هذه الليلة، استأذن ربّه أن يسلّم علي، ويبشّرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة<([28]).

أقول: هذا الحديث ينقل بأكثر من لفظ. فتارة ينقل مطوّلاً كما ورد أعلاه، وتارة ينقل مختصراً مقتصِراً على ذكر الحسنين عليهما السلام([29])، وتارة ثالثة بدون الإشارة إليهم جميعاً([30]).

4. ما ورد في (صحيح الجامع الصغير وزياداته): >أتاني ملك فسلّم علي، نزل من السماء لم ينزل قبلها، فبشّرني أن الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنة و أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة<([31]).

5. وفي (سير أعلام النبلاء): >ميسرة بن حبيب: عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن حذيفة: سمع النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم يقول: هذا ملك لم ينزل قبل هذه الليلة، استأذن ربّه أن يسلّم علي، ويبشّرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة. حسنَّه: الترمذي<([32]).

وقد علَّق محقق الكتاب شعيب الأرنؤوط على كلام الذهبي فقال: >وهو كما قال [أي من تحسين الترمذي له]، [...]، وأخرجه أحمد، والخطيب، وإسناده صحيح، وصحَّحه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصحَّحه ابن حبان لكنه اختصره<.

6. وفي حديث لأبي الثناء شهاب الدين الحسيني الآلوسي (ت 1270هـ ـ 1854م) في كتابه (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني) عند ذيل الآية 42 من سورة آل عمران: {وَإِذْ قَالَتِ المَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ}، قال:

>والمراد من نساء العالمين: قيل: جميع النساء في سائر الأعصار، واستُدلّ به على أفضليّتها على فاطمة وخديجة وعائشة [...]، وقيل: المراد نساء عالمها؛ فلا يلزم منه أفضليّتها على فاطمة رضي الله تعالى عنها [...]، وإلى هذا ذهب أبو جعفر [الإمام الباقر] رضي الله تعالى عنه، وهو المشهور عن أئمّة أهل البيت. والذي أميل إليه: أن فاطمة البتول أفضل النساء المتقدمات والمتأخرات؛ من حيث إنها بضعة رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم، بل ومن حيثيات أخر أيضاً، ولا يعكر على ذلك الأخبار السابقة؛ لجواز أن يراد بها أفضلية غيرها عليها من بعض الجهات وبحيثية من الحيثيات، وبه يجمع بين الآثار. وهذا سائغ على القول بنبوة مريم أيضاً؛ إذ البضعة من روح الوجود وسيّد كلّ موجود لا أراها تقابل بشيء. وأين الثريا من يد المتناول<([33]).

معنى السيادة المنسوبة إلى الصدّيقة فاطمة الزهراءعليها السلام

من المهم هنا أن يستوعب القارئ الكريم ملاحظة في غاية الأهمية وهي أن >السيادة< التي نسبتها الأحاديث السابقة على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله للزهراء عليها السلام ليست ناشئة من منطلق عاطفي أو شخصي([34])، ورسول الله صلى الله عليه وآله أرفع مكانةً من أن تكون أحكامه منشؤها العاطفة والرغبة الشخصية؛ وهو الذي نصّ القرآن الكريم على أنه {ومَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}([35])، إنما هي ناشئة ومرتبطة بنفس الشخص ومدى قربه من الله ورسوخ علاقته به تعالى وخلوص نواياه في أعماله وطهارة سريرته ونقائها، وهذا هو المعيار القرآني في تقييم الإنسان وعمله؛ قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}([36])، وقال تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى}([37])، وقال تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا}([38]).

إنها سيادة تختلف عمَّا تعارف عليه الناس في علاقتهم اليومية في هذه النشأة الدنيوية من تسمية بعضهم البعض >سيداً< أو >سيدةً< تبعاً لما تسالموا عليه من اعتبارات اجتماعية من مالٍ أو سلطةٍ وأمثال ذلك، إنما هي سيادة تتمخّض عن مقدار ما يتمتّع به الشخص من استعدادات روحية تمثّلها درجات ومراتب القرب من الله تعالى.

من هنا فإن درجات الشخص في الآخرة مرتبطة بدرجاته في هذه الدنيا، والأولى كاشفة عن الثانية وفرع لها، وحينما تكون الزهراء البتول سيدةَ نساءِ أهل الجنة فإنَّ من الملازمة القطعية عدّها عليها السلام سيدة لجميع نساء العالمين في هذه الدنيا؛ وهذا المعنى مما صرَّحت به الأخبار بنحو واضح ومباشر وبعناوين مختلفة، منها: قوله صلّى الله عليه وآله: أنها سيدة نساء هذه الأمة، ومنها: أنها سيدة نساء المؤمنين ... ونحو ذلك([39]).

المحور الثاني: موقف ابن تيمية من سيدة نساء العالمين عليها السلام

توطئة: القدح في أهل البيت خطوة ممنهجة من ابن تيمية

سيكون أسلوبنا في عرض موقف الشيخ ابن تيمية من الزهراء البتول عليها السلام بالنحو التالي:

أولاً: نضع عنواناً لكل موقف من مواقفه يمثّل خلاصة رأيه في الموضوع.

ثانياً: نقتبس من كلماته جملة واضحة ومتكاملة المعنى تفي بإيضاح وجهة نظره.

ثالثاً: نعلّق بما يتناسب مع حجم هذه الدراسة بما يوضّح رأيه - وأغلب الأحيان لا تحتاج كلماته لذلك؛ لوضوح معناها وصراحته- ويكشف عن أبعاد موقفه وما يحفل به من تناقضات وتلبيسات.

لقد وصفنا في بداية هذه الدراسة طبيعة الخطوات المنهجية التي يسير عليها بحث الشيخ ابن تيمية في تعاطيه مع فضائل أهل البيت عليهم السلام ، إلا أننا نودّ الإشارة هنا إلى أحد أشهر أساليبه وهو يناقش موضوع مكانة أهل البيت عليهم السلام وفضائلهم وما ينسب إليهم من أدوار في التاريخ الإسلامي أو ما حظوا به من منزلة لدى نبيّ الإسلام صلَّى الله عليه وآله.

من الواضح أن أيّ بحث أو نقاش بين طرفين، لابدّ له أن ينطلق من قاعدة مشتركة بينهما، هي عبارة عن الأسس والمفاهيم التي تشكّل الأساس الذي يُقام عليه هذا البحث والنقاش، وإذا ما انعدمت تلك القاعدة استحال النقاش وأصبح مجرَّد جدال عقيم لا طائل من ورائه.

لا تنفصل النقاشات في الدائرة الإسلامية عن هذه الملاحظة. فما من متحاورين إلا ويوضح كلّ طرف منهما للآخر - وقبل أن يبدآ بالنقاش- المدرسة التي ينتمي إليها أو الاتجاه الذي يتبنّاه أو على الأقل الأصول والمواقف التي يؤمن بها شخصياً، فإن وافقه محاوره على تلك المقدمات انتقلا معاً إلى ما تستلزمه تلك المقدمات من نتائج أو ما يتفرّع عنها من أسئلة وإشكاليات، وإن لم يوافقه عليها كان عليه أن يوضّح محلّ تحفّظه منها، قبل أن يستمرّ النقاش ... وهكذا يتواصل البحث.

بالنسبة للشيخ ابن تيمية، فإن من المفترض أنه ينطلق من مدرسة أصحاب الحديث (وهو يصفهم بأهل السنّة والجماعة ويعتبرهم الممثّلين الشرعيين للإسلام دون من سواهم) إلا أننا لا نجده وفياً في مناقشاته لمنطلقاته تلك، وكثيراً ما يحاول أن يُلزم خصمه بنتائج أفكار مدارسٍ إسلامية أخرى لا يؤمن بها هو بحسب انتمائه المعلن، كما أن خصمه لا يُسلِّم له بصحّتها.

لنوضح هذه المفارقة أكثر!

لو افترضنا أن نقاشاً جرى بين متكلّم معتزلي وآخر أشعري، وأخذ الأشعري ينقض آراء المعتزلي بأقوال ومعتقدات شخص ثالث هو شيعي إمامي، لكان من حقّ المعتزلي أن يعترض ويقول: إنك أيها الأشعري أخرجت النقاش إلى حيث لا ينبغي؛ إذ لو كان نقاشي مع الشيعي الإمامي لكان لي معه كلام آخر، ولكانت بدايتي في النقاش مختلفة والأسس التي أنطلِقْ منها غير تلك التي أقمتّها في مناقشتك، وعليه لا يحقّ لك محاججتي بفروع أصولٍ لا أؤمن بها (= الأصول) ولم نحرر النزاع في صحّتها سلفاً.

هذه (الملاحظة/ المفارقة) التي وقع فيها الأشعري - بحسب مثالنا- هي تحديداً ما يقع فيه الشيخ ابن تيمية وهو يناقش مدرسة أهل البيت عليهم السلام. كيف يفعل ابن تيمية ذلك؟ القارئ يستطيع أن يلاحظ أن ابن تيمية بدل أن يلتزم بالمناقشات التي يذكرها، ومن ثم يتحمّل ما يتفرّع عنها من نتائج، نراه يستفيد من تلك المناقشات من جهة، ويتنصّل من نتائجها من جهة أخرى. نجد أن الرجل يضع آراءه على لسان آخرين فيقول مثلاً: (إذا عارض معارض) أو (لو عارض هذا معارض) أو (هذا معارض بمن يقول) أو (لو قال قائل) أو (للناصبي أن يقول) ... وأمثال ذلك. فيستفيد من أقوال هؤلاء في معارضة خصمه ومحاججته وفي نفس الوقت يحاول أن يوحي لقارئه أنه لا يتبنّى آراءهم.

قد يبدو للبعض أن هذا الأسلوب هو نفسه الأسلوب الذي تزخر به مصنّفات المسلمين حين يفترض المؤلف اعتراضاً مقدَّراً فيتناوله ثم يجيب عليه فيقول: (إن قيل كذا .. قلنا) أو (لا يقال إن .. لأننا نقول) ... وبالتالي فهذا ليس أسلوباً جديداً يختصّ ابن تيمية به وحده.

ولكن الأمر ليس كذلك؛ إذ ابن تيمية لا يفترض الاعتراض ليردّ عليه وإنما هو يطرح الاعتراض ليتمسّك به في نقض ما يقوله خصمه. إنه يمرّر آراءه الخاصة في هذا المجال ولا يريد للقارئ أن يلزمه بنتائج هذه الآراء بحجة أنها ليست من أقواله وإنما من أقوال (معترض ما) أو (قائل ما)، وهذه حجّة يتذرّع بها لأنه على علم أن عموم المسلمين لا يؤمنون بما يقوله، ويرونه كلاماً باطلاً لا يجرؤ على التفوّه به إلا من هو مدخول في دينه، متّهم في عقيدته، لاسيَّما وأن الشيخ ابن تيمية ـ وسيلاحظ القارئ ذلك بنفسه ـ لا يعارض خصمه في أمثال هذه الموارد إلا بما هو معروف من آراء ومعتقدات النواصب ومبغضي أهل البيت عليهم السلام أو ما هو من نمط كلامهم. بل إن القارئ سيرى أن ابن تيمية لا يكتفي وهو يستفيد من هذه الآراء والأقوال لمجرّد المعارضة بل يستمرّ في الاحتجاج بها بكلّ تفاصيلها ولا ينفكّ يوضّح تلك التفاصيل ويزيدها بياناً وتماسكاً منطقياً وشواهدَ من القرآن الكريم ليتعدّى الأمر مجرَّد المحاججة والمعارضة إلى التبنّي والاعتقاد.

هذا ما نستنبطه من أسلوب ابن تيمية في مناقشاته، فهل انتهى بنا الأمر أن نقابل افتراضات ابن تيمية بافتراض واستنباط آخر؟ نصوص ابن تيمية القادمة ستوضح للقاري اللبيب أن الأمر أعمق من ذلك وأن افتراضنا لا يخلو من الشواهد التي تدعمه وتجعل منه حقيقة، ولكن يطيب لي أن أضع بين يدي القاري نصّاً يحسم الخلاف بشأن صحّة هذه الملاحظة، وهو نصّ في منتهى الأهمية والخطورة حيث يصرّح ابن تيمية فيه بشكل لا لبس فيه أن أحد أهمّ أصول منهجه في الردّ على >الرافضة< (أي شيعة أهل البيت) هو مقابلة قدح الشيعة بالخلفاء الثلاثة السابقين على علي عليه السلام بقدح مثله فيه عليه السلام، بل وقدح بما هو >أعظم< منه!!

ورَد النصُّ المشار إليه في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح) في معرض بيانه امتناع احتجاج النصارى بشيء من كلام نبينا محمد صلَّى الله عليه وآله سلَّم أو غيره من الأنبياء عليهم السلام على ما يخالف دين المسلمين من دينهم. وبعد تفاصيل طويلة يذكر فيها الشروط الموضوعية التي يجب الخضوع لها في مثل هذه الاحتجاجات والتي بفضلها يكون الاحتجاج من كلام الأنبياء صحيحاً ومقبولاً، يقول ابن تيمية إن الأسلوب في جواب من احتجّ من النصارى أو من اليهود بحجّة عقلية على مخالفة شيء من دينه لما ثبت عن نبي الإسلام صلَّى الله عليه وآله سلَّم هو عبارة عن ثلاث خطوات هي:

1. أن يبيّن أن ذلك يلزم غيره من الأنبياء، فإنهم جاءوا بذلك أو بأعظم منه.

2. أن يبيّن أن تلك الحجة لا تصلح أن يعارض بها ما جاءت به الأنبياء.

3. أن يبيّن فساد تلك الحجة العقلية.

لا خلاف لنا مع ابن تيمية بخصوص هذه الخطوات المنهجية الثلاث، ولطالما اعتمدها علماء المسلمين في نقاشاتهم: الداخلية منها التي يكون طرفاها مسلمين، أو الخارجية التي يكون طرفها الثاني غير مسلم، على أن الصيغة الشهيرة للقاعدة الأولى (= الإلزام) هي: (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم) وليس (ألزموهم بما يلازم أقوالهم)؛ والفرق بين الصيغتين هو: أن مناقشة الخصم في الصيغة الأولى تنصبّ بنحو مباشر على ما يلتزم به الخصم، ويكون كلُّ الحديث عن كشف التناقض الداخلي في كلامه، في حين إن مناقشة الخصم في الصيغة الثانية تنصبّ على لوازم ما يلتزم به، ويكون الحديث فيها مركَّزاً بنحو خاصّ على ما يلزم من أقواله في الموارد الأخرى المشابهة لموضوع المناقشة، والكشف عما يستتبعه قول الخصم من تناقضات فيها، وهذا الخروج بالمناقشة من المركز إلى الأطراف قد يخلق إلزامات باطلة لا سيَّما في الموضوعات الدينية. ما يهمنا فعلاً هو ما يفهمه ابن تيمية من الخطوة الأولى، لا سيَّما فيما يتعلق بتطبيقها >داخلياً< في نقاشات المسلمين فيما بينهم.

يقول ابن تيمية في ذلك:

>فلا يقدح أحد بحجة عقلية في محمد صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم إلا كان ذلك قد جاء بطريق الأولى في غيره من الأنبياء، كما بيّنا في الرد على الرافضة: أنه لا يقدح أحد في الخلفاء الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان، إلا أمكن أن يقدح بمثل ذلك وبأعظم منه في علي، فيمتنع أن يكون علي سليماً من القوادح في إمامته إلا والثلاثة أسلم منه مما يقدح في إمامتهم<([40]).

إذن، فابن تيمية حين يردّ على خصمه الشيعي، كما فعل مثلاً في كتابه (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية) الذي ردّ به على العلامة أبي منصور جمال الدين الحسن بن يوسف ابن المطهَّر الأسدي الحلي صاحب كتاب (منهاج الكرامة في معرفة الإمامة) (الكتاب الذي تمحور الردّ عليه)، فإن أسلوبه ومنهجه قائم ـ بنصّ عبارته هنا ـ على مقابلة نقد ابن المطهَّر للخلفاء بنقد الإمام علي عليه السلام ذاته، بل ونقده بما هو أعظم، وكذا غيره من سادات وأئمة أهل البيت عليهم السلام، بل إنه - وكما سنرى ذلك- يقابل الفضائل بالنكران، والمناقب بالجحود، والمديح بالذمّ حتى ولو كانت كلّ تلك الفضائل والمناقب والمدائح مما لا يختلف حولها المسلمون بشأن أهل البيت، وهو يزيد ذلك كلّه توغّلاً في التجريح والطعن والقدح وكأنه يقول: >هاأنذا أردّ الصاع صاعين< متجاهلاً بأنه بفعله هذا يخرق إجماع المسلمين ويشكّك في أبده قضايا العقل المسلم... وهو مأزق مهلك أوقع فيه ابن تيمية نفسه!

الموقف الأول: فاطمة (عليها السلام) من طلاب الدنيا

قال ابن تيمية: >ثم من المعلوم لكلّ عاقل أن المرأة إذا طلبت مالاً من وليّ أمر فلم يعطها [إياه] لكونها لا تستحقّه عنده، وهو لم يأخذه ولم يعطه لأحد من أهله ولا أصدقائه بل أعطاه لجميع المسلمين، وقيل: إن الطالب غضب على الحاكم، كان غاية ذلك أنه غضب لكونه لم يعطه مالاً، وقال الحاكم: إنه لغيرك لا لك، فأيّ مدح للطالب في هذا الغضب؟ لو كان مظلوماً محضاً لم يكن غضبه إلا للدنيا. وكيف والتهمة عن الحاكم الذي لا يأخذ لنفسه أبعد من التهمة عن الطالب الذي يأخذ لنفسه، فكيف تحال التهمة على من لا يطلب لنفسه مالاً، ولا تحال على من يطلب لنفسه المال؟ وذلك الحاكم يقول: إنما أمنع لله لأني لا يحلّ لي أن آخذ المال من مستحقّه فأدفعه إلى غير مستحقّه، والطالب يقول: إنما أغضب لحظّي القليل من المال<([41]).

وقال: >وأيضاً فهؤلاء ينقلون عن عليّ وفاطمة من الجزع والحزن على فوت مال فدك وغيرها من الميراث ما يقتضي أن صاحبه إنما يحزن على فوت الدنيا، وقد قال تعالى: {لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}([42]) فقد دعا الناس إلى أن لا يأسوا على ما فاتهم من الدنيا، ومعلوم أن الحزن على الدنيا أولى بأن ينهى عنه من الحزن على الدين. وإن قدر أنه حزن على الدنيا، فحزن الإنسان على نفسه خوفاً أن يُقتل أولى أن يعذر به من حزنه على مال لم يحصل له<([43]).

بناءً على النص أعلاه تكون سيدة نساء العالمين عليها السلام طالبةً لأمر دنيوي لا تستحقّه، آسيةً على ما فاتها من أمر الدنيا، في حين إنّ منعها من قبل الخليفة الأول كان لأجل الله.

وابن تيمية يخرج هنا عن نمط استدلاله في أمثال هذه المواقف؛ إذ إن أقل ما يقال إن على ابن تيمية أن يقول في مثل موقف الزهراء هنا مما يتّسق مع معتقداته، هو: (إن الزهراء كانت على خطأ إلا أنها مجتهدة متأوِّلة مأجورة) فبمثل هذا الكلام اعتذر عن معاوية بن أبي سفيان وأمثاله من الخارجين على الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فما عساه حال دون أن يعامل سيدة نساء العالمين بمثل ما عامل به معاوية؟! لماذا يتورّع ابن تيمية عن الخوض في نزاعات الصحابة وخلافاتهم معتبراً أن الموقف الصحيح هو الامتناع عن الحديث فيما شجر بين الصحابة في حين نراه هنا لا يتردد في عدّ سيدة نساء العالمين الزهراء عليها السلام طالبة لغير ما تستحقّ، وأن حزنها لأجل حظّها القليل من الدنيا؟!

الموقف الثاني: فعل فاطمة يشبه أفعال المنافقين

قال ابن تيمية: >أو ليس الله قد ذمّ المنافقين الذين قال فيهم: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ}([44]) فذكر الله قوماً رضوا إن اُعطوا، وغضبوا إن لم يُعطَوا، فذمّهم بذلك، فمَن مدَح فاطمة بما فيه شبه من هؤلاء ألا يكون قادحاً فيها؟<([45]).

من الواضح أن القول بمشابهة فعل الصدّيقة الزهراء عليها السلام عند مطالبتها بفدك وغضبها لمنعها من ذلك بما كان يفعله المنافقون من الرضا حال عطاء رسول الله لهم من الصدقات وسخطهم حال منعهم منها، لا يجرؤ على التفوّه به إنسان مسلم يستمع إلى نبيّه الموصوف بأنه {ومَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}([46]) وهو يقول بحقّها بأنها >سيدة نساء أهل الجنة<.

قد يتمسّك البعض بعبارة ابن تيمية حين يقول: >من مدح فاطمة بما فيه شبه من هؤلاء ألا يكون قادحاً فيها< فيفهم منها: أنه يريد أن ينفي عن الصديقة الزهراء غضبها على الخليفة الأول، وأن عبارته دافعها حرص ابن تيمية على أن لا ينسب إليها عليها السلام ما قد يكون قدحاً فيها؛ فيستنتج أن ابن تيمية في عبارته هذه كان محبّاً للزهراء عليها السلام مهتمّاً بتنزيه جانبها.

إلا أن واقع الأمر ليس كذلك:

إذ إن ابن تيمية على عِلم بما ورد في صحيح البخاري وغيره من المصادر عن عائشة قولها إن الزهراء >وجدت<([47]) على الخليفة الأول (من وَجَدَ الشخصُ على فلان؛ أي: غضب وخَشُن صدْرُه عليه وكرهه).

ثم إنّ قصْد من يذكر مواقف سيدة نساء العالمين الزهراء عليها السلام (في قضية مطالبتها بفدك وغضبها على الخليفة الأول، وهجْرها إيّاها، ووصيّتها أن تدفن ليلاً، وأن لا يحضر الصلاة عليها وغير ذلك من أحداث) هو الطعن على الخليفة والانتصار لها عليها السلام وإثبات أحقّيتها بما طالبت به، وفيما فعلته من مواقف، ولا علاقة للأمر بمسألة المدح. وبعبارة أخرى: إن هناك فرقاً بين القول (غضبك كان حقّاً لك) والقول: (غضبك كان حسناً منك) فالقول الأخير هو ما يعدّ >مدحاً< في حين إن ما نحن فيه هو من شاكلة القول الأول.

من هنا فإن ابن تيمية في كلمته أعلاه قام في الواقع بأمرين لا يوافقه عليهما خصمه:

الأمر الأول: أنه فسَّر كلام العلاَّمة ابن المطهَّر الحلي([48]) بكونه مدحاً للزهراء عليها السلام وهو لم يكن كذلك وإنما هو تقرير لأحقّيتها فيما فعلته.

الأمر الثاني: أنه فسَّر فعل الزهراء عليها السلام بما يشبه أفعال المنافقين وهذا مما لا يوافقه عليه خصمه؛ إذ المنافقون يطلبون ما ليس لهم فيه حقّ، وهو سبب ذمّ الله تعالى لهم، وليس سبب ذمّهم عموم المطالبة حتى ولو كان الطلب حقّاً؛ ولذا قدّمت الآية الكريمة سبب كونهم على الباطل فقالت: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} أي يعيبك ويطعن عليك، ثم قابلت ذلك بدعوتهم للتسليم لله ورسوله وترك التلميز والطعن عليه صلى الله عليه وآله فقالت: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ}.

إذن فابن تيمية هو وحده حصراً من يستحقّ أن يوصف بكونه >قادحاً< في سيدة نساء العالمين عليها السلام وليس من يعتقد أنها لا تغضب إلا لله تعالى ويؤمن بقول رسول الله صلى الله عليه وآله >فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني< وأن إغضاب رسول الله لا يكون إلا إغضاباً لله سبحانه([49]).

الموقف الثالث: هجران فاطمة وعدم كلامها مع الخليفة الأول كان قدحاً فيها

قال: >ومن طلب أن يحكم له بغير حكم الله ورسوله فغضب وحلف أن لا يكلّم الحاكم، ولا صاحب الحاكم، لم يكن هذا مما يُحمد عليه، ولا مما يُذمّ به الحاكم، بل هذا إلى أن يكون جرحاً أقرب منه إلى أن يكون مدحاً<([50]).

بناء على ما ورد أعلاه تكون سيدة نساء العالمين عليها السلام من الصحابيات المجروحات، ويكون إيراد البخاري لحديث وجدها على أبي بكر - طبقاً لفهم ابن تيمية- للقدح فيها عليها السلام، علماً أن ابن تيمية نفسه يقول في كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول) إن من سبّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله سبّاً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم كان مستحقّاً للتأديب والتعزير! قال: >وأما من سبَّهم سبّاً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل: وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلّة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك فهذا هو الذي يستحقّ التأديب والتعزير [...]. وأما من لعن وقبّح مطلقاً، فهذا محلّ الخلاف فيهم [...]. وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتّدوا بعد رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً أو أنهم فسقوا عامّتهم، فهذا لا ريب أيضاً في كفره<([51]).

إذن؛ فأقلّ ما يستحقّه ابن تيمية على عبارته أعلاه، وكذا ما نقلناه عن مذهبه في الموقف الأول من كون سيدة نساء العالمين طالبة للدنيا، واستناداً إلى معاييره هو: >التأديب والتعزير<، وإلا فقد كان بوسعه أن يلتزم الصمت وعدم الخوض في المسألة وترجيحٍ طرف على طرف آخر، كما هو يفعل ذلك حين يتعلق الأمر مع خصوم أهل البيت عليهم السلام وأعدائهم.

الموقف الرابع: إيصاء فاطمة بدفنها ليلاً وعدم الصلاة عليها فعل تستحق عليه الذمّ

قال: >وكذلك ما ذكره([52]) من إيصائها أن تدفن ليلاً ولا يصلّي عليها أحد منهم، هذا لو صحّ([53]) لكان بالذنب المغفور أولى منه بالسعي المشكور ، فإنّ صلاة المسلم على غيره زيادة خير تصل إليه، ولا يضرّ أفضل الخلق أن يصلّي عليه شرّ الخلق، وهذا رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم يصلِّي عليه [ويسلِّم عليه] الأبرار والفجّار بل والمنافقون، وهذا إن لم ينفعه لم يضرّه، وهو يعلم أن في أمّته منافقين، ولم ينهَ أحداً من أمّته عن الصلاة عليه، بل أمر الناس كلَّهم بالصلاة والسلام عليه، مع أن فيهم المؤمن والمنافق، فكيف يذكر في معرض الثناء عليها والاحتجاج لها مثل هذا الذي لا يحكيه ولا يحتجّ به إلا مفرط في الجهل، ولو وصّى موصٍ بأن المسلمين لا يصلّون عليه لم تنفَّذ وصيّته، فإنّ صلاتهم عليه خير له بكلّ حال.

ومن المعلوم أن إنساناً لو ظلمه ظالم، فأوصى بأن لا يصلّي عليه ذلك الظالم، لم يكن هذا من الحسنات التي يحمد عليها، ولا هذا مما أمر الله به ورسوله. فمن يقصد مدح فاطمة وتعظيمها كيف يذكر مثل هذا الذي لا مدح فيه بل المدح في خلافه، كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع؟!<([54]).

إن ما ذكره من أن العلامة الحلّي ذكر ذلك في (معرض الثناء عليها والاحتجاج لها) ليس بصحيح؛ إذ الكلام ليس في الثناء على الزهراء عليها السلام والاحتجاج لها، وهو ما صنّف فيه الشيعة قديماً وحديثاً الكثير من المصنّفات المطوّلة والمختصرة، بل في الاحتجاج على أن (مذهب الإمامية واجب الإتباع) وأنهم لم يتعصّبوا في غير الحقّ كما فعل غيرهم، ولم يبدِّلوا أحكام الشريعة ويبتدعوا فيها معاندةً لغيرهم من مخالفيهم، وكان ما ذكره العلاَّمة الحلي هو من باب التمثيل على حقيقة هذا الأمر ووقوعه لدى مخالفي الإمامية. إذن؛ فتحريف ابن تيمية لسياق كلام ابن المطهَّر نحو أمر لم يكن محلاً لكلامه؛ ثم نعته بأنه مما (لا يحكيه ولا يحتجّ به إلا مفرط في الجهل) هو نوع من المغالطة والتزييف الرخيص، هذا أولاً.

ثانياً: إن دلالة وصية سيدة نساء العالمين الزهراء عليها السلام على الحنق والغضب مما لا يحتاج إلى دليل، وصلاة المسلم على غيره زيادة له في الخير أيضاً وليس للميت فحسب. صحيح أنه (لا يضرّ أفضل الخلق أن يصلي عليه شرّ الخلق) كما قال ابن تيمية ولكن من الصحيح أيضاً أن (من أشدِّ ما يُحرم أحدٌ من الخلق من التوفيق له من الخيرات أن يُخصّ بالمنع من الصلاة على أفضل الخلق)([55]) ويزداد حرمان هذا الشخص وعدم توفيقه إذا علمنا أن منعه كان من قبل نفس (أفضل الخلق) المُصلَّى عليه وبوصية منه؛ لسخطه واحتجاجه عليه، وهذا المنع هو موضع اهتمام العلامة ابن المطهَّر الحلي وما يعنيه من دلالات، وهو ذات ما حاول ابن تيمية الالتفاف عليه.

ثالثاً: وبعيداً عن اعتقادنا بمكانة الصدّيقة الزهراء عليها السلام وإيماننا بعصمتها ومعرفتها بأحكام الشريعة وغناها عن أمثال ابن تيمية لتعليمها الحرام من الحلال، فإن من أغرب ما دوَّنه ابن تيمية أن عدَّ وصية سيدة نساء العالمين عليها السلام بعدم صلاة أشخاص معيّنين عليها >ذنباً<!! بالرغم من أنه لا يملك دليلاً واحداً على حرمة أمثال هذه الوصية! والأكثر غرابة أنه اعتبر من تلقاء نفسه هذا الذنب ذنباً >مغفوراً<؟!

الموقف الخامس: فاطمة فرَّقت الجماعة وردَّت حكم الله وسخطت حكمه...

قال: >ثم إذا عارض معارض وقال: أبو بكر وعمر وليا الأمر، والله قد أمر بطاعة أولي الأمر، وطاعة ولي الأمر طاعة لله ومعصيته معصية لله، فمن سخط أمره وحكمه فقد سخط أمر الله وحكمه<. ثم أخذ يشنّع على علي وفاطمة رضي الله عنهما بأنهما >ردّا أمر الله، وسخطا حكمه، وكرها ما أرضى الله؛ لأن الله يرضيه طاعته وطاعة ولي الأمر، فمن كره طاعة ولي الأمر فقد كره رضوان الله، والله يسخط لمعصيته، ومعصية ولي الأمر معصيته، فمن اتّبع معصية وليّ الأمر فقد اتّبع ما أسخط الله وكره رضوانه. وهذا التشنيع ونحوه على علي وفاطمة رضي الله عنهما أوجه من تشنيع الرافضة على أبي بكر وعمر; وذلك لأن النصوص الواردة عن النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم في طاعة ولاة الأمور، ولزوم الجماعة، والصبر على ذلك، مشهورة كثيرة، بل لو قال قائل: إن النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم أمر بطاعة ولاة الأمور وإن استأثروا، والصبر على جورهم، وقال: (إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) وقال: (أدّوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقّكم) وأمثال ذلك، فلو قدِّر أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا ظالمين مستأثرين بالمال لأنفسهما، لكان الواجب مع ذلك طاعتهما والصبر على جورهما.

ثم لو أخذ هذا القائل يقدح في علي وفاطمة رضي الله عنهما ونحوهما بأنهم لم يصبروا ولم يلزموا الجماعة، بل جزعوا وفرقوا الجماعة، وهذه معصية عظيمة، لكانت هذه الشناعة أوجه من تشنيع الرافضة على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فإن أبا بكر وعمر لا تقوم حجة بأنهما تركا واجباً أو فعلا محرّماً أصلاً، بخلاف غيرهما، فإنه قد تقوم الحجة بنوع من الذنوب التي لم يفعل مثلها أبو بكر ولا عمر. وما ينزَّه علي وفاطمة رضي الله عنهما عن ترك واجب أو فعل محظور إلا وتنزيه أبي بكر وعمر أولى بكثير، ولا يمكن أن تقوم شبهة بتركهما واجباً أو تعدِّيهما حدّاً، إلا والشبهة التي تقوم في عليّ وفاطمة أقوى وأكبر. فطلب الطالب مدح علي وفاطمة رضي الله عنهما - إما بسلامتهما من الذنوب، وإما بغفران الله لهما، مع القدح في أبي بكر وعمر بإقامة الذنب والمنع من المغفرة - من أعظم الجهل والظلم، وهو أجهل وأظلم ممن يريد مثل ذلك في علي ومعاوية رضي الله عنهما إذا أراد مدح معاوية رضي الله عنه، والقدح في علي رضي الله عنه<([56]).

يمثّل هذا النص واحداً من أهمّ تطبيقات أسلوب ابن تيمية الذي أشرنا إليه في توطئة المحور الثاني، وقد نقلته كاملاً - على الرغم من طوله- ليعرف القارئ مدى ما يتمتّع به ابن تيمية من شحناء وبغض لعترة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله، وكيف أن نصّاً لا يتجاوز بضعة أسطر، فيه من القذف والكذب والجرأة على حرمات الله ما لا يتفوّه به مسلم يدين بدين الإسلام. فعليّ وفاطمة طبقاً لفهم ابن تيمية: ردَّا أمر الله، وسخطا حكمه، وكرها ما أرضى الله، وفرّقا جماعة المسلمين، وخرقا طاعة ولاة الأمور، وجزعا ولم يصبرا، وتركا الواجب، وفعلا المحرَّم، بل المعصية العظيمة، والشبهة بتركهما الواجب أو تعدِّيهما الحدّ أقوى وأكبر...

في الواقع: إن هذه السلسلة من الأحكام الهجائية النصْبية التي يستخدمها ابن تيمية، يستخدمها وهو على وعي تامّ بأنه يوظّف النص القرآني الكريم ويطبّقه، والسؤال المهمّ الذي على القارئ أن يلتفت إليه، هو: من هم أولئك الذين {اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ}([57])؟ إنهم المنافقون بكل تأكيد، وإلا فإن الإنسان المؤمن قد حبَّب الله إليه الإيمان وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان؛ قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}([58]).

يقول ابن تيمية في موضع آخر من كتابه (منهاج السنة) محدّداً أولئك الذين كرهوا ما نزَّل الله بقوله: >فسَّر السلف هؤلاء الذين {كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ} الذين كانوا سبب نزول هذه الآية بالمنافقين واليهود<.

وللقارئ أن يعرف ذلك بنفسه إذا عاد إلى سياق الآيات الشريفة؛ قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَـحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ}([59]).

فهل يريد ابن تيمية حين يطلق هذا الوصف على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين عليهما السلام أن يقول: إنهما كانا منافقين؟ ليس في النص المتقدّم ما يدعونا لاستبعاد اعتقاد ابن تيمية ذلك. حينها على القارئ أن يختار: إما أن يصدّق ابن تيمية أو يصدّق نبيَّ الإسلام صلى الله عليه وآله وما ورد عنه فيهما عليهما السلام في تراث جميع المسلمين من نصوص متواترة تقدّمت الإشارة إلى بعضها!([60]).

أما أن الزهراء عليها السلام - وكذا الإمام علي عليه السلام كما في نص ابن تيمية، وإنما نقتصر بالحديث عنها عليها السلام لأنها محل البحث- فرَّقت جماعة المسلمين، فإن الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حكم هذا الفعل تقول: (إنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرِّق أمر هذه الأمّة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائناً من كان)([61]). وفي نص آخر: (من ترك الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية)([62]). إذن فحكم سيدة نساء العالمين الزهراء عليها السلام بناء على اعتقاد ابن تيمية هو الضرب بالسيف! وكان من حلم ورأفة الخليفة الأول بها أنه لم يطبّق عليها هذا الحكم الذي تستحقّه!! ولا أدري أيَّة جنةٍ الزهراءُ سيدةُ نسائها وهي قد ماتت ميتة جاهلية؟! هذا سؤال كان على ابن تيمية أن يجيبنا عليه.

وللحديث عن علاقة المجتمع المسلم بحاكميه موضع آخر من سلسلتنا (معالم الإسلام الأموي) حيث سنعرف وقتها أن أحد أهمّ معالم هذا الإسلام هو الطاعة العمياء للسلطة، والخضوع التامّ لجميع سياساتها حتى لو كان الحاكم فاسقاً فاجراً، وما ذكره ابن تيمية هنا يشكّل أحد أكبر دعامات هذا المَعْلَم وأغطية شرعيته.

الموقف السادس: جزعها عليها السلام على فوات الدنيا وحزنها على أمر فائت

قال: >وحزنه [أي: أبو بكر] على النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم يدلّ على كمال موالاته ومحبّته، ونصحه له واحتراسه عليه وذبّه عنه ودفع الأذى عنه، وهذا من أعظم الإيمان وإن كان مع ذلك يحصل له بالحزن نوع ضعف، فهذا يدلّ على أن الاتصاف بهذه الصفات مع عدم الحزن هو المأمور به، فإن مجرد الحزن لا فائدة فيه، ولا يدلّ ذلك على أن هذا ذنب يذمّ به، فإن من المعلوم أن الحزن على الرسول أعظم من حزن الإنسان على ابنه، فإن محبّة الرسول أوجب من محبة الإنسان لابنه.

[...]

ثم إن هؤلاء الشيعة ـ وغيرهم ـ يحكون عن فاطمة من حزنها على النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم ما لا يوصف، وأنها بنَتْ بيتَ الأحزان، ولا يجعلون ذلك ذمّاً لها مع أنه حزن على أمر فائت لا يعود، وأبو بكر إنما حزن عليه في حياته خوف أن يُقتَل وهو حزن يتضمّن الاحتراس، ولهذا لما مات لم يحزن هذا الحزن؛ لأنه لا فائدة فيه. فحزن أبي بكر بلا ريب أكمل من حزن فاطمة، فإن كان مذموماً على حزنه ففاطمة أولى بذلك، وإلا فأبو بكر أحقّ بأن لا يذمّ على حزنه على النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم من حزن غيره عليه بعد موته.

[...]

وأيضاً فهؤلاء ينقلون عن علي وفاطمة من الجزع والحزن على فوت مال فدك وغيرها من الميراث ما يقتضي أن صاحبه إنما يحزن على فوت الدنيا، وقد قال تعالى: {لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}([63]) فقد دعا الناس إلى أن لا يأسوا على ما فاتهم من الدنيا، ومعلوم أن الحزن على الدنيا أولى بأن ينهى عنه من الحزن على الدين. وإن قدّر أنه حزن على الدنيا، فحزن الإنسان على نفسه خوفاً أن يُقتل أولى أن يعذر به من حزنه على مال لم يحصل له<([64]) .

حسْب الشيعة في هذا الأمر أن حزن الزهراء عليها السلام وبكاءها على أبيها صلى الله عليه وآله كان بمرأى منه في حياته حين أخبرها برحيله، كما في الصحيح المتَّفق عليه من الأخبار، ومع ذلك لم يذمّها على حزنها هذا، ولم يقل لها إنه (ضعف وحزن على أمر فائت لا فائدة منه) كما يقول ابن تيمية، وإنما قام بتسليتها وبشارتها.

على أن الحزن المنهيّ عنه (وهو الجزع) لا يتحقّق بمجرد إظهار الحزن، وإنما بما يرافق هذا الحزن من القول السيئ أو الفعل القبيح، كاليأس من تعويض الله أو الغفلة عن وعده وأمثال ذلك، كما أنه لا يخالف (الصبر الجميل) الذي أُمرنا به؛ وها هو نبيّ الله يعقوب عليه السلام يقول لأبنائه: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الحَكِيمُ}([65]) فما كان من (صبره الجميل) إلا أن أعرض عنهم {وَقَالَ يَا أَسَفي عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}([66]) ولم يجد في ذهاب بصره من الحزن وتقادم أمره على هذا الحال مع علمه بحياته - إذ يقول القرآن الكريم: {قَالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ}([67]) وقال هو عليه السلام: {إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}([68]) أي أعلم: حياة يوسف وأن الله يجمع بيننا- ما يتناقض مع صبره الجميل، وقد حكى الله تعالى عن أبنائه ما يشبه اعتراض ابن تيمية على الزهراء عليها السلام في "فوات الأمر وعدم فائدة البكاء" حين قالوا لأبيهم: {تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ}([69]) أي: تكون مشرفاً على الهلاك أو من الميِّتين، فما كان منه إلا أن قال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله}([70]) وهذا هو ما ينبغي للإنسان المسلم أن يفعله: أن لا تكون شكواه إلا لله تعالى وحده. هذا مع أنه لا قياس بين يوسف عليه السلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وآله لا في الفضيلة ولا في الأهمية ولا في نسبة كل واحد منهما لمن فجع بفقده، فكيف تُذَمّ سيدة نساء العالمين عليها السلام - كما يطالب ابن تيمية الشيعة به- على ما فعلته (وهو أقل بكثير مما فعله هذا النبيّ الصالح)، وما نزل بها عليها السلام أعظم مصيبة مُني بها المسلمون في دينهم من انقطاع الوحي ورحيل شخص قائدهم العظيم؟!

أما ما قاله ابن تيمية من أن الشيعة (ينقلون عن علي وفاطمة من الجزع والحزن على فوت مال فدك وغيرها من الميراث ما يقتضي أن صاحبه إنما يحزن على فوت الدنيا) فهو من باطله؛ إذ لم ينقل أحد عنهما عليهما السلام ما يعدّ جزعاً وحزناً في ذلك، وإنما وقع الحزن على فقد رسول الله صلَّى الله عليه وآله. نعم، النصوص متضافرة عنهما - لدى الشيعة والسنّة-([71]) اعتقادهما بأحقّيتهما ومظلوميتهما في قضية فدك وغيرها من ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله، ومطالبة المرء بحقّه لا تعتبر >حزناً على فوت الدنيا<، وللقارئ الكريم أن يستمع لما يقول ابن أبي طالب عليه السلام وهو يشير إلى فدك، فهل يرى فيما يقوله حزناً منه على ضياع فدك وفوات الدنيا، يقول عليه السلام:

>فَوَاللهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً، وَلاَ ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً، وَلاَ أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً. بَلَى! كَانَتْ في أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّماءُ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْم، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ. وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَك وَغَيْرِ فَدَك، وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَد جَدَثٌ، تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا، وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا، لاََضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَالمَدَرُ، وَسَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ المُتَرَاكِمُ، وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الأكْبَرِ، وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ المَزْلَقِ.

وَلَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ، إِلَى مُصَفَّى هذَا الْعَسَلِ، وَلُبَابِ هذَا الْقَمْحِ، وَنَسَائِجِ هذَا الْقَزِّ، وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الأَطْعِمَةِ ـ وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ بِالْيَمَامَةِ مَنْ لاَ طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ، وَلاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ ـ أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكْبَادٌ حَرَّى، أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:

 

وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَة

وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ<([72])

 

فهل يتكلم بمثل هذا من يأسى على فوات الدنيا؟! كلا، ولكنَّ ابن تيمية يخادع نفسه بمثل هذا الخصام الرخيص.

يبقى علينا أن نشير إلى وصف ابن تيمية للحزن على أنه (نوع من الضعف)، فنتساءل: هل هذا الحزن على رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله المفضي إلى الضعف مختصّ بسيدة نساء العالمين عليها السلام فيكون مجرد حزن بنتٍ على وفاة أبيها، كما يلوّح ابن تيمية بذلك، أم أنه وقع من غيرها من خيار الصحابة الذين يعتقد ابن تيمية بحجية سلوكهم (أقوالاً وأفعالاً) في معرفة التشريع الإسلامي؟

ورد في (سنن ابن ماجة) عن أنس قال: >قال أبو بكر بعد وفاة رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم يزورها. قال: فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك! فما عند الله خير لرسوله، قالت: إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسوله ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، قال: فهيّجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها<([73]).

فهذا الحديث ينصّ بشكل لا غبار عليه على بكاء ثلاثة من الصحابة على رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله معلّلين ذلك بما أوجبه رحيله من (انقطاع الوحي)، ولم يقتصر الأمر على هؤلاء النفر فحسب، بل إن نفس رسول الله صلى الله عليه وآله قد بكى على رحيل ولده إبراهيم وحصل له نوع من الضعف بحسب اعتقاد ابن تيمية؟! فقد ورد في (مسند أحمد) ما هذا نصّه:

>عن أنس قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم: ولد لي الليلة غلام فسمّيته باسم أبي: إبراهيم. قال: ثم دفعه إلى أمّ سيف - امرأة قين يقال له: أبو سيف- بالمدينة. قال: فانطلق رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم يأتيه، وانطلقتُ معه فانتهى إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره، وقد امتلأ البيت دخاناً، قال: فأسرعت المشي بين يدي رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم، قال: فقلت: يا أبا سيف جاء رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم. قال: فأمسك، قال: فجاء رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم فدعا بالصبي فضمّه إليه، قال أنس: فلقد رأيته بين يدي رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم وهو يكيد بنفسه، قال: فدمعتْ عينا رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربّنا، والله إنا بك يا إبراهيم لمحزونون<([74]).

إن اعتراض ابن تيمية بعدم فائدة الحزن وعبثيته وكونه موجباً للضعف، يصطدم ـ طبقاً لهذا الحديث ونظائره ـ بفعل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وينتقص منه، فهل يستسيغ ابن تيمية أن يوصف أكمل الناس وأشدّهم إيماناً بذلك؟! وهل سيقول لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله): إن البكاء على فقد الابن مما لا فائدة منه وإنه نوع من الضعف، والأفضل هو الاتصاف بصفات الكمال مع عدم الحزن؟!

الموقف السابع: ما يحكى عن فاطمة من القوادح كثير

قال: >ونحن نعلم أن ما يحكى عن فاطمة وغيرها من الصحابة من القوادح كثير منها كذب وبعضها كانوا فيه متأوّلين. وإذا كان بعضها ذنباً فليس القوم معصومين بل هم مع كونهم أولياء الله ومن أهل الجنة، لهم ذنوب يغفرها الله لهم<([75]).

هذا النص من أخطر النصوص التي كتبها ابن تيمية وأشدّها إشكالاً. أما خطورته فلما نسبه إلى سيدة نساء العالمين عليها السلام من حكاية القوادح عنها, وأما إشكاليته فلأن بالإمكان تقديم أكثر من أطروحة في تفسيره؛ يعد قول ابن تيمية ببعضها خروجاً صريحاً على إجماع المسلمين ويوجب طعناً عميقاً في دينه وإيمانه. ولمن يتمسك بما قدمناه من مواقفه من أهل البيت عليهم السلام أن يقرأ عبارته أعلاه بنحو آخر غير ما يقرأها به أنصاره ومؤيدوه، والشرط العلمي الذي يجب أن يتوفر عليه جميع قرَّاء ابن تيمية، بل وقرَّاء كلّ مصنف ومؤلّف، هو الإطلاع التام والكامل على جميع ما كتبه المؤلّف في الموضوع محلّ البحث والأخذ بنظر الاعتبار جميع الخلفيات التي انطلق منها والأساليب التي يكتب على ضوئها ويُعرف بها.

أصل الخلاف في عبارة ابن تيمية المتقدمة هو في تحديد متعلق كلمة (كذب): هل هو قوله (ما يحكى) أي أن مما يحكى من القوادح يُعد حكاية كاذبة، أو هو قوله (القوادح) أي أن من جملة ما يُحكى من القوادح القدحَ بالكذب؟

هنا قراءتان:

القراءة الأولى: يختارها أنصار الشيخ ابن تيمية ومؤيدوه ومن ثم يرفعون الطعن عليه بنسبة الكذب إلى سيدة نساء العالمين الزهراء عليها السلام وغيرها من الصحابة.

والقراءة الثانية: يختارها من يتمسك بما يُعرف من أسلوب الشيخ ابن تيمية من الإضمار والتخفّي حين يتعلق الأمر بفضائل أهل البيت عليهم السلام ومناقبهم ومواقفهم في التاريخ الإسلامي. ولنا فيما تقدم ذكره ما يدعم موقف هذه الفئة الثانية ويمكن أن نضيف إلى تلك المواقف شواهد أخرى عديدة تبيح لهم اللجوء إلى هذه القراءة، نقتصر هنا على ذكر اثنين منها جاءا في نفس سياق كلامه المتقدم:

الشاهد الأول: قال: >لو قال القائل: إنه لا يعرف من النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم أنه عتب على عثمان في شيء، وقد عتب على عليّ في غير موضع لما أبعد<. ثم يشرع في ذكر نماذج على ذلك منها ما يلي: >وأمّا الفتاوى، فقد أفتى [أي: الإمام علي عليه السلام] بأن المتوفّى عنها زوجها وهي حامل تعتدّ أبعد الأجلين, وهذه الفتيا كان قد أفتى بها أبو السنابل بن بِعْكَك على عهد النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم فقال النبي: كذب أبو السنابل<([76]).

وابن تيمية يهدف من استشهاده بقصة أبي السنابل أن يقول: إن تكذيب النبي لمن قال بهذه الفتيا كما يصدق بحقّ أبي السنابل يصدق أيضاً بشأن الإمام عليّ([77]), وإذا استساغ ابن تيمية شمول نسبة الكذب التي نقلها عن النبي صلّى الله عليه وآله لعلي عليه السلام فإنه بطريق أولى يستسيغ نسبة الكذب إلى سيدة نساء العالمين الزهراء عليها السلام من أشخاص آخرين.

الشاهد الثاني: قال: >ولو قال قائل: فاطمة لا تطلب إلا حقّها، لم يكن بأولى من قول القائل: أبو بكر لا يمنع يهودياً ولا نصرانياً حقَّه فكيف يمنع سيدة نساء العالمين حقَّها ؟! [...] وفاطمة رضي الله عنها قد طلبت من النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم مالاً، فلم يعطها إياه. [...] وإذا جاز أن تطلب من النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم ما يمنعها النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم إياه ولا يجب عليه أن يعطيها إياه، جاز أن تطلب ذلك من أبي بكر خليفة رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم، وعُلِمَ أنها ليست معصومة أن تطلب ما لا يجب إعطاؤها إياه. وإذا لم يجب عليه الإعطاء لم يكن مذموماً بتركه ما ليس بواجب وإن كان مباحاً. فأما إذا قدَّرنا أن الإعطاء ليس بمباح، فإنه يستحقّ أن يُحمد على المنع<([78]).

ولو أعدنا ترتيب ما يقوله ابن تيمية هنا لقلنا: إن الزهراء عليها السلام مادامت هي غير معصومة فإن من الممكن أن تطلب ما ليس لها وما هو محرمٌ عليها، فيكون من واجب أبي بكر أن لا يستجيب لها؛ لأن إعطاءه لها سيكون محرّماً يذمّ عليه. ومن الواضح أن إطلاق نسبة طلب سيدة نساء العالمين الزهراء عليها السلام لما هو محرّم عليها دون تقييده بكونها متأوّلة - كما يفعل ابن تيمية في تبريره لخصوم أهل البيت عليهم السلام وهو ما أشرنا له أكثر من مرة- معناه: إمكان أن تطلب سيدة نساء العالمين الزهراء عليها السلام - كذباً- ما ليس لها وما هو محرّم عليها.

هذا ويمكن أن يضاف إلى دعم القراءة الثانية ومشروعيتها، القول: بأن غموض عبارة ابن تيمية وتركه الحيطة في التعبير في قضية بهذا المستوى الكبير من الخطورة؛ حيث تتضمن نسبة الكذب للزهراء عليها السلام، يسمح لنا بالقول إن تلك النسبة مقصودة له ومتعمدة؛ إذ كان بإمكانه القول مثلاً: (ونحن نعلم أن ما يحكى عن فاطمة وغيرها من الصحابة من القوادح كثير منها كذب عليهم) وحينها يقطع النزاع بشأن مقصوده وما يرمي إليه. أما وهو لا يفعل ذلك ويقول (منها كذب) ويترك كلامه عائماً مطلقاً فهذا مما يسمح بتفسير عبارته بأكثر من احتمال.

وممن اختار التمسك بالقراءة الثانية الدكتور محمود السيد صبيح في كتابه (أخطاء ابن تيمية في حقّ رسول الله وأهل بيته) فبعد أن وضع عنواناً ملفتاً لمناقشته عبارة ابن تيمية محلّ البحث جاء فيه (ابن تيمية يثلج صدر المنافقين والزنادقة بإثبات ما لم يستطع منافق واحد أن يفكّر فيه، أو يتجرأ على قوله، وهو أن لبنت النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قوادح كثيرة) قال معلقاً على عبارة ابن تيمية:

>لا أدري ما هي القوادح الكثيرة التي حُكيت عن السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، سواء الكذب، أو التي كانت متأولة، يعني فاطمة كانت متأولة، أو التي وقعت فيها بذنب، وأي فاجر ذكر ذلك. ألا يعتقد ابن تيمية أن الله يستر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في ابنته رضي الله عنها فلا تقع في قادح أصلاً. وهل يا ترى - على مذهب ابن تيمية- ماذا سيفعل الله تعالى في هذه القوادح المنسوبة للسيدة فاطمة؟ ستكتب شهادة ابن تيمية وسوف يسأله العزيز الجبار<([79]).

والآن يحقّ لنا أن نختبر تلك الحكاية المجهولة التي نقلها ابن تيمية فنتساءل: هل المحكي عن سيدة نساء العالمين الزهراء عليها السلام اتهامها بالكذب كما يقول ابن تيمية أم أن الثابت - بشهادة الجميع- هو نقيض ذلك وفي أصحّ النقول والأخبار؟ ليس الحديث عن صدق سيدة نساء العالمين الزهراء عليها السلام بحسب معتقد مدرسة أهل البيت عليهم السلام التي ترى عصمتها وطهارتها؛ فذلك من أبده المسلمات لدينا، ولكن السؤال عن تراث مدرسة الصحابة وفي أصحّ كتب الحديث عندهم كما اشترطنا ذلك على أنفسنا في مستهلّ هذه الدراسة.

للجواب عن هذا السؤال أضع بين يدي القارئ الكريم بعضاً من تلك الأخبار التي تسلِّط الضوء على هذا الموضوع:

1. جاء في (المستدرك على الصحيحين) عن السيدة عائشة: >أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم قالت : ما رأيت أحداً كان أصدق لهجة منها إلا أن يكون الذي ولدها<. قال الحاكم: >هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه< ووافقه الذهبي([80]).

2. وفي (إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة) عن السيدة عائشة أيضاً أنها قالت: (ما رأيت أحداً قط أصدق من فاطمة غير أبيها) ثم تضيف الرواية: (وكان بينهما شيء) أي: من الخلاف أو الشجار وأمثال ذلك (فقالت: يا رسول الله، سلها فإنها لا تكذب)([81]).

3. وفي (صحيح الأدب المفرد) عنها أيضاً أنها قالت: (ما رأيت أحداً من الناس كان أشبه بالنبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم كلاماً ولا حديثاً ولا جلسة من فاطمة. قالت: وكان النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم إذا رآها قد أقبلت رحَّب بها، ثم قام إليها فقبَّلها، ثم أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه. وكانت إذا أتاها النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم رحبّت به، ثم قامت إليه، فأخذت بيده، فقبَّلته)([82]) وقد صحَّح الخبر العلامة الألباني.

4. وفي (سنن أبي داوود) عنها أيضاً أنها قالت: (ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً وهدياً ودلاً - وقال الحسن: "حديثاً وكلاماً"، ولم يذكر الحسن: السمت والهدي والدلّ- برسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم من فاطمة كرَّم الله وجهها، كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبَّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبّلته وأجلسته في مجلسها)([83]).

وقد صحَّحه الألباني أيضاً([84]).

وعلى أية حال, سواء أخذنا بالقراءة الأولى أو تمسّكنا بالقراءة الثانية، وهو ما أتركه للقارئ وما يفهمه من أسلوب ابن تيمية وخلفياته وعلاقته بأهل البيت عليهم السلام، فإن نفس نسبة (القوادح الكثيرة) - على حد تعبير ابن تيمية- إلى سيد نساء العالمين الزهراء عليها السلام أمرٌ جليل وفرية عظيمة يرفضها كل مسلم، وهو ما دفع بعض ناقديه للتعليق على ما حكاه بالقول: (وأيّ فاجرٍ ذكر ذلك).

أختم هذا البحث بنقل ملاحظة أفادها أحد أكبر حفَّاظ الحديث والعلل لدى مدرسة الصحابة بخصوص من ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ثم ليحكم القارئ الكريم وفقاً لها على الشيخ ابن تيمية لاسيَّما وهو يستحضر ما أوضحناه من مواقفه بالنسبة إلى سيدة نساء العالمين الزهراء عليها السلام التي هي - وفي أقل التقادير- صحابية جليلة لا يختلف المسلمون حول رفعة منزلتها وسمّوها. قال ابن حجر الهيتمي (ت 974هـ) في كتابه الشهير (الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة):

>وقد قال إمام عصره أبو زرعة الرازي، من أجلِّ شيوخ مسلم: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق<([85]).

وهو فعلاً ما نُسب الشيخ ابن تيمية إليه وحكاه رجل قريب إلى عصره، وهو ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) في (درره) حيث قال:

(وافترق الناس فيه شيعاً، فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك [...]، ومنهم من ينسبه إلى الزندقة [...])([86]).



([1]) الأحزاب: 33.

([2]) النجم:3-4.

([3]) ابن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1416- 1995، مج4، حقق هذا الجزء وخرَّج أحاديثه وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد، ص409، الحديث 2668.

([4]) المصدر السابق.

([5]) المصدر السابق، مج5، ص77، الحديث 2901.

([6]) المصدر السابق.

([7]) المصدر السابق، ص113، 2957.

([8]) المصدر السابق.

([9]) أبو يعلى الموصلي, أحمد بن علي بن المثنى التميمي, مسند أبي يعلى الموصلي, حقّقه وخرّج أحاديثه: حسين سليم أسد, دار الثقافة العربية ـ دمشق, ج5, ص110, الحديث 2722.

([10]) المصدر السابق.

([11]) الطحاوي، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة، شرح مشكل الآثار، حقَّقه وضبط نصه وخرَّج أحاديثه وعلَّق عليه: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، ط1، سنة 1415 هـ ـ 1994 م، ج1، ص 140-141، الحديث: 148.

([12]) المصدر السابق.

([13]) ابن حنبل, أبو عبد الله أحمد بن محمد, فضائل الصحابة, حقّقه وخرّج أحاديثه: وصي الله بن محمد عباس, دار ابن الجوزي, ط2, 1420 هـ ـ 1999 م، ج1, ص196-197، الحديث: 1325.

([14]) الألباني, محمد ناصر الدين, صحيح وضعيف سنن الترمذي, مكتبة المعارف للنشر والتوزيع, الرياض, الطبعة الثانية للطبعة الجديدة, 1422 هـ - 2002 م, ج3، ص573, الحديث 3878. أقول: ليلاحظ أن التصحيح هنا باعتبار نفسه لا أنه صحيح لغيره كما في طريق >فضائل الصحابة< أعلاه.

([15]) أبو يعلى الموصلي, المسند, مصدر سابق، ج5, ص380, الحديث 2722

([16]) لم ينصّ المحقق على تصحيحه بنحو صريح، لكن هذا ما يفهم من كلامه؛ إذ بعد تردّده في توثيق محمد بن مهدي الوارد في هذا الإسناد، صحَّح الحديث بطرق أخرى (كطريقه في مصنّف عبد الرزاق) وذكر شاهداً على الحديث مما ورد في الصحيحين، وعليه يمكن أن يكون هذا الحديث صحيحاً >لغيره< في نظره وفقاً لتلك الشواهد.

([17]) الطحاوي، شرح مشكل الآثار، مصدر سابق، ج1، ص140، ح 147.

([18]) المصدر السابق.

([19]) ابن حنبل، المسند، مصدر سابق، مج19، ص383، الحديث 12391.

([20]) المصدر السابق.

([21]) الحجرات: 13.

([22]) خلافاً لما ذهب إليه نور الدين علي بن سلطان محمد الهروي القاري (ت 1014هـ) الذي استظهر ذلك من رواية أنس، ثم عاد وتوقّف عن التفضيل بينهن (بإضافة عائشة) معلّلاً ذلك بقوله: >إذ ليس في المسألة دليل قطعيّ، والظنيّات متعارضة غير مفيدة للعقائد المبنيّة على اليقينيات<. وسيتّضح لاحقاً فساد هذا التعليل. انظر كتابه: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، دار الفكر ـ بيروت، ط1، 1422هـ ـ 2002م، ج9، ص 3994. وانظر موقف الحافظ ابن حجر الرافض للترتيب في: ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي العسقلاني, فتح الباري بشرح صحيح البخاري, قرأ أصله تصحيحاً وتحقيقاً وأشرف على مقابلة نسخه المطبوعة والمخطوطة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رقّم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصحَّحه وأشرف على طبعه: محبّ الدين الخطيب، دار المعرفة ـ بيروت، 1379، ج7، ص 136.

([23]) خلافاً لمن افترض جزافاً تقييد إطلاق تلك الأخبار وغيرها بالبوالغ من النساء في عصرهن. نقله ابن حجر عن ابن التين ثم نعته بالضعيف، راجع (فتح الباري): ج7، ص135. أو تقييدها بمرحلة ما قبل >حصول كمال عائشة ووصولها إلى وصال الحضرة< كما قاله الملا علي القاري (راجع له: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، مصدر سابق، ج9، ص3994).

([24]) راجع: ابن حجر العسقلاني, فتح الباري بشرح صحيح البخاري, مصدر سابق، ج9، ص 109.

([25]) البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، اعتنى به: أبو صهيب الكرمي، بيت الأفكار الدولية للنشر ـ بيروت، 1419 هـ ـ 1998 م، ص 717.

([26]) الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح وضعيف سنن الترمذي، مصدر سابق، ج3، ص، 541، ح3781.

([27]) المصدر السابق: ص 541-542.

([28]) ابن حنبل، المسند، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، ط1، 1421 هـ ـ 2001 م، ، ج38 (حقق هذا الجزء وخرَّج أحاديثه وعلق عليه: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وجمال عبد اللطيف وسعيد اللحام)، ص 353-354، ح23329. أقول: وقد ذكر محققو الكتاب العديد من مصادر هذا الحديث، فراجع.

([29]) المصدر السابق: ج38، ص355، ح23333.

([30]) المصدر السابق: ج38، ص429، ح23436.

([31]) الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح الجامع الصغير وزياداته، المكتب الإسلامي ـ بيروت، ط3، 1408 هـ ـ 1988 م، ج1، ص77 و69، الأحاديث: 79 و1382 و2257.

([32]) الذهبي، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، سير أعلام النبلاء، أشرف على تحقيق الكتاب وتخريج أحاديثه: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط3، 1405هـ ـ 1985م، ج3 (حقّق هذا الجزء: محمد نعيم العرقسوسي ومأمون الصاغرجي)، ص 252.

([33]) الآلوسي، أبو الثناء شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني البغدادي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، ج3، ص155.

([34]) وهو ما يحاوله البعض حين يتناول تلك الأحاديث فيرجع أفضلية الصديقة الزهراء عليها السلام إلى بنوّة صُلبية نسَبية تحت عنوان مموّه وهو >شرف الأصل< (راجع تفسير ابن القيم كما نقله ابن حجر في فتح الباري: ج7، ص109).

([35]) النجم: 3-4.

([36]) المدثر: 38.

([37]) النجم: 39-41.

([38]) الأحقاف:19.

([39]) راجع تفصيل تخريج الحديث في: الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة، مكتبة المعارف للتوزيع والنشر ـ الرياض، ط1، 1416هـ - 1996م، ج6، ص 1085، الحديث (2948).

([40]) ابن تيمية الحراني، الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح، تحقيق: علي بن حسن بن ناصر وعبد العزيز بن إبراهيم العسكر وحمدان بن محمد الحمدان، دار العاصمة ـ السعودية، ط2، 1419هـ ـ 1999م، ج5، ص128.

([41]) ابن تيمية، أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الحرَّاني الحنبلي، منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ السعودية، ط1، 1406 هـ ـ 1986 م، ج4، ص 244-245.

([42]) الحديد: 23.

([43]) المصدر: ج8، ص260-261. وهو يقول هذا في سياق مقارنة حزن الصدّيقة الزهراء عليها السلام على رحيل أبيها صلى الله عليه وآله بحزن الخليفة الأول كما حكى الله تعالى عنه على لسان نبيه صلى الله عليه وآله في كتابه الكريم: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} (التوبة: 40).

([44]) التوبة: 58-59.

([45]) المصدر: ج4، 245-246.

([46]) النجم: 3-4.

([47]) راجع: صحيح البخاري، مصدر سابق، ص 803، ح 4240. قالت: >... فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها [من فدك] شيئاً، فوَجَدَتْ فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت<، وكذا: ص 591، ح3093، فيه: >فغضبت فاطمة بنت رسول الله فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفّيت<. وانظر أيضاً: القشيري، مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم, اعتنى به: أبو صهيب الكرمي، بيت الأفكار الدولية، 1419هـ ـ 1998م، ص729، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي: لا نورّث ما تركنا فهو صدقة، ح1759.

([48]) راجع كلامه والسياق الذي جاء فيه في: ابن المطهَّر، أبو منصور جمال الدين الحسن بن يوسف الأسدي الحلّي، منهاج الكرامة في معرفة الإمامة، تحقيق: عبد الرحيم مبارك، منشورات تاسوعاء ـ مشهد/ إيران، ط1، 1379 ش، ص 71-72.

([49]) وقد علَّق ابن تيمية على قول العلاَّمة الحلّي برواية أهل السنّة لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله (يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك) بأنه: >كذب منه, ما رووا هذا عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا يعرف هذا في شيء من كتب الحديث المعروفة، ولا له إسناد معروف عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: لا صحيح ولا حسن<.

أقول: وما ذكره ابن تيمية باطل؛ فقد ذكرته جملة من كتب الحديث وصحّحه أو حسّنه بعض الأعلام، وإليك أسماء جملة منهم:

1. فقد رواه الحافظ أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي الشافعي (ت 807 هـ) في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، تحقيق: عبد الله محمد الدرويش، دار الفكر ـ بيروت، 1414هـ ـ 1994م، ج9، ص 328، ح 15204. وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن.

2. وذكره أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في المعجم الكبير، تحقيق : حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية ـ القاهرة، ج1، ص108، ح182. وكذا: ج22، ص401، ح1001، وعلّق محقّق الكتاب على الحديث الأول بأنه وجد في هامش النسخة الأصلية للكتاب العبارة التالية: >هذا حديث صحيح الإسناد وروي من طرق عن علي عليه السلام رواه الحارث عن علي، وروي مرسلاً، وهذا الحديث أحسن شيء رأيته وأصحّ إسناد قرأته<.

3. كما ذكره الحافظ جمال الدين المزي (ت 742 هـ) في تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، ط4، 1406هـ ـ 1985م، ج35، ص 250، ولم يضعفه لا المؤلف ولا المحقّق، علماً أن الأخير صرَّح في مقدّمته أوّل الكتاب أن عنايته تتركّز بالدرجة الأولى على إيراد إضافات العلماء المعنيّين بتهذيب الكمال في مجال التوثيق والتجريح.

4. كما صحَّحه الحاكم النيسابوري في مستدركه (دار الكتب العلمية ـ بيروت، تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا، ط1، 1411هـ ـ 1990م، ج3، ص167، ح4730). وضعّفه الذهبي للحسين بن زيد بن علي وقال: >منكر الحديث لم يحتجّ به<. ولكن تبيّن لنا من خلال المراجعة أن تضعيفه ليس متّفقاً عليه بل هو محلّ خلاف؛ قال ابن أبي حاتم الرازي (ت 327هـ) >قلت لأبي: ما تقول فيه؟ فحرَّك يده وقَلَبَها. يعني: تُعْرَف وتُنْكَر< (الجرح والتعديل، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، ط1، 1952، ج3، ص53، الترجمة 237)، وقال الحافظ ابن عدي الجرجاني (ت 365 هـ) بعد أن نقل عدة أحاديث عنه: >وأرجو أنه لا بأس به إلا أني وجدت في بعض حديثه النكرة< (الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، ط1، 1997م، ج3 ، 218) وهو ما نقله عنه الذهبي في: الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة (دار القبلة للثقافة الإسلامية ومؤسسة علوم القرآن ـ جدة، تحقيق: محمد عوامة وأحمد محمد نمر الخطيب، ط1، 1413 هـ - 1992 م، ج1، ص333، رقم 1088) وعدّه مماشاةً لما قاله أبو حاتم، وقد أشار محقّق كتاب (الكاشف) في دراسته لألفاظ الذهبي في الجرح والتعديل إلى أن لفظ >المماشاة< عند الذهبي حين يتحدّث عن ابن عدي تدلّ في الغالب على >التوثيق الخفيف< وذكر من موارد ذلك ما قاله في الحسين بن زيد. كما وثّقه الدارقطني (موسوعة أقوال الدارقطني، جمع وترتيب: محمد مهدي المسلمي وآخرين، عالم الكتب ـ بيروت، ط1، 1422هـ ـ 2001م، ج1، ص213، رقم 1006)، وقال عنه ابن حجر: صدوق ربما أخطأ (تقريب التهذيب، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية ـ بيروت، ط2، 1415هـ ـ 1995م، ج1، ص 215، رقم 1326).

وبما تقدم أعلاه نعرف أن تضعيف الحسين بن زيد مختلف عليه، وهناك من وثّقه، وعليه تكون الرواية عنه صحيحة كما قال الحاكم النيسابوري.

وبهذا يتبين أن ما قاله ابن تيمية من عدم رواية هذا الحديث في الكتب المعروفة وأنه يخلو من الإسناد الصحيح والحسن، باطل وغير صحيح.

([50]) منهاج السنة، مصدر سابق: ج4، ص243.

([51]) ابن تيمية، الصارم المسلول على شاتم الرسول، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، الحرس الوطني السعودي ـ السعودية: ص 586.

([52]) الضمير يعود على العلاَّمة ابن المطهَّر الحلي صاحب كتاب >منهاج الكرامة في معرفة الإمامة< الذي كتب ابن تيمية كتابه هذا للرد عليه.

([53]) وهو صحيح قطعاً في عقيدة ابن تيمية لوروده في >صحيح البخاري< كما أشرنا سابقاً، وابن تيمية يعلم ذلك ولكنه يلبّس الموضوع على قرَّائه.

([54]) منهاج السنة، مصدر سابق: ج4، ص247-248.

([55]) تبعاً للروايات التي قرأناها سلفاً الصريحة في كونها عليها السلام: >سيدة نساء أهل الجنة< و>سيدة نساء هذه الأمّة< ... .

([56]) منهاج السنة: ج4، ص256-258.

([57]) محمد: 28.

([58]) الحجرات: 7.

([59]) محمد: 25-30.

([60]) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري شرح صحيح البخاري، مصدر سابق: ج8، ص477): >والمستغرب ما أخرجه الطبري بإسناد حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {إِنَّمَا أنت مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} (الرعد: 7) قال: وضع رسول الله يده على صدره وقال: أنا المنذر، وأومأ إلى علي وقال: أنت الهادي؛ بك يهتدي المهتدون بعدي< فهذا هو علي عند رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عليه السلام من المنافقين عند شيخ الإسلام الأموي.

([61]) صحيح مسلم, مصدر سابق، ص773، كتاب الإمارة، باب حكم من فرّق أمر المسلمين وهو مجتمع، ح1852.

([62]) البوصيري، أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل، إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن سعيد وأبو إسحاق السيد بن محمود بن إسماعيل، مكتبة الرشد ـ الرياض، ط1، 1419 ـ 1998، ج6، كتاب الإمارة، باب فيمن ترك الطاعة وفارق الجماعة، ص 220، ح5793.

([63]) الحديد: 23.

([64]) منهاج السنة، مصدر سابق: ج8، ص459-461.

([65]) يوسف: 18.

([66]) يوسف: 84.

([67]) يوسف: 95.

([68]) يوسف: 96.

([69]) يوسف: 85.

([70]) يوسف: 86.

([71]) أما اعتقاد سيدة نساء العالمين الزهراء عليها السلام ذلك، فقد تقدّم نقله عن صحيحي البخاري ومسلم، وأما الإمام علي عليه السلام فقد ورد في المصدرين السابقين مطالبته في زمن عمر ميراث الزهراء، وهو صريح بما هو معتقده في هذا الموضوع (راجع: صحيح البخاري، ص592، ح3094. وصحيح مسلم، ص728-729، 1757).

([72]) الرضي، الشريف أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي البغدادي، نهج البلاغة، تحقيق: فارس الحسون، مركز الأبحاث العقائدية، ص677-679.

([73]) الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح سنن ابن ماجة، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع ـ الرياض، الطبعة الأولى للطبعة الجديدة، 1417-1997، ج2، ص55، ح1334.

([74]) مسند أحمد، مصدر سابق: ج20، ص316، ح13014. وقد ذكرت هذا الحديث العديد من المصادر، ذكرها محقق الكتاب شعيب الأرنؤوط حيث قال: >إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير سليمان بن المغيرة، فمن رجال مسلم. [...] وأخرجه أبو عوانة في المناقب كما في (الإتحاف) من طريق عفان وهاشم بن القاسم، بهذا الإسناد. وأخرجه ابن سعد من طريق عفان بن مسلم وحده، به. [...] وأخرجه البيهقي في (السنن) من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم وحده، به. وأخرجه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، وأبو يعلى، وأبو عوانة، وابن حبان، والبيهقي في (الدلائل)، وابن حجر في (تغليق التعليق) من طرق عن سليمان بن المغيرة، به. وعلقه البخاري بأثر الحديث (1303) قال: رواه موسى عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، بنحوه. وأخرجه بنحوه البخاري، والبيهقي في (الشعب)، والبغوي من طريق قريش بن حيان، عن ثابت، عن أنس. [...]<.

([75]) منهاج السنّة، مصدر سابق: ج4، ص243-244.

([76]) المصدر السابق: ج4، ص242-243.

([77]) وهذا صريح رأي ابن تيمية كما ورد في فتاويه المجموعة في كتاب (الفتاوى الكبرى)؛ ففي معرض حديثه عن عدم عصمة غير النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من الصحابة وبعد أن نسب لعلي عليه السلام الفتيا بخلاف نصّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وتبرئته للشيخين من ذلك وتفضيله لهما عليه، ذَكَرَ قصة أبي السنابل وتكذيب النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم له، ولم يقصر التكذيب على أبي السنابل ولا على هذه الفتيا في هذا المورد، بل قال: >فكذَّب النبي مَن قال بهذه الفتيا< وهو يقصد الإمام علياً عليه السلام كما هو سياق كلامه. راجع: الفتاوى الكبرى، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ـ المدينة المنورة، 1416هـ ـ 1995م: ج35، ص125.

([78]) منهاج السنة، مصدر سابق: ج4، ص246-247.

([79]) صبيح، محمود السيد، أخطاء ابن تيمية في حقّ رسول الله وأهل بيته، دار زين العابدين، 1431هـ ـ 2010م، ص63. ومما يزيد من أهمية رأي الدكتور صبيح وموضوعيته أنه جاء بعد قراءة منه لما يزيد عن أربعين ألف صفحة!! من تراث ابن تيمية كما ينصّ هو في مقدّمة كتابه.

([80]) المستدرك على الصحيحين، مصدر سابق، ج3، ص175، ح4756.

([81]) البوصيري، إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، مصدر سابق، ج9، ص314، ح9045.

([82]) الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح الأدب المفرد ويليه ضعيف الأدب المفرد (والأدب المفرد من تأليف الإمام البخاري)، مؤسسة الريان ودار الدليل الأثرية ـ المملكة العربية السعودية، ط4، 1428هـ، ص256، ح947.

([83]) السجستاني، أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي، سنن أبي داود، اعتنى به فريق: بيت الأفكار الدولية، (بلا تاريخ)، ص 560، ح 5217. وعلَّق فريق التحقيق: (قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه).

([84]) الذي تقتضيه قواعد اللغة العربية أن يكون تقبيله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في قولها: (فأخذ بيدها وقبَّلها) إنما هو ليدها؛ إذ الضمير يعود على الأخير، وهذا المعنى اعترف الألباني بظهوره وتبادره من هذه الجملة إلا أنه أعرض عنه مختاراً أنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قبَّل فاطمة وليس يدها؛ وأيَّده بما قابل هذه الجملة مما ورد في نهاية الخبر: (فأخذت بيده فقبَّلته) ونحوه مما ورد في صحيح ابن حبان (انظر: صحيح ابن حِبَّان (بترتيب ابن بلبان)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، ط2، 1414 1993م، ، ج15، ص403، ح6953)، ثم قال: (وشذَّ الحاكم عن الجماعة فقال: (وقبَّلت يده)؛ ويحتمل أن يكون خطأً من الناسخ أو الطابع).

أقول: يمكن رفع ما يبدو تعارضاً بين الخبرين بعدة محاولات، منها: القول إنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كان يقبِّلها أحياناً وأحياناً أخرى كان يقبِّل يدها، ولا سيَّما أن المثبت في جميع النسخ المطبوع من >مستدرك< الحاكم، على اختلاف محقّقيها، هو: >وقبَّلت يده<.

هذه كلّه في تراث مدرسة الصحابة، أما بالنسبة إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام فرواياتها صحيحة وصريحة وواضحة بأنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كلما دخل عليها سلام الله عليها قبَّل يدها، وكلما دخلت عليه قام لها وقبَّل يدها وأجلسها مكانه.

([85]) ابن حجر الهيتمي، أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد، الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الله التركي وكامل محمد الخراط، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، ط1، 1997م، ج2، ص608.

([86]) ابن حجر العسقلاني، أحمد، الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، ضبطه وصحَّحه: عبد الوارث محمد علي، منشورات محمد علي بيضون ودار الكتب العلمية ـ بيروت، ج1، ص63.

 

آخرین به روز رسانی در جمعه ۱۷ خرداد ۱۳۹۲ ساعت ۱۴:۰۷
 
طراح و برنامه نویس: اکین