ابن تيمية وموقفه من الإمام علي عليه السلام PDF چاپ نامه الکترونیک
جمعه ۱۷ خرداد ۱۳۹۲ ساعت ۱۳:۵۶

ابن تيمية وموقفه من الإمام علي عليه السلام

حديث المحبة والبغض نموذجاً

· مبررات الاهتمام بالموضوع

· الفوائد المرجّوة من الموضوع

· حديث المحبة والبغض

· منهج ابن تيمية في تعاطيه مع فضائل أهل البيت عليهم السلام

ü الجانب النظري

ü الجانب التطبيقي

مبررات الاهتمام بالموضوع

قد يُتساءل عن مبررات الاهتمام بهذا الموضوع, بدعوى: ما هي أهمية الحديث في فضائل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الوقت بالذات؟ ألم يسبق لكثير من علماء المسلمين أن صنَّفوا في هذا الموضوع؟ أَوَ ليست المكتبةُ الإسلاميةُ زاخرةً بأمثال هذه المصنّفات؟

وقد يستمرّ طرح هذا التساؤل: بأنّه حتّى لو فُرض أن هذا الموضوع يحظى بالمبررات الموضوعية الكافية لتناوله, لكن السؤال الآخر هو: لماذا يُخَصَّص البحث في فكر أحد رجالات الفكر الإسلامي؟ لماذا يُتَّخذ فكر ابن تيمية محوراً في هذا المجال؟

أفضّل أن يكون جوابنا على هذا السؤال بالبدء من النقطة الأخيرة, أي من الشيخ ابن تيمية وفكره ومبررات اتخاذه محوراً في دراستنا لفضائل أمير المؤمنين عليه السلام .

لن نحتاج إلى مزيد عناء في إيضاح أهمية هذا المحور للقارئ الكريم, إذ إن الجميع يعرف أن الاتجاه السلفي داخل الفكر الإسلامي في حواضنه الاجتماعية السنيّة يشهد -ومنذ ما يزيد على قرن ونصف- تنامياً في عدد معتنقيه، ولذلك أسبابٌ تاريخية واجتماعية واقتصادية وإعلامية كثيرة لسنا في صدد الخوض في تفاصيلها فعلاً, إلا أن من المهم أن نعرف أن هذا الانتشار للاتجاه السلفي, لا سيّما في صياغته المتمثلة في المدرسة (الوهابية), يعني بالضرورة انتشاراً لأفكار رجالات هذا الاتجاه في أوساط المسلمين. وإذا أضفنا إلى ذلك الأهمية التي تتمتع بها شخصية ابن تيمية كمرجعية فكرية عليا داخل هذا الاتجاه, وحضوره القوي بفكره وسيرته في عقول أصحاب هذا الاتجاه وسلوكهم, ... إذا عرفنا ذلك كان من المبرر لنا الاهتمام بفكر هذا الرجل ودراسته وفحصه وتمحيصه, إذ في ذلك خدمة "علمية" كبيرة للفكر الإسلامي وخدمة "اجتماعية" للمجتمع المسلم تتمثل في تخليص المسلمين واستنقاذهم فكرياً وسلوكياً من الاتجاهات الفكرية المنحرفة عن الحقيقة الإسلامية التي يدعو لها الكتاب والسنّة.

إن أهمية ابن تيمية في دراستنا هذه تنبع من خطورته في تشويه الحقائق الفكرية والعقائدية في فكر المسلمين، وجسامة الدور الذي يضطلع به فكره وشخصه في الخروج عن التقاليد العلمية للأوساط المفكرة المسلمة وعن الأعراف الاجتماعية المتوارثة في المجتمع المسلم.

ليس بوسعنا الآن تعزيز ما قلنا أعلاه بشواهد تقنع القارئ الكريم المتعجّل لمعرفة تفاصيل ذلك, إلا أنني آمل أن يجد في القادم من تفاصيل البحث ما يدعم هذه الفكرة ويزيدها إيضاحاً.

أما لماذا الاهتمام بأصل هذا الموضوع (فضائل أمير المؤمنين عليه السلام), وجدوى الانشغال بها, فإنه ينشأ أساساً من اهتمامنا بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله , ومن فهمنا لشخصية رسول الله صلى الله عليه وآله كما يطرحها القرآن الكريم كما في قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}([1]), ومن التزامنا أمام شخصيته, هذا الالتزام الذي تدعو له الآية الكريمة: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}([2]). إن ما (أتانا) عن رسول الله صلى الله عليه وآله بخصوص فضائل ومناقب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وما حظيت به هذه الشخصية من عناية وتركيز واهتمام من قبل رسول الإسلام العظيم لم يشاركه فيها أحد من الصحابة, هو ما يحثّنا على دراسة هذا الموضوع.

هذه الحقيقة, حقيقة أن لعلي بن أبي طالب من الفضائل والمناقب ما لم يشاركه أحد من الصحابة فيها, ليست مجرّد دعوى أدّعيها, بل هي حقيقة واضحة وجليّة صرّح بها جملة واسعة ومهمّة من أعلام المسلمين, وإليك جملة من هذه التصريحات:

1. عقد الحافظ جلال الدين السيوطي فصلاً في كتابه (تاريخ الخلفاء) أسماه >فصل في الأحاديث الواردة في فضله< جاء فيه: >قال الإمام أحمد بن حنبل: ما ورد لأحد من أصحاب سول الله صلى الله عليه وآله من الفضائل ما ورد لعليّ رضي الله عنه<([3]).

2. ما ذهب إليه أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي في أوائل الجزء الثاني من (صواعقه) حيث قال: >في فضائله رضي الله عنه وكرّم الله وجهه : وهي كثيرة عظيمة شهيرة حتى قال أحمد: ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعليّ. وقال إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حقّ أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في علي<([4]).

ثُمّ يحاول ابن حجر أن يطرح تفسيراً لهذه الظاهرة في التراث الإسلامي فيقول:

>ثُمّ لما وقع ذلك الاختلاف والخروج عليه نشر من سمع من الصحابة تلك الفضائل, وبثّها نصحاً للأمّة أيضاً ثُمّ لما اشتدّ الخطب واشتغلت طائفة من بني أمية بتنقيصه وسبّه على المنابر, ووافقهم الخوارج لعنهم الله, بل قالوا بكفره, اشتغلت جهابذة الحفّاظ من أهل السنّة ببثّ فضائله حتى كثرت؛ نصحاً للأمّة ونصرةً للحق<([5]).

إن النصَّ أعلاه يشير إلى حقيقة لا نختلف فيها مع ابن حجر, وهي: أن مدرسة الصحابة ومدرسة أهل السنّة تختلف اختلافاً أساسياً عن الاتجاه الذي سلكه الإسلام الأموي. فهذه الطائفة الأخيرة لم تدّخر وسعاً - وبتعبير ابن حجر >المشتغلة<- في التنقيص من شخصية الإمام علي عليه السلام والنيل منه وسبّه على منابر المسلمين.

لا ينبغي لنا أن نخلط بين هذه الاتجاهات الفكرية في تناولنا لشخصية الإمام أمير المؤمنين, إننا واعون جداً بالفوارق المنهجية بين هذا الاتجاه الأموي المشتغل والممتهن للتنقيص من شخصية الإمام أمير المؤمنين وبين اتجاه أهل السنّة ومدرسة الصحابة التي لا نشكّ إطلاقاً في حقيقة أنهم بذلوا مهجهم في بثّ فضائل الإمام علي عليه السلام وإظهار الحق. ومن خير الأمثلة في هذا الصدد ما قام به الإمام النسائي([6]) - الذي لا يختلف عليه اثنان في كونه منتمياً لمدرسة أهل السنّة وليس الإسلام الأموي - في كتابه الشهير >خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب<.

3. ما ذهب إليه ابن حجر العسقلاني في كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري), قال: >قال أحمد وإسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي<([7]).

من هنا يتضح أن أساس الاهتمام بفضائل علي بن أبي طالب ومناقبه ليس عائداً إلى مجرّد رغبتنا بذلك، وليس مبدؤه دعوة من هذا الشخص أو ذاك، وإنما أساسه ومبدؤه هو رسول الله صلى الله عليه وآله الذي {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}([8]).


الفوائد المرجوَّة من هذا الموضوع

تحدّثنا آنفاً عن مبررات الاهتمام بموضوع فضائل ومناقب أمير المؤمنين عليه السلام واتّضح أن أهمية الموضوع لا ترتبط بمجرّد الرغبة في الدخول في سباق تعداد الفضائل والمناقب، وإنما الموضوع يرتبط بتظهير سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وما تعنيه هذه السنّة في حياتنا المعاصرة. فالقضية لا تعني مجرّد قضية أخلاقية أو مناقبية محضة, إنما تعني في جوهرها تحديداً للدور المنتظر أن يضطلع به الإنسان المسلم بعد وعيه ومعرفته بما تعنيه هذه القضية.

يمكننا أن نسرد عدّة فوائد وثمار، وعلى أكثر من مستوى عقائدي وتاريخي يفرزها إيماننا بوجود هذه الفضائل والمناقب، أكتفي بالإشارة إلى بعضها:

الفائدة الأولى: إلزام الخصم بما ألزم به نفسه

عندما نعود إلى تراث علماء المسلمين, لا سيّما تراث مدرسة الصحابة, نجد أن هذا التراث يتعاطى مع موضوع الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله من خلال معيار محدد وواضح, مفاده: أن الأفضلية تشكل معياراً مهماً في تقديم الشخص الفلاني على الشخص الآخر كخليفة للمسلمين مكان رسول الله صلى الله عليه وآله . فمن كان أفضل فهو أحقّ في تسلّم هذا المنصب الإلهي الخطير. ومن هنا نعرف سبب إصرار مدرسة الصحابة على إثبات أفضلية أبي بكر وعمر على علي بن أبي طالب عليه السلام , بل وأفضلية عثمان عليه كما يذهب البعض, فإن ذلك مردّه إلى اعتقادهم الملازمة بين الأفضلية والأحقية في الخلافة.

قال ابن تيمية: >فلأن النبي صلى الله عليه وآله أفضل الخلق، وكلُّ من كان به أشبه فهو أفضل ممن لم يكن كذلك، والخلافة كانت خلافة نبوة لم تكن ملكاً، فمن خلف النبي وقام مقامه كان أشبه به، ومن كان أشبه به كان أفضل، فالذي يخلفه أشبه به من غيره، والأشبه به أفضل، فالذي يخلفه أفضل<([9]).

صحيح أن هناك ثلة صغيرة من المعتزلة تعتقد بأفضلية الإمام علي عليه السلام على غيره من الخلفاء وأن الخلافة آلت إلى المفضول دون الأفضل، إلا أن هذا الاعتقاد بقي في إطاره الضيّق، بين صفوف المعتزلة والموافقين لهم، ولم يمثّل الرأي العام للمسلمين. إن اعتقاد مدرسة الصحابة بعدم وجود نص من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله على أحد بعينه كخليفة له صلى الله عليه وآله هو ما دفعهم إلى اللجوء إلى معيار آخر في تحديد من له الأولوية والأحقية في هذا المنصب, وهذا المعيار الآخر هو: أفضليته في الدين وسابقته في الإسلام؛ هو مقدار ما قدّمه من تضحيات ولعبه من دور في سبيل نصرة الدعوة الإسلامية ودعم نبيّها العظيم، وبالتالي فإن من ثبتت أفضليّته على هذا الصعيد سيكون هو الشخص الأحقّ بالخلافة.

ووفقاً لهذا المعيار حاولت هذه المدرسة تدشين سياق جديد للبحث في قضية الخلافة صُنّفت في ضوئه الكثير من الكتب التي تتحدّث عن فضائل الخلفاء الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان. ومن هنا بدأ الحديث (بالنسبة للخليفة الأول) عن هجرته المبكّرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله (قصّة الغار) وجهاده المالي في دعم الرسالة الإسلامية وغير ذلك ، أو عن شدة الخليفة الثاني وتفانيه واستبساله في سبيل الحق والرسالة، وكذا الحال مع الخليفة الثالث.

ونحن نحاول في هذه الدراسة التسليم جدلاً بهذا المنطق, منطق أن الأفضلية تفضي إلى الإيمان بالأحقية في تسلّم منصب الخلافة, وإن كان هذا المعيار يخالف في ذاته المنهج العقائدي الصحيح في نظرنا, إذ إننا نؤمن بنظرية النصّ من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله ، ونعتقد أن هناك نصّاً واضحاً وصريحاً من رسول الله صلى الله عليه وآله على علي عليه السلام بأنه خليفة المسلمين بعده بلا فصل, ولكن حتى لو تنزلنا مؤقّتاً عن هذا المنهج وسلّمنا للخصم بصحّة معياره ومنهجه فإننا نعتقد أنه أخطأ في بحثه التطبيقي؛ بمعنى أن البحث في تراث مدرسة الصحابة ينتهي بنا إلى عكس النتيجة التي كان يطمح بالحصول عليها أصحاب هذا التراث؛ فإن هذا التراث يشهد على أفضلية الإمام علي عليه السلام وتقدّمه على من سواه، وبالتالي أحقّيته في منصب الخلافة قبل غيره.

ومن الجدير بالتنويه أن هذا النحو من الاستدلال الذي نتّبعه على مدار هذا البحث، أي التسليم بمنطق التلازم بين الأفضلية والأحقية في منصب الخلافة كما يذهب إليه الخصم, هو نفسه الأسلوب الذي استند إليه أمير المؤمنين عليه السلام في الكثير من خطبه الواردة في كتاب (نهج البلاغة)، فإننا كثيراً ما نجد أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إنه الأولى, أو إنه الأحق, وكأنه عليه السلام يريد أن يقول: ما دام هذا هو سبيلكم ومنهجكم في مناقشة موضوع الخلافة, أي الاستناد إلى الفضائل والمناقب ورفع اليد عن النصّ والوصية, فإنني أقول لكم واستناداً إلى منطقكم نفسه: إنني الأفضل والأجدر بهذا المنصب دون سواي.

إذن فالفائدة الأولى من هذا البحث هو إلزام الخصم بما ألزم به نفسه، والاستدلال من تراثه على تهافت ما تبنّاه من منهج، وتهافت ما استنبطه من نتائج وفق هذا المنهج، وأن الصحيح - واستناداً لتراث الخصم ذاته- هو عكس النتيجة التي انتهى إليها.

على أننا - وبداعي الالتزام بالمنهج العلمي، والحدّ من المناقشات الزائفة- سوف نعتمد ثلاثة شروط في الروايات التي نستند إليها في إثبات أفضلية الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على ما سواه :

الشرط الأول: أن تكون صحيحة.

الشرط الثاني: أن تكون صريحة.

الشرط الثالث: أن تكون مجمعاً عليها بين المدرستين، مدرسة الصحابة ومدرسة أئمّة أهل البيت عليهم السلام .

هذه الشروط الثلاثة تمثّل الأسلوب الذي سنتبعه على مدار هذه الدراسة، فلا نذكر من الفضائل والمناقب لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلّاَ ما اتّفق على تصحيحه علماء المسلمين من المدرستين: مدرسة الصحابة ومدرسة أهل البيت عليهم السلام ، وكان صريحاً في المطلوب، وهو أسلوب اخترناه عن سابق قصد، مع علمنا بحجم التحدّيات والمشاقّ العلمية التي يستتبعها ؛ يحملنا على ذلك معرفتنا بأنه السبيل الأقوم لإقناع القارئ الذي يهمّه الحصول على الحقيقة ، لاسيَّما مع وجود الكثير من النصوص في تراثنا الإسلامي التي تنصّ على >عدم اجتماع الأمة على الخطأ< وعلى عصمتها من الضلالة([10])، ونقصد بالأمة هنا : (جميع علماء الأمة بمختلف اتجاهاتها ومبانيها الفكرية والعقدية وغيرها)، فإذا ما وجدنا فكرة ما، في مجال العقيدة أو غيرها من المجالات، تتّفق عليها كلمات علماء المسلمين، فإن ذلك مؤشّر على صواب هذه الفكرة وحقّانيتها ومطابقتها لمعايير الإسلام الفكرية والعقائدية. ومن هنا فإن على من يريد مناقشة الأفكار الواردة في هذه الدراسة أن يتَّبع نفس المنهج الذي التزمنا به، بمعنى أنه لا يصحّ للطرف الآخر أن يناقش هذه الأفكار وفق ما ورد في تراثه المذهبي الخاصّ بمعزل عن تراث مدرسة أهل البيت عليهم السلام ثم يلزمنا بنتائج تلك المناقشة ، ففي النهاية ستكون هذه المناقشة منحازة مسبقاً وليست ملزمة لمن ينطلق في تأسيساته الفكرية والعقدية من تراث آخر مغاير.

الفائدة الثانية: تهافت تهمة شيعة أهل البيت بالغلو والابتداع

إن الفائدة الثانية التي نرجو أن يفرزها هذا البحث - وهي فرع الفائدة الأولى - هي عدم شرعية وصحّة التهمة الظالمة والجائرة للشيعة, بل وعموم القائلين بأفضلية عليّ على باقي الصحابة, بأنهم غلاة ومبتدعة.

إن مراجعتنا للتاريخ الإسلامي تؤكّد - بما لا يدع مجالاً للشك- أن أزمة خصوم الشيعة وفريتهم على أتباع أهل البيت ليس مردّها إلى تفاصيل العقيدة الشيعية. ليس الأمر هو إيمان الشيعي بعصمة الأئمة أو علمهم الإلهي بل إن الدائرة أضيق من ذلك بكثير. إن مجرّد إيمان المرء بتفضيل عليّ عليه السلام على سائر الصحابة يُعدّ أمراً مرفوضاً يستحقّ صاحبه أقسى النعوت وأشدّها ضراوة. هذا هو تحديداً صلب النهج الأموي في الفكر الإسلامي, النهج الذي يعتبر الشيعي صاحب بدعة، ليس لأنه يقول بالعصمة بل لمجرّد حبّ علي وتفضيله على من عداه.

كمثال على تعريف التشيع بمجرّد محبّة علي عليه السلام يقول ابن حجر: >والتشيع محبّة عليّ وتقديمه على الصحابة؛ فمن قدّمه على أبي بكر وعمر فهو غالٍ في تشيّعه، ويطلق عليه: رافضي. وإلّاَ فشيعي. فإن انضاف إلى ذلك السبّ أو التصريح بالبغض فغالٍ في الرفض، وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشدّ في الغلو<([11]).

هذه العقيدة وحدها تكفي لتجعل من الإنسان مبتدعاً في نظر هؤلاء, فهو صاحب بدعة صغرى إذا فضّل علياً على باقي الصحابة, وهو صاحب بدعة كبرى إذا فضّله على أبي بكر وعمر. ليتأمّل القارئ الكريم ذلك في النصّ التالي: قال الذهبي في ترجمة أبان بن تغلب:

>شيعي جلد, لكنه صدوق, فلنا صدقه وعليه بدعته. وقد وثّقه أحمد بن حنبل, ويحيى بن معين, وأبو حاتم, وأورده ابن عدي, وقال: كان غالياً في التشيع. وقال السعدي: زائغ مجاهر.

فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحَدُّ الثقة العدالة والإتقان؟ فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة؟

وجوابه: أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلوّ التشيع, أو كالتشيع بلا غلوّ ولا تحرّف... ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلوّ فيه والحطّ على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والدعاء إلى ذلك... فما أَستحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً, بل الكذب شعارهم والتقية والنفاق دثارهم, فكيف يقبل نقل من هذا حاله! حاشا وكلا<([12]) ويقول: >ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلاً, بل قد يعتقد علياً أفضل منهما<([13]).

لنركّز على الفكرة التي يستند إليها النصّ أعلاه في وصف أبان بن تغلب بأنه صاحب بدعة, ماذا تعني (البدعة) هنا؟ لا شيء سوى التشيع لعلي أي محبته واتّباعه وتفضيله، وإلا فإن الذهبي نصّ على عدم تعرّض أبان بن تغلب للشيخين أصلاً. فلا يبقى من مبرر لاتهامه بكونه مبتدعاً إلا لكونه محباً لعلي ومعتقداً تفضيله، وإلا لكونه متجاوزاً للخط الأحمر لدى القوم, وهو تفضيل عليّ على الشيخين. وهذا الأمر بعينه هو ما دفع هؤلاء إلى تسميتهم ابن أبي الحديد بالشيعي, فهذا الأخير يصرّح في شرحه للنهج صحّة بيعة أبي بكر وأنها بيعة صحيحة شرعية، ولكن مع ذلك يصرّ هؤلاء على عدّه شيعياً! السبب في ذلك هو تفضيله علي عليه السلام على أبي بكر ... هذه النقطة بالذات هي التي حملت هؤلاء على عدّه شيعياً([14]). لنستمع إلى ما يقوله ابن أبي الحديد بشأن موضوع الخلافة:

يقول: >اتّفق شيوخنا كافة رحمهم الله المتقدمون منهم والمتأخرون, البصريون والبغداديون, على أن بيعة أبي بكر بيعة صحيحة شرعية [...] واختلفوا في التفضيل [...] أما نحن فنذهب إلى ما ذهب إليه شيوخنا البغداديون من تفضيله عليه السلام .

فهذا النصّ يحمل تصريحاً واضحاً من الرجل على أنه ممن يعتقد بصحّة وشرعية بيعة أبي بكر، ولكن مع ذلك يصرّ البعض على عدّه شيعياً لا لشيء إلا للفقرة الأخيرة من عبارته أعلاه حين ذهب إلى تفضيل علي عليه السلام على غيره, وهو الأمر ذاته الذي حمل الذهبي على وصف أبان بن تغلب بكونه مبتدعاً, وحين وصفه بالشيعي الجلد استدرك لقوله >لكونه صدوق< وكأن الأصل لدى الذهبي في الشيعي أن يكون كذوباً، بل هذا صريح عبارته حين علّق على القسم الثاني من تقسيمه الذي نقلناه قبل قليل قائلاً: >ما أستحضرُ الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً, بل الكذب شعارهم والتقية والنفاق دثارهم<.

وعلى أية حال فإن النتيجة التي نستخلصها في نهاية عرضنا للفائدة الثانية من بحثنا هذا، هي عدم مشروعية هذه الأقوال إذا أثبتنا أن موضوع أفضلية الإمام علي عليه السلام وفرادة فضائله ومناقبه التي لا يشاركه فيها أحد من الصحابة، مما تنطق به نفس كتب مدرسة الصحابة وأهل السنّة.


حديث المحبة والبغض

البحث الأول: مصادر الحديث

يُعدّ الحديث الذي نودّ تسليط الضوء عليه في هذه الدراسة واحداً من الأحاديث التي رويت بعدّة صيغ وتعابير في التراث الإسلامي، إلّاَ أن جميع هذه الصيغ متقاربة المعنى والمضمون . والحديث هو ما نقله أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال له : >لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق< أو ما في مضمون هذا المعنى.

وقد ورد هذا الحديث في مجموعة وافرة من كتب ومصنفات مدرسة الصحابة، أشير هنا إلى بعض تلك الموارد:

المورد الأول: ما رد في (صحيح مسلم) نقلاً عن عديّ بن ثابت، عن زر، قال: قال علي: >والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وآله إليّ أن لا يحبّني إلا مؤمن, ولا يبغضني إلا منافق<([15]).

المورد الثاني: ما ورد في (صحيح ابن حبان) نقلاً عن عديّ بن ثابت، عن زرّ بن حبيش، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال: >والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وآله إليّ: أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلَّا منافق<([16]).

وعلَّق محقّق الكتاب شعيب الأرنؤوط قائلاً: >إسناده صحيح, رجاله ثقات, رجال الشيخين غير محمد بن الصباح الجرجرائي, فقد روى له أبو داود وابن ماجة, وهو صدوق, وقد توبع<.

المورد الثالث: ما ورد في (مسند أبي يعلى الموصلي) عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن علي قال: >والذي فلق الحبة وبرأ النسمة, إنه لعهد رسول الله صلى الله عليه وآله إليَّ أنه لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق<([17]).

وقد علّق محقّق الكتاب (حسين سليم أسد) عليه بقوله: إسناده صحيح.

المورد الرابع: ما ورد في (مسند أحمد بن حنبل) عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، قال: قال علي: >والله إنه لمما عهد إليَّ رسول الله صلى الله عليه وآله : أنه لا يبغضني إلا منافق ولا يحبّني إلا مؤمن<([18]).

وقد علّق عليه محقّقا الكتاب بالقول:

>إسناده على شرط الشيخين إلا عدي بن ثابت([19]) [...]<، ثم قالا([20]): >وأخرجه ابن ماجة من طريق عبد الله بن نمير بهذا الإسناد، وأخرجه الحميدي, وابن أبي شيبه, ومسلم, وابن ماجه, والترمذي, وابن أبي عاصم, وعبد الله بن أحمد في (زوائد الفضائل), والبزار, والنسائي في الكبرى, وفي خصائص عليّ, وأبو يعلى, والخطيب في تاريخ بغداد, والبغوي في شرح السنّة من طرق عن الأعمش<.

المورد الخامس: ما جاء في كتاب (خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب), للإمام الحافظ أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي تحت عنوان (باب الفرق بين المؤمن والمنافق)([21]) وقد ذكر هذا الحديث بثلاث صيغ جميعها صحيحة السند, وهي بالنحو التالي([22]):

الصيغة الأولى: عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن علي كرّم الله وجهه قال: (والله, والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي صلى الله عليه وآله: إنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلَّا منافق).

الصيغة الثانية: عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن علي رضي الله عنه قال: (عهد لي النبي صلى الله عليه وآله : أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلّاَ منافق).

الصيغة الثالثة: عن عدي بن ثابت، عن زر، قال: قال علي: (إنه لعهد النبي صلى الله عليه وآله أنه لا يحبّك إلّاَ مؤمن ولا يبغضك إلّاَ منافق).

وكل هذه الروايات صحيحة لدى الحافظ النسائي، كما نصّ على ذلك محقّق الكتاب.

المورد السادس: ما جاء في كتاب (فضائل الصحابة) للإمام أحمد بن حنبل قال: >عن عدي بن ثابت, عن زر بن حبيش, عن علي, قال: عهد إليّ النبي صلى الله عليه وآله أنه لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق<([23]).

وقال محقّق الكتاب (وصي الله بن محمد عباس) في الهامش ما يلي:

>إسناد صحيح، وهو في المسند [أي مسند أحمد بن حنبل] مثله سنداً ومتناً.

وأخرجه ابن أبي عاصم في السنّة، وابن مندة في الإيمان من طريق الوكيع. وأخرجه الترمذي, وابن ماجه, وأحمد، والبغوي، والخطيب في تاريخه, وأبو نعيم في الحلية : كلهم عن طريق الأعمش. وقال أبو نعيم: هذا حديث صحيح متّفق عليه، ورواه الجمّ الغفير عن الأعمش<([24]).

وإنما نقلت ما ورد في حاشية محقّق الكتاب، ولا سيّما ما نقلته عن أبي نعيم الأصفهاني، لأننا وبالرغم مما نسمعه من أبي نعيم من أنّ الحديث >متّفق عليه ورواه الجم الغفير< سنجد من يشكك بهذا الحديث.

كما يأتي في السياق نفسه (سياق ما قاله أبو نعيم الأصفهاني من كون الحديث محل البحث من المتّفق عليه الذي لا يقبل التشكيك بحسب أصول النقل والرواية) ما جاء في كتاب (سير أعلام النبلاء) للحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي،حيث قال: >وقد جمعتُ حديث الطير في جزء, وطرق حديث: (من كنت مولاه) وهو أصحّ, وأصح منهما ما أخرجه مسلم عن علي قال: >إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وآله إليَّ: أنه لا يحبّك إلّاَ مؤمن ولا يبغضك إلا منافق<([25]).

وهنا يصرّح الذهبي أن حديث : >لا يحبّك إلا مؤمن...< أصحّ لديه من حديث >من كنت مولاه فعليّ مولاه<.

والسؤال الأهم في هذا الموضع بالتحديد، هو: إذا كان الذهبي يرى أن حديث >لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق< (أصحّ) عنده من حديث >من كنت مولاه< فإن من المهمّ جداً أن نعرف قيمة هذا الحديث الأخير (حديث: من كنت مولاه) لديه من الناحية السندية؟ إذ حينها يمكننا أن نفهم المدلول الحقيقي لكلمة (أصحّ) الواردة في عبارته هنا، ونعرف عمق حجم حديث >لا يحبّك إلا مؤمن< وقيمته السندية لديه.

لنستمع إلى ما قاله الذهبي في نفس كتاب (سير أعلام النبلاء) حين تحدّث عن حديث >من كنت مولاه فعلي مولاه<؛ قال:

>... فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله من خباء أو فسطاط, فأشار بيده ثلاثاً, فأخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: من كنت مولاه فعليٌ مولاه. هذا حديث حسن عال جداً, ومتنه متواتر<([26]).

بذيل عبارته أعلاه يمكننا أن نعرف معنى كلمة (أصحّ) الواردة في عبارته التي نقلناها أولاً، ونعرف أن القيمة السندية لحديث >لا يحبّك إلا مؤمن...< عند الإمام الذهبي أنه حديث متواتر، بل وأصحّ من المتواتر.

قد يقول البعض: ما سبب إصراركم على تصحيح الحديث بهذا النحو؟

الواقع أن سبب ذلك يعود إلى ما سنستمع إليه بعد قليل من محاولات بعض رموز التيار الأموي في علم الحديث، تلك المحاولات البائسة واليائسة في التشكيك بهذا الحديث والطعن فيه.

إلى هنا تبين أن هذا الحديث من الأحاديث المجمع عليها بين علماء المسلمين، بل إن أحد أهمّ أعلام المسلمين, وهو الإمام شمس الدين الذهبي, ذهب إلى أن هذا الحديث أصحّ سنداً من بعض الأحاديث المتواترة.

ويمكننا أن نرتّب على ما تقدم نتيجة في غاية الأهمية، تُعَدّ تطبيقاً حرفياً لواحدة من أكبر بديهيات قواعد معالجة التعارض بين الأخبار والروايات, وهي: أنه إذا ما عورض هذا الحديث بأحاديث أخرى أقلّ منه من ناحية القيمة السندية أو حاول البعض التشكيك العبثي في قيمته، فإن تلك المعارضة ساقطة علمياً وغير مقبولة بحسب قواعد علم التعارض المعمول بها في علم أصول الفقه.

أكتفي بهذا المقدار من البحث في سند الحديث ... حيث تبيّن لنا صحّة هذا الحديث وتسالم قبوله ونقله وأنه مما يتّفق علماء المسلمين من مدرسة الصحابة على اعتباره والأخذ به. وإنما أقول: >مدرسة الصحابة< لأننا سنعرف بعد قليل تشكيكات الاتجاه الأموي الفاشلة في هذا الحديث.

البحث الثاني: مداليل الحديث

من المهمّ ونحن نتكلّم عن مدلول الحديث محلّ البحث أن يستحضر القارئ في ذهنه طبيعة الشخص الذي صدر منه قول: >لا يحبّك إلَّا مؤمن ولا يبغضك إلّاَ منافق<، أعني شخصية رسول الله صلى الله عليه وآله . فهذا الفهم لطبيعة هذه الشخصية ومكانة الموقع الذي تنطلق منه (مكانة النبوة الخاتمة) وتتحرك في فضائه، هو الذي يمنح هذه الجملة قيمتها الحقيقية. فنحن نتحدّث عن شخصٍ وصفه النصّ القرآني بقوله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}([27]). إذن فمنطلقات ودوافع الرسول صلى الله عليه وآله وهو يتحدّث بهذا النحو ليس مردّها إلى قرابة نسبية تحمل الإنسان على التعصّب لأبناء قومه وعشيرته، وليس مردّها إلى مصلحة سياسية تتحقّق من خلالها أغراضه ونواياه ... ليس (الهوى) هو ما يحمل - معاذ الله- رسول الله صلى الله عليه وآله إلى إطلاق التصريحات والتقاريض وغيرها, إنما القضية في صميمها تعود إلى مرجعية الوحي الإلهي والإرادة الربانية, وهذا الغطاء الإلهي من الشرعية هو الأساس الذي ينبغي أن تُفهم كلمات رسول الله صلى الله عليه وآله من خلاله.

السؤال الأهم هنا هو: أن الإسلام كديانة روحية وكشريعة خاتمة حريص أشدَّ الحرص على وضع معيار حقيقي يميِّز بين الإيمان الصادق بين أتباعه ومعتنقيه وبين الإيمان الكاذب والمنافق الذي يتاجر باسم الله وباسم القيم الروحية وباسم الامتثال للتشريعات والأحكام الإسلامية. فما عساه يكون هذا المعيار؟

في هذا السياق تحديداً يأتي هذا الحديث العظيم وتأتي جملة: >لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق<.

إذن فنحن أمام معيار حقيقي وضعه الإسلام بين يدي الإنسان المسلم يتحرّك على أساسه في معرفة الإيمان من النفاق, ليس فقط على مستوى مجتمعي, أي ليس للتمييز بين فئات المجتمع المسلم وشرائحه واتجاهاته وتياراته, بل وعلى مستوى شخصي وذاتي أيضاً, فلو تساءل البعض كيف أعرف أني من أهل الإيمان أو أنني من أهل النفاق؟ فإن الحديث وضع بين يدي هذا السائل معياراً يقول له وفي جملة واحدة: إن كنت تحبّ علياً عليه السلام فأنت من أهل الإيمان وإن كنت تبغض علياً عليه السلام فأنت من أهل النفاق. هنا يشكّل علياً عليه السلام فاروقاً حقيقياً حتى على المستوى الشخصي أيضاً, يتسلل حبّ علي عليه السلام وبغضه إلى أشدّ المناطق عمقاً في نفس الإنسان لينير أبعادها الحقيقة ليكشف النواة الحقيقية للسلوك الخارجي الذي قد يتّسم بالخير والصلاح بحسب الظاهر ولكنه هشٌّ وفارغٌ من المضمون من الداخل.

الحقيقة أن موضوع جعل حبّ شخص ما وبغضه ميزاناً للإيمان والنفاق يمثّل مقاماً روحياً رفيعاً لذلك الشخص، هو عبارة عن تماهي هذا الشخص مع مفاهيم الحق والباطل, مع الهدى والضلال. فرسول الله صلى الله عليه وآله لم يقل: حبّ علي إيمان وبغضه نفاق بـ (شرط) إن كان علياً موافقاً ومتّبعاً للحق, وإنما علّق الإيمان والنفاق على حبّ علي عليه السلام وبغضه بنحو مطلق، وجعل الإيمان والنفاق يدوران مع حبّ علي وبغضه. وهذا التعليق الذي نتحدّث عنه يعدّ بذاته وبنحو جليّ دليلاً واضحاً على صحّة المعتقد الذي تتمسّك به مدرسة أهل البيت وهو (عصمة وطهارة) أمير المؤمنين عليه السلام من الذنوب والآثام والمنكر في القول والعمل وبواطن السريرة؛ إذ لو لم يكن الإمام علي عليه السلام معصوماً وأمكن صدور الخطأ والمعصية عنه عليه السلام لم يعدّ بغضه عليه السلام لأجل تلك المعصية علامة من علامات النفاق بل علامة من علامات الإيمان.

وهكذا نعرف أن تعليق الإيمان والنفاق على حبّ علي عليه السلام وبغضه مؤشّرٌ واضح على عصمة هذا الرجل العظيم وطهارته من الذنوب والآثام والسلوك الباطل.

وكما أن تعليق الإيمان والنفاق على حبّ عليّ يقتضي العصمة لعلي عليه السلام , فإنه يقتضي - في الوقت نفسه- من الجانب الإلهي تعليق محبة الله وبغضه (جلّ وعلا) على محبّة علي وبغضه، أي صيرورة الشخص المحبّ لعلي محباً لله، وصيرورة الشخص المبغض لعلي مبغضاً وكارهاً لله تبارك وتعالى، وهذه الملازمة الفريدة من نوعها بين الله (عزَّ وجلَّ) والإمام علي عليه السلام هو ما أشارت له الروايات التي تنصّ على أن >من أحبَّ علياً فقد أحبَّ الله, ومن أبغض علياً فقد أبغض الله<([28]).

وإليك عزيزي القارئ جملة من تلك الروايات التي حملت هذا المضمون:

1. قال الحافظ السيوطي في كتاب (تاريخ الخلفاء): >وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أمّ سلمة, عن رسول الله صلى الله عليه وآله , قال: من أحبّ علياً فقد أحبّني, ومن أحبّني فقد أحبّ الله, ومن أبغض علياً فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله<([29]).

2. وقال أيضاً في كتابه الآخر (الجامع الصغير من حديث البشير النذير): >من أحبّ علياً فقد أحبّني ومن أبغض علياً فقد أبغضني<([30]).

3. وقال محقّق الكتاب إبراهيم صالح في الهامش([31]) ما يلي: >صحيح. أخرجه الحاكم في المستدرك عن سلمان قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي, وأخرجه أحمد, والطبراني في الكبير عن أم سلمة. وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع والصحيحة<.

وأنا هنا أنقل تصحيح الألباني الذي أشار له إبراهيم صالح أعلاه, فقد نقل الألباني الحديث قائلاً:

>1299- من أحبّ علياً فقد أحبّني، ومن أحبّني فقد أحبّ الله عزّ وجلّ ومن أبغض علياً فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله عزّ وجلّ.

رواه المخلص في (الفوائد المنتقاة) بسند صحيح عن أم سلمة: >قالت: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: فذكره ...<([32]).

البحث الثالث: ماذا يعني كون الإمام علي معياراً في معرفة المؤمن والمنافق؟

إن جعل الإمام علي عليه السلام ميزاناً في فرز حالة الإيمان عن حالة النفاق بحسب الأخبار الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله يمكن أن نستلّ منها عدّة نتائج غاية في الأهمية تتوزّع على صعيدين: صعيد أخروي, وصعيد دنيوي.

أما النتيجة المترتبة على حبّ علي وبغضه على الصعيد الأخروي, فهي مسألة قبول الأعمال وردّها يوم القيامة؛ إذ إننا نعرف أن قبول الأعمال عند الله تعالى وردّها، يعتمد على ما تملكه هذه الأعمال من رصيد إيماني حقيقي, أمّا إذا اتّسمت تلك الأعمال بالنفاق والكذب فإنها تردّ من قبل الله تعالى ولا تقبل. ومادام الإيمان والنفاق معلّقين على حبّ عليّ وبغضه فإن النتيجة اللازمة لذلك صيرورة علي بن أبي طالب ميزاناً لقبول الأعمال وردّها عند الله تعالى([33]). فمن كان يحبّ الإمام عليه السلام يوصف بالإيمان وبالتالي يقبل عمله عند الله, ومن كان يبغضه عليه السلام يوصف بالنفاق وبالتالي يرفض عمله عند الله تعالى.

أما النتيجة المترتبة على حبّ علي وبغضه على الصعيد الدنيوي وفقاً لهذه الأحاديث التي نقلناها فهي صيرورة الإمام علي عليه السلام ميزاناً ومعياراً يضعه النبي صلّى الله عليه وآله بين يدي الإنسان المسلم يميّز في ضوئه بين جميع أفراد المجتمع المسلم بما في ذلك - بل وفي طليعته- المعاصرون له، سواء أكان ممن شهد عصر رسول الله صلى الله عليه وآله أو جاؤوا بعده مباشرة, أي أن علي بن أبي طالب سيكون بموجب أحاديث رسول الله صلَّى الله عليه وآله ميزاناً يقيَّم من خلاله الصحابة وجميع الأشخاص الذين عاصروا الإمام علياً عليه السلام .

لقد صرّح القرآن الكريم بنحو واضح بأن المجتمع الإسلامي في عصر الرسالة مكوّن من فئتين هما: المؤمنون والمنافقون, من تلك الآيات: قوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ}([34])، وكذا قوله سبحانه: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً}([35])، وكذا قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً}([36]).

وعليه إذا كان حال المجتمع المسلم المزامن لعصر النصّ بهذا النحو، فما هو السبيل لمعرفة الفئتين؟ كيف يمكن لنا - وبعد كلّ هذه الفاصلة الزمنية الطويلة التي لعبت فيها السياسة والأهواء دوراً كبيراً في تزييف الحقائق- أن نميّز ونفصل بين الطائفتين؟ هنا ينبغي للإنسان المسلم ـ تبعاً لالتزامه بالأخبار النبوية ـ أن يعترف لعلي بن أبي طالب بكونه معياراً وميزاناً في تحديد أعضاء كلّ جماعة من الطائفتين.

البحث الرابع: معيارية حب علي وبغضه داخل مجتمع عصر الرسالة

وهذا الذي نقوله أعلاه ليس مجرّد افتراض نطرحه في فهم النصوص السابقة التي نقلناها, إنما هو سلوك واقعي كان يمارسه نفس المجتمع المسلم آنذاك في الفصل والتمييز بين المؤمنين والمنافقين من أبناء مجتمعهم, فإن الروايات التي بين أيدينا تزاول وتطبّق بنحو واضح، النتيجة التي أشرنا إليها في فهمنا لروايات >لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق<، أي أن نفس مجتمع الرسالة يعتمد حبّ علي وبغضه كمعيار لفرز المنافق من المؤمن بين أوساطه.

لنلاحظ النصوص التالية:

1 . جاء في كتاب (جزء علي بن محمد الحميري)([37]) في الحديث رقم (38) ما يلي:

>حدّثنا هارون بن إسحاق, حدّثنا سفيان بن عيينة, عن الزهري, عن يزيد بن خصيفة, عن بسر بن سعيد, عن أبي سعيد الخدري, قال: ما كنا نعرف المنافقين, على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله إلا ببغض علي<([38]).

وإنما أوردتُ سند هذا الحديث كاملاً ليتسنّى لنا النظر في مدى صحّة هذا الحديث أو ضعفه, وأنا هنا أودّ الوقوف على ترجمة كلّ اسم ورد في هذا السند لنرى ما يقوله أهل الجرح والتعديل في وثاقتهم:

الشخص الأول: هارون بن إسحاق:

قال عنه الذهبي: >هارون بن إسحاق الهمداني الكوفي, حافظ عن أبي عيينة, ومعتمر, وعنه الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيم والمحاملي؛ ثقة متعبّد<([39]).

الشخص الثاني: سفيان بن عيينة.

قال عنه ابن حجر العسقلاني: >سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي, أبو محمد الكوفي ثم الكوفي: ثقة حافظ فقيه, إمام حجّة إلَّا أنه تغيَّر حفظه بآخره, وكان ربما دلّس لكن عن الثقات<([40]).

وكما يلاحظ القارئ فإن هذا الكلام من أعلى درجات التقييم والتوثيق لاسيّما وإن تدليسه لا يكون إلا عن ثقات, هذا مع العلم أن سفيان بن عيينة كثيراً ما ينقل - كما في الصحاح- عن الزهري.

الشخص الثالث: محمد بن مسلم الزهري.

قال عنه محقّق كتاب (جزء علي بن محمد الحميري) عبد العزيز بن سليمان بن إبراهيم البعيمي في حاشية الصفحة التي نقلنا عنها سابقاً الرواية ما يلي: >وهو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري القرشي ثقة, حافظ متقن حجّة<([41]).

الشخص الرابع: يزيد بن خصيفة.

قال محقّق كتاب (جزء علي بن محمد الحميري) معلّقاً: > [...] ثقة, وثَّقه أحمد, ويحيى بن معين, والنسائي, وأبو حاتم, وابن سعد, وابن حجر, وابن حبّان<([42]).

الشخص الخامس: بسر بن سعيد.

قال ابن حجر العسقلاني في (تقريب التهذيب): >بُسر بن سعيد المدني العابد, مولى ابن الحضرمي, ثقة جليل<([43]).

مع هذه الجولة السريعة على حال رواة هذا الحديث من زواية الوثاقة والضعف، تبيَّن لنا صحّة هذا الحديث، وعدم إمكانية الطعن فيه, وحتى لو شكّل تدليس سفيان بن عيينة عن >الثقات< خدشة في هذا الراوي فإن ذلك لا يُخرج الحديث عن كونه >حسناً< على أقلّ التقادير.

2. ورد في كتاب (فضائل الصحابة) للإمام أحمد بن حنبل, قال: >عن أبي سعيد الخدري, قال: إنما كنا نعرف منافقي الأنصار ببغضهم علياً<([44]).

قال محقّق الكتاب (وصي الله بن محمد عباس) في تعليقه على هذا الحديث: >إسناده صحيح<.

وقد نقله أيضاً عن طريق جابر بن عبد الله في موضوع آخر فقال: >ما كنا نعرف منافقينا معشر الأنصار إلا ببغضهم علياً<([45]).

قال محقّق الكتاب: >إسناده حسن<.

3 . ما نقله الإمام الترمذي في سننه قال: >عن أبي هارون، عن أبي سعيد الخدري, قال: إنّا كنا لنعرف المنافقين - عن معشر الأنصار - ببغضهم علي بن أبي طالب<([46]).

وقد علَّق على هذا الحديث محمد ناصر الدين الألباني بقوله: >ضعيف الإسناد جداً<([47]).

وهذه على أية حال وجهة نظر الألباني نفسه إلا أن الترمذي له رأي آخر حيث قال في كتابه هذا في بداية (كتاب العلل) ما هذا لفظه: >قال أبو عيسى: جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به, وبه أخذ بعض أهل العلم ما خلا حديثين ...<([48]).

4. وقد نُقل هذا الحديث في كتاب (الصحيح المسند من فضائل أهل بيت النبوة)([49]) تأليف الباحثة أم شعيب الوادعية، وقد أشرف على الكتاب وقدّم له أحد أكبر أعلام السلفية المعاصرين وهو الشيخ مقبل بن هادي الوادعي وقال في تقديمه له ما يلي: >ومن بين هؤلاء الباحثات الباحثة الفاضلة الزاهدة التقية أم شعيب الوادعية فقد قامت (حفظها الله) بالكتابة في (الصحيح المسند في فضائل أهل بيت النبوة) [الذي] يعتبر أحسن ما ألّف في فضائل أهل بيت النبوة لاقتصارها على الصحيح, وقد كتب كاتبون يطول تعدادهم ولكنهم لم يميّزوا بين الصحيح والضعيف([50]).

إذن فحقيقة كون حبّ عليّ بن طالب وبغضه معياراً في الحكم بإيمان أفراد المجتمع المسلم - بما فيهم الصحابة - أو نفاقهم ليس مجرّد افتراض نطرحه وإنما هو حقيقة تاريخية مارسها المجتمع المسلم زمن نزول الوحي وفي حياة رسول الله صلى الله عليه وآله كما تخبرنا بذلك الراويات المتقدمة أعلاه.

وهذه القضية تكتسب أهميتها أكثر إذا عرفنا أن هناك من يحاول تشويه الواقع التاريخي لحياة المسلمين وتصوير الأمور على عكس ما كانت عليه في الحقيقة, كما فعل ابن تيمية حين قال: >ومعلومٌ أن الله جعل للصحابة مودّةً في قلوب كلّ مسلم, لاسيَّما الخلفاء (رضي الله عنهم), لاسيَّما أبو بكر وعمر, فإن عامة الصحابة والتابعين كانوا يودّونهما وكانوا خير القرون. ولم يكن كذلك علي, فإن كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبّونه ويقاتلونه<([51]), وحين قال: >وقد عُلم قدح كثيرٍ من الصحابة في علي<([52]).

فإن كلام ابن تيمية هذا، ما هو إلا كذب وتشويه للحقائق التاريخية, لا يتّفق معه عليه حتى أكثر الناس اتِّباعاً له في منهجه.

قال الألباني في معرض حديثه عن وثاقة (موسى بن قيس) وما نقله عن العقيلي من الطعن فيه بالغلوّ ورواية الأحاديث الرديئة - بحسب نظر العقيلي- معلّقاً على حديث نقله العقيلي عن موسى يصرّح فيه الأخير بحبّه لعلي أكثر من أبي بكر: >كل ما فيه [أي حديث موسى بن قيس] أنه يحبّ علياً أكثر من أبي بكر، كما هو ظاهر، وكثير من كبار السلف كانوا كذلك؛ كما يُعرف من تراجمهم<([53]).

اتضح إذن أن الحقيقة التاريخية تثبت العكس، وأن بغض علي بن أبي طالب عليه السلام كان معياراً وضابطةً يتمسّك بها أبناء المجتمع الإسلامي آنذاك لفضح المنافقين بين أوساطهم, أما موضوع سب الإمام علي والقدح فيه ومقاتلته فهو موضوع يكاد ينحصر بالأمويين وأتباع سياستهم - وقليل من كان فيهم من الصحابة- والسائرين على خطهم, اللهم إلّاَ فئة الخوارج وهي الأخرى ضلّت السبيل تحت ظلال مكر السياسية الأموية وخداعها. علماً أن حديثنا هنا عن مجرّد تشويه ابن تيمية للواقع التاريخي وإلا فإننا نؤمن - وهذا ما سيتمّ إزادته إيضاحاً- أن حبَّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام وبغضه يشكّل معياراً نبوياً في تقييم الصحابة بغضّ النظر عن موقفهم من الإمام علي سلباً أو إيجاباً وأن هذا المعيار كان يعيه ويطبِّقه الصحابة أنفسهم.


منهج ابن تيمية في تعاطيه

مع فضائل أهل البيت عليهم السلام

للحديث عن منهج واستراتيجية ابن تيمية وأتباعه في التعاطي مع الأحاديث التي تطرقت إلى فضائل ومناقب الإمام علي عليه السلام وعموم أهل البيت عليهم السلام بحث طويل نأمل أن نقف على تفاصيله بنحو أوسع من مجرّد الإشارات السريعة، إلّا أننا - وبنحو الإجمال- يمكن أن نعالج هذا الموضوع من خلال البحث في جانبين:

جانب نظري: يتمثّل بإيضاح الأساس الفكري التي يسلكه ابن تيمية وأتباعه في التعامل مع هذه الأحاديث وفهمها، والقواعد العلمية التي يستندون إليها.

وجانب تطبيقي: يتمثّل في تطبيق هذا المنهج، وممارسته على هذا الحديث أو ذاك.

سأوجز للقارئ أولاً أهمّ الخطوات المنهجية التي يتَّبعها ابن تيمية في معالجته لتلك الأحاديث، ثم نتناول ثانياً الجانب التطبيقي لهذا المنهج ومن خلال عيّنة واضحة، وهي الحديث محلّ البحث والأحاديث التي تدور في فلك معناه.

الجانب النظري لمنهج ابن تيمية في تعاطيه مع فضائل أهل البيت عليهم السلام

تتمثل محاولة ابن تيمية في هذا الاتجاه بثلاث خطوات:

الخطوة الأولى: نقد الحديث سنداً من خلال تكذيبه أو اعتباره موضوعاً أو حتى مجرّد التشكيك فيه.

فإن لم تتمّ له هذه الخطوة وكان الحديث متواتراً أو مشهوراً أو متّفقاً عليه بين علماء المسلمين، انتقل إلى خطوته التالية:

الخطوة الثانية: نقد الحديث متناً ومضموناً، وذلك من خلال التلاعب في دلالاته الواضحة البيّنة وصرفها عن معناها الحقيقي، فإن لم تتمّ له هذه الخطوة أيضاً وكان الحديث واضحَ المعنى جليّ المضمون، انتقل حينها إلى خطوته الأخيرة, وهي:

الخطوة الثالثة: نقد الحديث من خلال التقليل من أهمية دلالته الظاهرة للعيان؛ وذلك بإلغاء خصوصيته بالإمام واعتبار مضمونه عاماً مما يشترك في فضيلته معه غيره من الصحابة أو عموم صالحي المسلمين، وهو يفعل جميع ذلك إما من خلال تلبيسه على القارئ بنصّ (قرآني أو روائي) يفرغ الحديث عن دلالته الجدّية، وإما من خلال معارضته للحديث بإيراد نصّ (قرآني أو روائي) يحمل نفس المضمون أو مضموناً مشابهاً جاء في حقّ أشخاص آخرين.

تلك هي خطوات شيخ الإسلام الأموي في تعاطيه مع فضائل ومواقف أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب وأهل البيت (عليهم السلام).

الجانب التطبيقي لمنهج ابن تيمية في تعاطيه مع فضائل أهل البيت - أحاديث المحبة نموذجاً

سنحاول الآن أن نتناول - بنحو تطبيقي- منهج ابن تيمية في تعاطيه مع فضائل ومناقب ومواقف أهل البيت عليهم السلام ومن خلال الأحاديث التي نقلناها في موضوع حبّ الإمام علي عليه السلام وبغضه، وعلاقة ذلك بإيمان المرء ونفاقه.

لقد ذكرنا حتى الآن ثلاثة نصوص في مجال حبّ الإمام علي عليه السلام وهي كالتالي:

النصّ الأول: وقد جاء على لسان الإمام علي عليه السلام وبعدة صيغ: >لعهد النبي إليّ أنه لا يجبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق<, أو - وهذه صيغة أخرى لنفس الحديث-: >لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق<.

النصّ الثاني: وهو الحديث المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال: >من أحبّ علياً فقد أحبّني ومن أبغض علياً فقد أبغضني<, وقد وردت في بعض نقولات هذا الحديث إضافة جملة : >من أحبّ علياً فقد أحبّني ومن أحبّني فقد أحبّ الله, ومن أبغض علياً فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله<.

النصّ الثالث: ما نُقل عن جملة من صحابة النبي صلى الله عليه وآله حيث صرّحوا بنحو واضح: >إنّا كنا نعرف المنافقين ـ نحن معاشر الأنصار ـ ببغضهم علي بن أبي طالب<، أو >ما كنا نعرف المنافقين, علي عهد رسول الله, إلَّا ببغض علي<.

لقد عرفنا فيما تقدم من البحث موقف علماء الإسلام من تلك الأحاديث وأنها من الأحاديث التي اتّفق علماء المسلمين على قبولها والتسليم بها وتصحيحها. والآن نطرح هذا السؤال: ما هو موقف ابن تيمية من هذه الأحاديث تبعاً لمنهجه بخطواته الثلاث؟

أما النصّ الأول, أعني حديث: >لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق< فقد قال ابن تيمية بحقّه:

>فإن هذه الأحاديث [أي الأحاديث الواردة في أن حبّ الأنصار من الإيمان وبغضهم من النفاق] أصحّ مما يروى عن علي أنه قال: >إنه لعهد النبي صلى الله عليه وآله إليّ أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق< فإنها من أفراد مسلم, وهو من رواية عدي بن ثابت عن زر بن حبيش عن علي, والبخاري أعرض عن هذا الحديث([54]), بخلاف أحاديث الأنصار فإنها مما اتّفق عليه أهل الصحيح كلّهم: البخاري وغيره, وأهل العلم يعلمون يقيناً أن النبي صلى الله عليه وآله قاله. وحديث عليّ قد شكّ فيه بعضهم<([55]).

هذا النصّ مثال واضح على أسلوب ابن تيمية في تعاطيه مع الأحاديث والروايات التي لا تنسجم مع هواه الشخصي. فحيث لم يكن بوسعه تكذيب هذا الحديث ولا الطعن في سنده حاول يائساً التشكيك فيه جزافاً فقال: >قد شكّ فيه بعضهم< دون أن يبيّن - لا هو ولا محقّق كتابه (محمد رشاد سالم) - من هذا البعض المشكِّك؟! بل حاول أن يشاغل القارئ عن قوله السابق في وصف حديث الأنصار أنه >أصحّ<، وهو ما يقتضي - بحكم قواعد اللغة العربية- أن يكون حديث >لا يحبّك إلا مؤمن...< صحيحاً بنسبة التشكيك لهذا البعض المزعوم. وبدل أن يبيّن ابن تيمية موقفه من هذا الحديث ومن التشكيك الذي ادعى أن البعض قال به ترك القضية عائمة يضلّ فيها القارئ.

ويهون الأمر لو اقتصر استخدام هذا الأسلوب على ابن تيمية وحده, إنما المشكلة الحقيقية تتمثل في متابعة جملة من الباحثين المعاصرين لهذا الأسلوب واتخاذه منهجاً في التعاطي مع الأحاديث التي يرغبون بالتخلّص منها ومن دلالاتها المحرجة لاتجاههم الفكري.

لنلاحظ على سبيل المثال ما قاله محقّق >مسند الإمام أحمد بن حنبل< حين يصل إلى هذا الحديث, يقول:

>إسناده على شرط الشيخين إلا أن عدي بن ثابت ... - وإنْ أخرجا له- قال فيه شعبة: كان رفاعاً، وقال أحمد: كان يتشيع ... وقال ابن معين شيعي مفرط, وقال الدارقطني: ثقة إلا أنه كان غالياً في التشيع.

قلنا: وقد ردّ أهل العلم من مرويّات الثقة ما كان موافقاً لبدعته. وقد انتقد الدارقطني في >التتبع< مسلماً لإخراجه هذا الحديث, فقال: وأخرج مسلم حديث عدي بن ثابت: >والذي فلق الحبة ...< ولم يخرجه البخاري<([56]).

من الواضح أن المحقّق لم يجد توجيهاً ومخرجاً للطعن في هذا الحديث إلا الغمز في عدي بن ثابت الثقة بقوله: إنه صاحب بدعة, وإن ما ينقله المبتدع مما يوافق بدعته يُرَدّ ويحذف. وإذا استحضر القارئ ما سبق وأشرنا إليه من أن مقصودهم من البدعة في أمثال هذه الموارد هو حصراً حبّ عليّ عليه السلام فإنه سيعرف سبب هذا التخبّط في التعامل مع هذا الحديث.

هذا هو تحديداً ما قصدناه بالمنهج الأموي في فهم الإسلام بأن يُتخذ مسبقاً موقفٌ رافضٌ لكل ما له علاقة بفضائل ومناقب ومآثر أهل البيت عليه السلام يُطعن على أساسه وتُردّ وتُؤوَّل جميع الفضائل المشرقة والمواقف النبيلة لأهل البيت. وهكذا ترى أن ابن تيمية يؤسّس المنهج ثم يأتي هؤلاء فيطبّقونه ويعملون على وفقه.

أما فيما يتعلّق بـ(النصّ الثاني)، فقد نقله العلاَّمة ابن المطهَّر الحلّي ضمن جملة من الأحاديث في فضائل الإمام عليه السلام , وهو بحسب تسلسل نقل العلاَّمة حمل رقم اثنين.

وهنا علّق ابن تيمية بقوله: (وهذه الأحاديث مما يعلم أهل المعرفة بالحديث أنها من المكذوبات)([57]).

وقال أيضاً: (فالعشرة الأول كلّها كذب)([58]), ولنذكِّر القارئ أن مضمون الحديث الذي حمل رقم اثنين في كلام العلاَّمة ابن المطهر هو ما نُقل عن سلمان حين سئل: ما أشدّ حبك لعلي, قال سلمان: >سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من أحبّ علياً فقد أحبّني ومن أبغض علياً فقد أبغضني<.

ولكي يتضح حقيقة ما قاله ابن تيمية بخصوص هذا الحديث تحديداً بأنه (كذب) نقول:

أولاً: إن هذا الحديث مما نقله الحاكم النيسابوري في (مستدركه) ثم قال: >هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه<([59]).

ثانياً: وقد وافق الإمامُ الذهبيُّ الحاكمَ النيسابوريَّ في ذلك في تلخيصه لكتاب الحاكم حيث قال: (خ م)([60]) أي على شرط البخاري ومسلم.

ثالثاً: وقد صحّح الحديث أحد أعلام التيار السلفي المعاصرين, وهو مقبل بن هادي الوادعي في كتابه (الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين)([61]) ومما لا يكاد يُشكّ فيه أن الوادعي على علم بتكذيب ابن تيمية لهذا الحديث, وعليه فتصحيحه للحديث تعريض بابن تيمية في هذا الشأن.

رابعاً: وقد أرسله ابن عبد البر إرسال المسلّمات ناسباً الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: (قال صلى الله عليه وآله : من أحبّ علياً فقد أحبّني, ومن أبغض علياً فقد أبغضني, ومن آذى علياً فقد آذاني ومن آذاني فقد أذى الله)([62]).

خامساً: حتى لو تنزلنا وسلّمنا جدلاً بعدم صحّة سند هذا الحديث فإن هذا لا يثبت عدم صحّة وحقانية مضمون الحديث, فإن القاعدة التي يعمل في ضوئها علماء المسلمين في موضوع الجرح والتعديل هي الفصل بين صحّة السند وصحّة المضمون.

فصحّة أحدهما غير متوقّفة على صحّة الآخر، فكما يمكن أن يكون كلٌّ من السند ومضمون المتن صحيحاً، يمكن أن يكون كلاهما باطلاً, كما يمكن أن يبطل أحدهما ويبقى الآخر - من طريق آخر- صحيحاً. وهذه القاعدة مما أشار لها والتزم بها العلامة الألباني في كتبه, فقد قال في كتابه (صحيح سنن ابن ماجه) ما يلي:

>إذا قلت: (صحيح) أو: (حسن) فإنما أعني المتن, وأما السند فقد يكون صحيحاً أو حسناً لذاته أو لغيره<([63]).

إذن فمن الممكن أن يكون مضمون الحديث صحيحاً حتى مع التزامنا بضعف السند، ولا يلزم من هذا الأخير ضعف المتن أو الطعن فيه؛ إذ من الممكن أن يصحَّح السند بطريق آخر أو توجد شواهد على صحّة مضمون المتن([64]).

وعلى أساس ما تقدم فإن الأمانة العلمية توجب على ابن تيمية أن يقول: إن مضمون هذا الحديث صحيح وثابتٌ وإن كان في سنده إشكال. لا أن يطلق القول بنعت هذا الحديث بالكذب ويدلّس على القارئ.

أما فيما يتعلّق بـ(النصّ الثالث) فقد تعرض له ابن تيمية في موردين كذّب فيهما هذا الحديث.

قال في المورد الأول: (إن هذا [الحديث] مما يعلم كلّ عالم أنه كذب)([65]).

وقال في المورد الثاني: (وهذا مما يبين به كذب ما يروى عن بعض الصحابة كجابر, أنه قال: >ما كنا نعرف المنافقين على عهد النبي صلى الله عليه وآله إلا ببغضهم علي بن أبي طالب<, فإن هذا النفي من أظهر الأمور كذباً)([66]).

وقد قدمنا فيما سبق مصادر هذا الحديث ولا سيّما ما ورد في كتاب (جزء علي بن محمد الحميري) الذي عرفنا أن رجاله جميعاً من الثقات.

تحدّثنا في فرصة سابقة عن الاتجاه الذي يسير عليه ابن تيمية وقد وصفناه بالاتجاه الأموي الذي لا ينفكّ يطعن في فضائل الإمام علي عليه السلام ويقلّل من أهمية دوره ومواقفه, وأودّ أن أختم حديثنا عن تعليق ابن تيمية حول الحديث الثالث بنقل ما قاله ابن حجر العسقلاني عن ابن تيمية وكتابه (منهاج السنّة) هذا الكتاب الذي يمثّل اليوم أهمّ مصدر للاتجاه الأموي في فهم الإسلام وفي نقد مذهب أهل البيت, والمرجع الأساس لمن ينهجون نهج ابن تيمية. أنقل هذا التقييم لابن تيمية وكتابه عن رجل لا ينتمي إلى مذهب أهل البيت حتى يُتَّهم بعدم الموضوعية أو بالتحامل, إنما هو من الموافقين لابن تيمية في مسيرته والسائرين على نهجه, رجل لا يخرج عن الإطار العام لمدرسة ابن تيمية([67]).

قال ابن حجر العسقلاني في كتابه (لسان الميزان) حين ترجم للعلامة ابن المطهر الحلّي بعد أن أشار إلى ردّ ابن تيمية على كتاب العلامة ما يلي:

>وقد طالعتُ الردّ المذكور فوجدته كما قال السبكي في الاستيفاء, لكن وجدته كثير التحامل إلى الغاية في ردّ الأحاديث التي يوردها ابن المطهَّر, وإن كان معظم ذلك من الواهيات والموضوعات, لكنّه ردّ في رده كثيراً من الأحاديث الجياد التي لم يستحضر حالة تصنيفه مظانّها, لأنه كان لاتّساعه في الحفظ يتّكل على ما في صدره, والإنسان قابل للنسيان. ولزم من مبالغته لتوهين كلام الرافضي الإفضاء أحياناً إلى تنقيص علي, وهذه الترجمة لا تحتمل إيضاح ذلك وإبراز أمثلته<([68]).

الواقع أن تنقيص ابن تيمية لشخصية الإمام علي عليه السلام لا يمثّل موقفاً عابراً أو سقطة نادرة وقع فيها وإنما القارئ يجد شواهد عديدة وكثيرة في هذا السياق تحملنا على الاعتقاد بأن هذا التنقيص يشكل استراتيجية مخطّطٌ لها مسبقاً تمتدّ إلى جميع صفحات الكتاب, وإذا كان ابن حجر العسقلاني اعتذر عن سرد أمثلة ذلك بعدم احتمال كتابه لهذا الموضوع فإننا نأمل أن يجد القارئ لهذا البحث والأبحاث القادمة من الأمثلة ما يقنعه بهذه الحقيقة. على أنّ ما نحن فيه من البحث يشكّل بحدّ ذاته مثالاً واضحاً في هذا الاتجاه, وقد وجدنا ابن تيمية لا يتورّع عن تكذيب الأحاديث التي يتّفق على صحّتها علماء المسلمين, لا بل يمتدّ به الأمر إلى التماس الذرائع لمبغضي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بل قاتليه وتوجيه أفعالهم.

ليتأمل القارئ الكريم كيف يختلق ابن تيمية المبررات لقاتل علي عليه السلام وكيف يقوده هواه لافتراض أن قاتل علي عليه السلام - وهنا يذكّرنا ابن تيمية بأنّ هذا القاتل كان يصلّي ويصوم ويقرأ القرآن- كان معتقداً أن الله ورسوله يحبّان قاتل علي, وأن هذا القاتل كان فعلَ ذلك - ولا ندري من أين عرف ابن تيمية سريرة هذا الرجل- محبّةً لله ورسوله، فهو في أسوأ الأحوال >ضالّ مبتدع< في حين إن قاتل عمر بن الخطاب كان كافراً, ونحن نعرف أن الضالّ المبتدع ليس خارجاً عن الإسلام إنما هو مجتهدٍ مخطئ. وعليه فإن ابن تيمية يريد إقناعنا أن قاتل عمر كافر وقاتل علي مجرّد رجل اجتهد فأخطأ، ولا أدري ما الذي حمل ابن تيمية على التمييز بين القاتلين!! يقول ابن تيمية:

>فعُلم أنه لا يلزم من كون بغض الشخص من علامات النفاق أن يكون أفضل من غيره, ولا يشكّ من عرف أحوال الصحابة أن عمر كان أشد عداوة للكفار والمنافقين من علي, وأن تأثيره في نصر الإسلام وإعزازه وإذلال الكفار والمنافقين أعظم من تأثير علي، وأن الكفار والمنافقين أعداء الرسول يبغضونه أعظم مما يبغضون علياً. ولهذا كان الذي قتل عمر كافراً يبغض دين الإسلام, ويبغض الرسول وأمّته, فقتله بغضاً للرسول ودينه وأمّته. والذي قتل علياً كان يصلّي ويصوم ويقرأ القرآن, وقتله معتقداً أن الله ورسوله يحبّ قتل علي, وفعل ذلك محبّة لله ورسوله - في زعمه- وإن كان في ذلك ضالاً مبتدعاً<([69]).

معيارية حب علي بن أبي طالب ومسألة عدالة الصحابة

أشرنا سابقاً إلى أن الأحاديث الواردة في حبّ الإمام علي عليه السلام تؤسس لقاعدة غاية في الأهمية, وهي: أن حبّ عليّ عليه السلام وبغضه يُعدّ معياراً مهماً للحكم على إيمان المرء أو نفاقه, وأن حديث عدالة أيِّ شخصٍ مسلمٍ لا يستقيم منهجياً ما لم يتمّ الفراغ من حبّه لعلي عليه السلام في مرحلة سابقة، وإلا فلا معنى للسؤال عن العدالة - وهي تعني الالتزام الدقيق بالضوابط الشرعية التي أرساها الدين الإسلامي- مع إمكان أن يكون الشخص منافقاً وغير مؤمن.

إذا أمسكنا بهذه القاعدة المنهجية المهمّة بأيدينا، عندئذٍ بوسعنا أن نفهم موضوع >عدالة الصحابة< - الذي طالما طُرح ونوقش وأثيرت حوله الإشكاليات- بنحو صحيح وسليم منطقياً.

ولكي تتّخذ هذه القاعدة المنهجية محلَّها اللائق بها في سياق البحث، علينا أولاً: العودة إلى القرآن الكريم والبحث فيه عن وجهة نظره في هذا الصدد, هذا مع الأخذ بنظر الاعتبار أن آيات القرآن الكريم يفسّر بعضها بعضاً ويأخذ أولها برقاب آخرها، لتشكّل في النهاية رؤية واحدة متكاملة متعاضدة. وحتى في الحالات التي تبقى بعض النقاط غامضة فإن النصّ النبوي يسدّ هذا الفراغ من خلال وظيفته التشريعية والرسالية بإيضاح التفصيلات الحيوية في بناء النظرية الإلهية القرآنية.

والآن لو عدنا إلى الآيات القرآنية الشريفة لوجدنا أن النصّ القرآني يضع موضوع تقييم المرء في ثلاث نقاط:

النقطة الأولى: هي أن يكون الشخص مؤمناً قلبياً وليس منافقاً. قال تعالى: {قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}([70]) ففى ضوء هذه الآية لا يكون الإنسان مؤمناً بمجرّد تصريحه اللفظي وإنما يجب أن يصحب ذلك إيمان يتخلّل قلبه.

النقطة الثانية: هي أن يواصل الإنسان المؤمن إيمانه دون انقطاع أو انقلاب أو تبدّل في هذا الإيمان سواء في عصر رسول الله وحياته أو بعد عصره صلى الله عليه وآله ورحيله عن هذا العالم. يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}([71]) فلا تكفي البيعة وحدها لإثبات إيمان المرء وإنما عليه الإيفاء بما عاهد الله عليه، وأما إذا نكث وارتدّ فإن ذلك يُخرجه عن الإيمان.

ومثل هذه الآية قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}([72]) إذ اشترطت عدم انقلاب المرء بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يتمتّع الإنسان بالإيمان.

النقطة الثالثة: وهي أن على الإنسان أن يصحب إيمانه بالعمل الصالح وإلا فإن الإيمان الحقيقي لا يتحقّق بمجرّد الاعتقاد القلبي وإن لم يتبدّل هذا الاعتقاد؛ ولذا قال الله تعالى - وهذه الآية تتضمن النقاط الثلاث معاً-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}([73]).

هذه تحديداً هي الصفات التي يرسيها القرآن الكريم لكي يتحقّق إيمان الإنسان المسلم.

نعم, يبقى علينا أن نعرف المعيار الذي نحدّد في ضوئه الشرط الأول الوارد في النقطة الأولى، أي الإيمان النافذ للقلب .. الإيمان الحقيقي ..، فكيف يكون الإنسان المسلم متحلّياً بهذا الإيمان؟

هنا يأتي الدور الرسالي للنبي صلى الله عليه وآله بأن يوضح هذه النقطة في الآيات السابقة, وهذا ما يضطلع به النصّ الوارد عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والذي اتخذناه مداراً لهذا البحث, حديث: >لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق< حينها يحقّق حبّ عليّ عليه السلام في الاستدلال المنطقي صغرى تلك الآية الكريمة. فالآية تقول كبرى القياس المنطقي، وهي: أن استقرار الإيمان في القلب يعد شرطاً للإيمان، وبدونه يكون الإنسان مجرّد مسلم فقط. أما الحديث النبوي، فيوضح صغرى ذلك القياس وأن الإيمان القلبي إنما يتحقّق واقعاً من خلال حبّ علي بن أبي طالب عليه السلام. وقد عرفنا أن الواقع التاريخي للمسلمين كان يسير وفق هذا المنطق (القرآني/النبوي) فكانوا لا يعرفون منافقيهم إلا ببغضهم لأمير المؤمنين عليه السلام .

الأمر الآخر الذي علينا فهمه مما سبق أن الآيات الواردة في النقطة الثانية أشارت إلى حقيقة خارجية وقعت عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وهو وجود مَن انقلب أو نكث أو لم يفِ بوعده لله كما في قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ}([74]) وهذا الموضوع سوف نعود له لاحقاً, لنأتي على ذكر الروايات التي كشفت عن هذه القضية, ولكن قبل ذلك علينا أن نحقّق ونفحص تلك الآيات التي تمسَّك بها البعض في إثبات دعوى >عدالة الصحابة< مطلقاً, كلّ ذلك نقوم به بنحو موجز وسريع - إذ إن هذا الموضوع يحتاج إلى بحث مستقلّ ومفصّل لعلنا نقف على حيثياته في فرصة لاحقة إن شاء الله تعالى- واعتماداً على المقدمة التي انتهينا منها تواً، وهي: أن حبّ عليّ عليه السلام يشكّل معياراً وفرقاناً نحكم على أساسه، وطبقاً له، على إيمان الصحابي - وكلِّ إنسان مسلم وإن لم يكن صحابياً- أو عدم إيمانه، وحينها حصراً - وبفضل هذه الضابطة- يمكننا الانتقال إلى إثبات عدالة الصحابي أو فسقه، ومناقشة الآيات المدَّعى دلالتها على ذلك.

موقف الآيات القرآنية من إشكالية عدالة الصحابة

أما الآيات التي تمسّك بها البعض في إثبات دعوى عدالة جميع الصحابة فأهمها الآيات التالية:

الآية الأولى: قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}([75]).

ومن الواضح أن هذه الآية لا تتحدّث عن مطلق الصحابة, المؤمنين وغير المؤمنين, وإنما اقتصرت على المؤمنين فحسب، فقالت: {رَضِيَ اللهُ عَنْ المُؤْمِنِينَ}([76]) ولكن السؤال المهم هو: من هؤلاء المؤمنون الذين قصدتهم الآية الكريمة؟ هنا لابد لمن يودّ الحصول على الجواب أن يعود للميزان الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله حين قال: >لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق<.

الآية الثانية: قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}([77]).

هذه الآية من أهمّ الآيات التي يستدلّ بها البعض على عدالة الصحابة متمسّكين بما ورد فيها من جملة: {وَالَّذِينَ مَعَهُ} إذ هي مطلقة وتشمل الجميع. ولكن ذيل الآية يثبت عكس هذه الدعوى, إذ تقول الآية: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} وحرف (من) في كلمة {مِنْهُمْ} يدلّ على التبعيض, أي أن بعض أولئك {الَّذِينَ مَعَهُ} وعدهم الله بالمغفرة والأجر العظيم, فهي مختصّة بالمؤمنين حقّاً وليست شاملة لكل صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله.

الآية الثالثة: قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}([78]).

أهمّ ما يتمسَّك به المستدلّ بهذه الآية هو الإطلاق الوارد في جملة {المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} ونقطة الخلاف في الاستدلال بهذه الآية الكريمة هو بيان معنى كلمة (من) في قوله تعالى {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} فالبعض اعتبرها (بيانية) وتبعاً لذلك جعلها أحد أدلّته على عدالة جميع الصحابة؛ لأنها مطلقة في الحديث تشمل جميع المهاجرين والأنصار.

إلَّا أن علماء مدرسة أهل البيت لا يوافقون على هذا الفهم ويذهبون إلى تفسير كلمة (من) بالتبعيض؛ ودليلهم على ذلك الآية التالية للآية محل البحث حيث تقول: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ}([79]) التي أوضحت أن من أهل المدينة من هو منافق, وعليه فإن الإيمان شرط في تحقّق رضوان الله عليهم وإدخالهم الجنة.

يضاف إلى ذلك أننا أشرنا فيما سلف إلى قاعدة في غاية الأهمية ينبغي للمفسّر للقرآن الكريم أو الناظر في آياته أن يضعها نصب عينيه وهي أن القرآن الكريم يفسّر بعضه بعضاً، وأن من غير الممكن تكوين وجهة نظر قرآنية صائبة تفصل بين آيات القرآن الكريم فتأخذ بعضها وتترك البعض الآخر, فإن هذا الأسلوب مرفوض قرآنياً ويكون العامل به من {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ}([80]) الذين جزؤوا كتابهم وفرّقوه فآمنوا ببعضه وكفروا بالبعض الآخر.

وإذا عدنا إلى الآية محلّ البحث وقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ المُهَاجِرِينَ}([81]) فإن القرآن الكريم نفسه يحسم الجدال في تحديد المعنيّين بقوله: {المُهَاجِرِينَ} وذلك حيث يقول تعالى: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}([82]) فإن هذه الآية وضعت قيوداً للهجرة ولمن يمكن تسميتهم بـ(المهاجرين)، فليس مجرّد الانتقال من مكان إلى مكان آخر يُعدّ هجرة في ميزان الله تعالى، وإنما على المهاجر أن يُؤذَى في سبيل الله، وأن يتحمّل المشاقّ والمصاعب في سبيل مبادئ الدين، وأن يقاتِل أو يُقتل في سبيل ذلك, فهذه الشروط هي التي تجعل الإنسان مهاجراً في مفهوم القرآن الكريم. علماً أننا نعرف أن جملة من الصحابة وممّن يُعبّر عنهم بـ(كبار الصحابة) لم يعرف أنهم قاتلوا في المعارك حتى ولو لمرة واحدة، بل إن بعضهم كانوا يثبّطون الناس عن الجهاد والقتال في سبيل الله تعالى.

من هنا - وتبعاً لهذا الجمع بين آيات القرآن الكريم- نعلم أن كلمة (من) الواردة في الآية محلّ البحث ليست للبيان وإنما هي للتبعيض، ولا يصحّ التمسّك بها للاستدلال على فكرة عدالة جميع الصحابة.

الآية الرابعة: قوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}([83]).

وقد حاول البعض الاستدلال بإطلاق لفظ {المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} الذين تاب الله تعالى عليهم لإثبات فكرة عدالة جميع الصحابة, ولكن بوسعنا ردّ هذا الاستدلال بالعودة إلى الآيات السابقة من السورة ذاتها حيث قالت: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ* ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}([84]) وهذه الآيات الكريمة تقول إن الله أنزل سكينته على المؤمنين من المهاجرين والأنصار (خاصّة) وليس الجميع، وإذا تساءلنا عن معنى المؤمنين المقصودين في هذه الآية فإن علينا العودة إلى الحديث: >لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق< لكي نعرف من هو المؤمن من المنافق فإذا ثبت أنه من المؤمنين عندئذٍ يكون مشمولاً بالتوبة الواردة في هذه الآية الكريمة، وإلَّا فلا تشمله الآية الكريمة.

الآية الخامسة: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}([85]).

هذه الآية الكريمة إحدى الآيات التي استُدلّ بها على موضوع عدالة الصحابة. إلّاَ أن هذه الآية ذاتها تضع بنحو جليّ قيد الإيمان في ترتيب الأثر على الهجرة, أي أن الآية تجعل من الإيمان هو المقسم: فالمهاجرون المؤمنون هم الذين بعضهم أولياء بعض، وهم أيضاً الذين {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}([86]). أما المهاجرون الذين لم يؤمنوا فلا تشملهم هذه الأحكام.

فما لم يثبت الإيمان فلا قيمة للهجرة ولا للنصرة ولا للعمل، وقد جاء في القرآن الكريم: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنْ المُتَّقِينَ}([87]) ولا شكّ أن التقوى لا تتحقّق إلا بالإيمان والعمل.

الآية السادسة: قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ* َالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ المُفْلِحُونَ* وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَِلأَخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}([88]).

وهذه الآيات مما يُستدلّ بها كثيراً على مسألة عدالة جميع الصحابة. إلا أن علينا أن نتأمّل جيداً ما ورد في هذه الآيات الكريمة إذ جاء فيها قوله تعالى: {الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ} وهي واضحة في أن الأنصاري لكي تكون لديه قيمة عند الله تعالى، عليه أن يتمتع بالإيمان, وهو تحديداً ما ورد في ذيل هذه الآيات عند دعاء الذين جاءوا من بعدهم؛ قالوا: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} حيث قصروا دعاءهم بالمغفرة للمؤمنين فحسب.

على أن ذيل الآية الأولى ورد فيه: {أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ} وإذا تساءلنا عن المقصود بالصادقين فإن القرآن الكريم الذي يفسّر بعضه بعضاً يقول: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}([89]) إذن فالصادقون هم أولاً: المؤمنون بالله ورسوله, وثانياً: لم يرتابوا, وثالثاً: الذين هاجروا.

هذه هي مواصفات الصادقين, وهي قد اشترطت الإيمان أولاً, وهو ما لا يتحقّق ولا ينكشف إلا من خلال الميزان الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله حين قال للإمام علي عليه السلام : >لا يحبّك إلا مؤمن, ولا يبغضك إلا منافق<.

موقف الأحاديث من إشكالية عدالة الصحابة

عند حديثنا في الفقرة السابقة عن إشكالية عدالة الصحابة وعلاقتها بالحديث محل البحث أشرنا إلى معالجة القرآن الكريم لهذا الموضوع، وذلك من خلال المعايير القرآنية لتقييم الإنسان المسلم، وقد أوضحنا هناك (=النقطة الثانية) أن من القضايا المهمّة التي يعالجها القرآن الكريم في هذا الصدد هو ثبات الإنسان المؤمن على إيمانه دون تبدّل أو انقلاب أو نكوص. كما أشرنا إلى أن القرآن الكريم صرّح بوجود مثل هذا الانقلاب، وحينها وعدنا القارئ أننا سنعود لهذا الموضوع ونذكر الأحاديث التي وردت في هذا المجال.

في هذه الفقرة نريد أن نأتي على تلك الأحاديث التي أجّلنا البحث فيها ، وسنكتفي بسرد ما جاء في أهمّ المصادر الرئيسية التي يعتمدها الفكر السني، أي: صحيحي مسلم والبخاري.

فمما ورد في صحيح مسلم أشير إلى:

الرواية الأولى: عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُلَيْكَة أنه سمع عائشة تقول: سمعت رسول الله يقول وهو بين ظهراني أصحابه: >إني على الحوض أنتظر من يرد عليَّ منكم, فوالله ليُقطعن دون رجال, فلأقولن: أيْ ربه! منّي ومن أمّتي, فيقول: إنك لا تدري ما عملوا بعدك, مازالوا يرجعون على أعقابهم<([90]).

الرواية الثانية: عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة ... قال رسول الله صلى الله عليه وآله : >إني لكم فرط على الحوض فإيّاي لا يأتين أحدكم فيذبّ عني كما يذبّ البعير الضالّ, فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك, فأقول: سحقاً<([91]).

الرواية الثالثة: عن الأعمش, عن شقيق, عن عبد الله, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : >أنا فرطكم على الحوض, ولأنازعنّ أقواماً, ثم لأغلبن عليهم, فأقول: يا ربّ! أصحابي أصحابي, فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك<([92]).

ومما ورد في صحيح البخاري أشير إلى:

الرواية الأولى: قال أبو حازم فسمعني النعمانُ بن أبي عياش ... فقال [أي النعمان بن أبي عياش] أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها [في الرواية التي نقلها أبو حازم عن سهل بن سعد, وهي سابقة على هذه الرواية]: فأقول: إنهم مني, فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك, فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيَّر بعدي<([93]).

الرواية الثانية: عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه كان يحدِّث أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: >يرد عليّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي فيُجْلَون عن الحوض, فأقول يا ربّ أصحابي, فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك, إنهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى<([94]).

الرواية الثالثة: عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: >يرد عليّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي فيُجلون عن الحوض, فأقول يا ربّ أصحابي, فيقول إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك, إنهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى< ([95]).

أقتصر على هذه العيّنة البسيطة من الأحاديث الواردة في هذا الشأن، وهناك الكثير غيرها أحجمنا عن إيرادها مخافة الإطالة, ولأن هذا المقدار يكفي لإقناع القارئ بأصل الفكرة.

وبعيداً عن الدخول في تفاصيل هذه الأخبار وتحليل مضامينها، أضع بين يدي القارئ الكريم هذه التعليقات السريعة:

التعليقة الأولى: إن الروايات السابقة صريحة بأن بعض الصحابة أحدثوا في الدين ما ليس فيه وأنهم ارتدّوا على أدبارهم- وفي نسخة ابن حجر: أعقابهم- القهقرى, وهذا التعبير الأخير يكاد يكون تعبيراً آخر لما ورد في الآية القرآنية الكريمة: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ}([96]) أي النكوص إلى أحكام ومفاهيم الجاهلية.

ومن هنا فإن قواعد المنهج العلمي تلزم المتمسّكين بإطلاق قاعدة >عدالة الصحابة< رفع أيديهم عن هذا الإطلاق والتسليم بأن في الصحابة من انحرف عن تعاليم الدين الإسلامي, كما عليهم الاعتراف بأن ما ينسبونه للشيعة من القول بارتداد بعض الصحابة ما هو في الواقع إلا صريح أخبار أهمّ مصادر أهل السنّة، أعني: صحيحي البخاري ومسلم.

التعليقة الثانية: يتّضح من هذه الروايات أن الصحابة الذين أحدثوا في الدين أو ارتدّوا على أدبارهم ليسوا بالعدد القليل، ودون أن ندخل في سجالات غير مثمرة عملياً بشأن تحديد هذا العدد, فإننا نستطيع أن نفهم من خلال ألفاظ الروايات - كنداء الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله : أصحابي أصحابي, أو قوله: ليتقطعنّ دوني رجال, أو تعبيره عن الصحابة المرتدين بـ(زمرة) أكثر من مرّة حتى قال: >فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم<- أن عددهم بلغ من الكثرة حدّاً كبيراً. فنحن نعلم - تبعاً لقواميس اللغة العربية- أن الزمرة هي الجماعة أو الفوج من الناس([97]): وقد علّق ابن حجر العسقلاني على مقطع :>فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم< الوارد في صحيح البخاري بقوله:

>الهَمَل (بفتحتين): الإبل بلا راعٍ. وقال الخطابي: الهَمَل ما لا يرعى ولا يستعمل, ويُطلق على الضوالّ, والمعنى: أنه لا يردُه [أي الحوض] إلا القليل؛ لأن الهَمَل من الإبل قليل بالنسبة لغيره<([98]).

التعليقة الثالثة: فسّر ابن حجر كلمة (رجل) الواردة في الحديث الأخير الذي نقلناه عن البخاري بقوله: >المراد بـ : (الرجل) المَلَك الموكل بذلك, ولم أقف على اسمه<([99]).

وتفسيره لا يخلو من غرابة؛ إذ لِمَ تعبّر الرواية وفي موضعين عن الملك بالرجل؟! من هنا نذهب إلى تفسير كلمة (الرجل) بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله في تراث مدرسة أهل البيت عليهم السلام بحقّ الإمام علي عليه السلام؛ إذ ورد أنه صلى الله عليه وآله قال فيه عليه السلام: (أنت قسيم الجنة والنار)([100]). وهو المعنى نفسه الذي ورد في تراث أهل البيت عليهم السلام أيضاً عن أمير المؤمنين نفسه، حيث قال: (أنا قسيم الله بين الجنّة والنار)([101]). ولا غرو في ذلك؛ إذ إن من كان حبّه وبغضه معياراً في هذه الدنيا للإيمان والنفاق، لا يُستكثر عليه أن يقول ذلك عن نفسه ويكون قسيم النار والجنة في الآخرة, فالدنيا مزرعة الآخرة كما قيل.

وقد سئل ابن حنبل عن قول أمير المؤمنين ذلك عن نفسه فأجاب:

>وما تنكرون من ذا؟ أليس روينا أن النبيَّ قال لعلي: (لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق)؟ قلنا: بلى, قال: فأين المؤمن؟ قلنا: في الجنة, قال: وأين المنافق؟ قلنا: في النار, قال: فعليّ قسيم الجنّة والنار<([102]).

التعليقة الرابعة: إن هذه الروايات صرّحت بأن في الصحابة من سينحرف عن دين الإسلام بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه سوف يُحدث في الدين، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أيضاً قوله: >أوّل من يغير سنّتي رجل من بني أمية<([103]).

وإنما أشير إلى هذه النقطة لأن هذا البحث إنما هو حلقة في سلسلة >معالم الإسلام الأموي< وأريد للقارئ أن يلاحظ أن هذا الارتداد والإحداث في الدين الذي تحدّثت عنه هذه الروايات بالمقدار الذي يقوّض نظرية عدالة الصحابة، فإنه يتبين أيضاً - ومن خلال مقارنة هذه الروايات بغيرها- أن قادة هذا التغيير والتحريف والارتداد إنما هم من داخل البيت الأموي وفي طليعتهم معاوية بن أبي سفيان.

تلخيص أهم الحقائق التي أفرزها البحث

إلى هنا انتهينا إلى عدة حقائق مهمّة أذكرها بنحو مجمل:

الحقيقة الأولى: أن القرآن الكريم حين يتحدّث عن الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله من المهاجرين والأنصار ويصفهم ببعض الأوصاف الخاصة فهو إنما يتحدّث عن فئة خاصة وليس عن مطلق من صحب رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهذه الفئة الخاصة هي الفئة المؤمنة الصادقة في اعتقادها.

الحقيقة الثانية: أن القرآن الكريم يتضمّن نصوصاً عديدة تحدّثت عن وجود فئة منافقة بين المسلمين كقوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}([104]) ونحن نعتقد أن نصَّ الآيات القرآنية على هذه الحقيقة وتصريحه بها، لا يقف حاجزاً أمام الإيمان بدعوى عدالة جميع الصحابة فقط, وإنما يفتح البحث عن مدى حجم هذه الفئة في الواقع الإسلامي آنذاك، وعن صفاتهم بحسب النصّ القرآني الكريم، وعن الوعيد الإلهي بشأن مصيرهم.

الحقيقة الثالثة: أن الحديث النبوي >لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق< الوارد في حقّ أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام يشكّل معياراً وأساساً للتمييز بين الصحابة المؤمنين عن الصحابة المنافقين. هذا علماً أننا إنما نخصّ الصحابة بقولنا هذا لا، لكي نحدّ من فاعلية هذا المعيار النبوي, وإنما لأن حديثنا فعلاً مقتصر على هذه الفئة، وإلا فإن المعيار النبوي يتجاوز دائرة الصحابة ليشكّل معياراً هامّاً في حياة جميع المسلمين في العصور كافّة.

الحقيقة الرابعة: أن النصّ القرآني الكريم والبيان النبوي الشريف وضعا بين أيدينا ثلاث ركائز للحكم على الصحابي ومدى عمق إيمانه:

أولاً: أن يكون مؤمناً (وعرفنا معيار الإيمان هنا).

وثانياً: أن لا يُحدث في الدين ولا ينقلب على عقبه القهقرى.

وثالثاً: - وهذا المعيار تحدّثنا عنه مفصلاً في موقع آخر([105])- أن لا يشمله الحديث النبوي >من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية< أي أن لا يكون ممن توانى أو تراجع عن بيعة الإمام الشرعي لزمانه، سواء في عدم بيعته منذ البدء - كما هو حال عبد الله بن عمر- أو في انقلابه ونكثه لبيعته بعد مبايعته له، كما فعل بعض من بايعوا الإمام علياً عليه السلام .

هل كان معاوية مبغضاً للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ؟

إن الملاحظة الأخيرة التي أدلينا بها في نهاية التعليقة الرابعة السابقة الذكر تعدّ خير مفتاح لدخول هذه الفقرة. إن هناك من يحاول أن يستفيد من وسائل الإعلام المعاصر لكي يمرِّر بعض المعلومات الخاطئة حول فهم الشيعة لمنزلة الصحابة ودورهم الجليل في خدمة الدين الإسلامي, وقد تبيَّن للقارئ الكريم - مما سبق في هذا البحث- مدى التشويه الذي يتعرّض له الفكر الشيعي في هذا الصدد؛ إذ ركّزنا على المعايير المهمّة للحكم على الصحابة، وطبيعة تعاطي النصّ القرآني المجيد والبيان النبوي الشريف مع هذا الموضوع, دون أن ندخل في مماحكات وجدالات في أشخاصٍ بعينهم؛ إذ كان يهمّنا التمهيد المنهجي والمقاربة العلمية للموضوع، قبل الحديث عن هذا الصحابي أو ذاك. ليس بوسع أحد مطالبة الآخر بتولي شخص ما أو فئة ما، قبل تحرير الأسس المنهجية التي يعتمدها القرآن الكريم وسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله في إشكالية التولّي والتبرّي. لقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}([106]).

حيث جعل القرآن الكريم من المنافقين والكافرين إخوة([107])، ونحن نعلم ما هو الموقف الذي حدّده القرآن الكريم للإنسان المسلم في علاقته مع الكافرين؛ إذ قال تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} (التوبة: 1-2).

إذن فالإنسان المسلم مطالب بالتبرّي من المنافقين والانفصال عنهم, وإذا عرفنا أن في الوسط الإسلامي المعاصر لرسول الله صلى الله عليه وآله من كان منافقاً، فإن دعوى الإنسان المسلم لموالاة الصحابة مطلقاً والقول بعدالتهم جميعاً هو موقف مناقض للتعاليم القرآنية المقدسة.

هذه هي الفكرة التي يركّز عليها المعتقد الشيعي الإمامي في تناوله لمسألة منزلة الصحابة، دون التمسّك ببعض الآيات القرآنية المطلقة وفصلها عن سياقها وعن الآيات الأخرى الموضحة لمعناها كما يفعل البعض بدافع من الاحتراب المذهبي والجدال الطائفي, وكما يحاول البعض ذلك حين يقول: إن القرآن أمرنا بالاستغفار للصحابة أو أمرنا بتولّيهم، دون أن ينبّه أو يشير إلى تفاصيل هذه الدعوى الكبيرة ويميّز بين طبقات الصحابة وأقسامهم بحسب النصوص القرآنية ذاتها. بل ولا يكتفي بهذا التدليس فقط وإنما يندفع للقول بأن الشيعة يكفّرون جميع الصحابة ويحطّون من منزلتهم ولا يستثنون منهم إلا عدداً قليلاً، في مسعى واضح لطمس الحقيقة وتشويه سمعة مذهب أهل البيت عليهم السلام بين أوساط جمهور المسلمين([108]).

لن نقف طويلاً عند أسماء أولئك الصحابة الذين فشلوا في اختبار >لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق< إذ إن هذا الموضوع يحتاج إلى فرصة أوسع وأشمل لنحيط بتفاصيل هذا البحث ونعطيه استحقاقه من التدقيق. ولكن سنحاول إن شاء الله أن نقف عند بعض كبار الصحابة الذين ادّعوا لهم الصحبة والاستقامة في الدين ولا ينفكّ البعض عن نعتهم بأمير المؤمنين والترضّي عليهم .. أقصد بذلك معاوية بن أبي سفيان الذي يعدّ بحقّ أوّل من أرسى وأسّس >معالم الإسلام الأموي< - عنوان هذه السلسلة من البحوث- من الناحية الفكرية والسياسية في داخل المجتمع المسلم.

سؤالنا المهم هنا: ما هو موقع معاوية من موضوع حبّ الإمام عليّ عليه السلام وبغضه؟ ما هي قيمته تبعاً للمعيار النبوي القائل: >لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق<؟ هل اجتاز معاوية هذا الاختبار بنجاح أم أنه وقع في شباك النفاق؟

لا يختلف اثنان في أن البغض عبارة عن بعد روحيّ جوهره الكراهية والنفور من الشيء المبغوض، كما أننا نعلم أن لهذا البعد الروحي مؤشرات ودوالّ تفصح عنه وتكشفه ، فقد يصرّح المرء تارةً بالبغض والكراهية للإمام علي عليه السلام بنحو مباشر وصريح، وفي هذا المجال لدينا عدة روايات سنقرأُها في حينها عن وجود فئة من الصحابة لا تتورّع عن البوح بذلك بل وتقول إنه يحبّ فلاناً من الناس لا لشيء إلا لأنه يبغض علياً عليه السلام .

وتارة أخرى تتمظهر هذه الكراهية في سلوك خارجي يتّفق الجميع على تفسيره بالبغض والنفور والحقد ، ولعل أبرز هذه التمظهرات السبّ واللعن والنيل من الآخرين والقدح فيهم.

في ضوء ما تقدّم أعلاه، يمكننا أن نعرف موقف معاوية من الإمام علي عليه السلام في علاقة (الحبّ والبغض) من خلال سلوكه وتعاطيه مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فهل كان معاوية ينال من الإمام علي عليه السلام ويسبّه ويلعنه أو أنه لا يوجد في سلوكه ما يدلّ على ذلك؟

الاعتقاد الذي نتبنّاه بنحو جازم في هذا الصدد: أن معاوية لم يكن ينال من علي عليه السلام ويسبّه فحسب بل كان المؤسّس الأوّل لثقافة عامّة وشاملة كانت تتّخذ من بغض علي عليه السلام ديناً تتعبّد به. كان معاوية قد أنشأ جيلاً وربّى مجتمعاً سوف يستمرّ لعقود لا يتعاطى مع عليّ عليه السلام إلا بالبغضاء والكراهية الشديدة الحاقدة. لنا في ذلك أكثر من دليل وأكثر من شاهد, قد يكون أوضحها أن معاوية كان محارباً لعلي عليه السلام باغياً عليه ومستحلاً لدمه كما يعرف الجميع ذلك، ولكن بعيداً عن موضوع حروب معاوية مع أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام فإنّ بوسعنا أن نضع بين يدي القارئ الكريم عدّة نصوص صحيحة تثبت أن معاوية كان مبغضاً للإمام علي عليه السلام كارهاً له؛ منها على سبيل المثال لا الحصر:

1. قال ابن ماجه القزويني في سننه: حدّثنا علي بن محمد, قال: حدّثنا أبو معاوية: قال: حدّثنا موسى بن مسلم, عن ابن سابط, وهو عبد الرحمن, عن سعد ابن أبي وقاص, قال: قدِم معاوية في بعض حجّاته فدخل عليه سعد, فذكروا علياً, فنال منه, فغضب سعد, وقال: تقول هذا لرجل سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: >من كنت مولاه فهذا علي مولاه< وسمعته يقول: >أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي< وسمعته يقول: >لأعطين الراية اليوم لرجلٍ يحبّ الله ورسوله<([109]).

وقد علّق عليه محقّقو الكتاب (وفيهم شعيب الارنؤوط الذين هو أحد أعلام الجرح والتعديل المعاصرين) بالقول :

(حديث صحيح, وهذا سندٌ رجاله ثقات.

وأخرجه النسائي في >الكبرى< [...] بهذا الإسناد. وأخرجه بأطول مما هنا دون قوله: >من كنت مولاه فعلي مولاه<: مسلم [...] والترمذي [...])([110]).

2. وقد أورد الحديث أعلاه محمد ناصر الدين الألباني في كتابه >صحيح سنن ابن ماجة<, أي أنه عدَّ هذا الحديث من الأحاديث الصحيحة, ثم قال معلّقاً على ما ورد في الحديث من عبارة: (فنال منه) بقوله: >أي: نال معاوية من علي, وتكلّم فيه<([111]).

وإنما أنقل تعليق الألباني الذي يتضمَّن تصريحاً بأن السابَّ والنائل من عليٍّ هو معاوية؛ لأنه سيتّضح بعد قليل أن هذا الحديث قد طالته يد التلاعب والتغيير من خلال حذف الأسماء وإبدالها بالضمائر ليسهل تأويلها وحرف مداليلها الحقيقية([112]).

هذا وقد سبق الألباني إلى هذا التفسير الإمام أبو الحسن السندي الحنفي في شرحه لسنن ابن ماجة, حيث قال شارحاً لهذه العبارة:

>أي: نال معاوية من علي ووقع فيه وسبّه, بل أمر سعداً بالسبّ، وكما قيل في مسلم والترمذي. ومنشأ ذلك الأمور الدنيوية التي كانت بينهما, ولا حول ولا قوة إلا بالله, والله يغفر لنا ويتجاوز عن سيئاتنا, ومقتضى حسن الظن([113]) أن يحصل السب على التخطئة ونحوه مما يجوز بالنسبة لأهل الاجتهاد لا اللعن وغيره<([114]).

وإنما أكَّدتُ على بعض عباراته لأوضّح أنه لا وجه لما ذهب إليه من حمل فعل معاوية على أنه مجرّد خلاف على>أمور دنيوية< كانت بينه وبين أمير المؤمنين عليه السلام , فهذه محاولة تبسيطية غريبة!! ليس لأنها لا تملك أيَّ رصيد علمي بناء على الوثائق المتوفّرة بين أيدينا التي توضّح دوافع كلّ من الإمام علي عليه السلام ومعاوية في نشوء هذا الخلاف، بل ولأنها تحاول أن تطوي - هكذا وبدون عناء- صفحة من أشدّ صفحات التاريخ الإسلامي مأساة ودموية وتمزيقاً لحياة المجتمع الإسلامي.

لم يكن منشأ الخلاف لدى الرجلين واحداً حتى يقال: (ومنشأ ذلك الأمور الدنيوية التي كانت بينهما)، إن الأمور الدنيوية لم تكن هي المنشأ >بينهما< بل هي حكرٌ على معاوية فقط، أما بالنسبة إلى أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام فالمسألة كانت أعمق من ذلك بكثير، كانت مسألة دين الإسلام ومبادئ الإسلام، كانت الحفاظ على عقيدة التوحيد وتعاليم الشريعة الإسلامية، وبعبارة واحدة: كانت مسألة إسلام وجاهلية وليست مسألة حكم وسلطان. ونصوص التأريخ كلُّها تشهد بذلك وأن معاوية كان قائده الهوى وحبّ السلطان ومخالفة الحق وإرادة الباطل([115]) حتى إن أمير المؤمنين بعد أن فرغ من قتال الخوارج قال كلمته الشهيرة: (لا تقتلوا الخوارج بعدي! فليس من طلب الحقَّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه) مشيراً بالأخير إلى معاوية ودوافعه الحقيقية. وحتى لو جرَّدنا الإمام أمير المؤمنين من عصمته - كما تتبنّاها مدرسة أهل البيت عليهم السلام- فإن التاريخ الإسلامي اللاحق لشهادته عليه السلام يقف إلى جانبه، وأثبت بنحوٍ لا يقبل الشكّ صدقَ كلماته في معاوية وأمثاله، ويبيَّن حقيقة النوايا ودوافع الخلاف حين تحوَّلت خلافة رسول الله صلَّى الله عليه وآله إلى ملك عضوض يورَث، تُبعثَر فيه أموال المسلمين وتُهدَر كرامتهم، وتُعطَّل فيه تعاليمُ الشريعة وتشوَّه فيه عقائدهم.

وإنني إذ أعلم أن هذه النقاط بحاجة إلى مزيد إيضاح وتفصيل ورفع الغموض والتزييف التاريخي الذي طالها والتي عقَّدت عملية كشف الحقيقة للقارئ العادي، إلّا إنني أرجو من الله تعالى أن يوفّقني في القادم من حلقات هذه السلسلة (سلسلة معالم الإسلام الأموي) إلى معالجة ذلك بنحو علمي دقيق إن شاء الله تعالى.

على أن اعتماد منطق التخطئة واعتبار معاوية مجتهداً فأخطأ، ما هو إلا محاولة صريحة للالتفات على حديث رسول الله صلى الله عليه وآله (لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) والأحاديث الصحيحة الأخرى التي قرأنا على مسامع القارئ بعضاً منها والتي تساوق بنحو جليّ بين سبّ علي وسبّ رسول الله بل بين سب علي وسب الله تعالى. فمعاوية الذي يجب أن يُعدّ منافقاً وسابّاً لله ورسوله أصبح في ضوء هذا المنطق مجتهداً مأجوراً عند الله على اجتهاده وإن أخطأ في اجتهاده. وهذه محاولة يائسة لترقيع وجه معاوية القبيح وتلطيفه, وليس خافياً على القارئ الفطن أن الأمر لو كان عكس ما كان في الواقع، أي أن علياً الساب ومعاوية هو البريء، لما وجدنا من يحمل فعل الإمام علي عليه السلام على مقتضى حسن الظن، بل لوجدنا الكثيرين يسارعون لسوء الظن به عليه السلام والتشنيع عليه وقذفه بما لم يصدر منه كما سيفعل ابن تيمية وأمثاله لاحقاً.

أما قول السندي إن كلمة (نال منه) لا تعني اللعن وغيره بل مجرّد السب والوقيعة فيه مما >يجدر بالنسبة إلى أهل الاجتهاد< فمع أنه مجرّد افتراض واهٍ لا شاهد عليه من التأريخ - بل إن السب وحده يُعدّ موبقة لمعاوية؛ لمخالفته لصريح حديث رسول الله صلى الله عليه وآله بل ومخالفته لتعاليم الإسلام العامة التي تحظر على الإنسان المسلم أن يكون بذيئاً سبّاباً فاحش القول- فإن التأريخ ينصّ على نقيض ذلك ويذكر أن معاوية هو أول من أرسى دعائم النصب وأول من دشّن لعن علي عليه السلام على منابر المسلمين، وسوف نعود إلى هذه النقطة بعد قليل ونزيدها إيضاحاً ليعرف القارئ إلى أي مدى يتمادى البعض في ضلاله في الدفاع عن معاوية.

3. كما نقلت هذه الرواية أيضاً في كتاب: >المصنف< لأبي شيبة العبسي الكوفي (ت235هـ) وهو كتاب في غاية الأهمية نظراً لقدمه وعراقته أولاً, ولأنه تضمَّن معلومات هامّة تمّ التلاعب بها وتغييرها لاحقاً، ثانياً.

قال أبو شيبة - وإسناده نفس إسناد ابن ماجة-: (عن سعد، قال: قدم معاوية في بعض حجاته فأتاه سعد فذكروا علياً، فنال منه معاوية، فغضب سعد فقال: تقول هذا لرجل سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول له ثلاث خصال، لأن تكون لي خصلة منها أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: >من كنت مولاه فعليّ مولاه<، وسمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: >أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنه لا نبيَّ بعدي<، وسمعت رسول الله يقول: >لأعطين الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله<)([116]).

وعلّق محقّق الكتاب محمد عوامة قائلاً:

>إسناده قوي، وقد رواه ابن أبي عاصم في (السنّة) عن (المصنف)، به . [...] ورواه بمثل إسناد (المصنف): ابن ماجة. ورواه النسائي من طريق موسى بن مسلم، به. ورواه جماعة إلا قوله: (من كنت مولاه فعلي مولاه) فعندهم بدله: (اللهم هؤلاء أهلي) وذلك عند نزول قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ}. ورواه بهذا اللفظ: أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، والحاكم<([117]).

ولقد راجعت جميع هذه المصادر ولم أجد فيها كلمة >معاوية< بل تمّ استبدالها بالضمير! وهذا هو ما أشرنا إليه سابقاً من محاولات التلاعب بهذا الحديث. ومن هنا فإنني أنصح القارئ الكريم بالعودة إلى المصادر الأصلية القديمة سواء أكانت مخطوطة أم مطبوعة محقَّقة من قبل الباحثين المعاصرين.

إذن حتى الآن تبيَّن لنا أن الروايات واضحة وصريحة في أن معاوية كان يسب علياً وينال منه، بل اتضح لنا أنه كان يأمر بفعل ذلك، كما لاحظنا ما فعله مع سعد بن أبي وقَّاص.

كلّ كلامنا هذا كان في القسم الأول والمرحلة الأولى من علاقة معاوية بموضوع (حبّ عليّ وبغضه) وقد تبيَّن لنا أن معاوية كان على المستوى الشخصي يسب علياً عليه السلام وينال منه ويشتمه على مرأى من الصحابة والمسلمين.

أما القسم الثاني من كلامنا عن طبيعة علاقته بموضوع (حبّ أو بغض) الإمام علي عليه السلام ، وهي المرحلة الثانية والأهم من تلك العلاقة، فقد كانت أوسع دائرة من مجرّد موقفه الشخصي وفعله الفردي بسبّ الإمام علي عليه السلام وشتمه وبغضه، بل امتدّ الأمر إلى الصعيد الاجتماعي والقواعد الشعبية للمجتمع المسلم، أي أن معاوية أقام سنّة وظاهرة اجتماعية تمارسها جماهير المسلمين تعتبر سبَّ علي عليه السلام ولعنه أمراً مشروعاً في نظر الإسلام بل ومحبَّباً ومرغّباً فيه، بل وتحضّ المسلمين على عدّه ديناً يلتزم به المرء المسلم في التقرّب إلى الله تعالى.

هنا نجد معاوية يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يربّي جيلاً ومجتمعاً كاملاً على سب الإمام علي عليه السلام ولعنه. إننا أمام مشروع ثقافي وفكري وعقائدي يكرِّس كلّ جهود الدولة بما تملك من جهاز إعلامي (أئمة مساجد، خطباء صلاة الجمعة، حلقات الرواة والمدرّسين وغيرهم) وموارد مالية لقلب موازين الحبّ والبغض في العقل المسلم، واستحداث معايير جديدة في التعاطي مع مسألة التولّي والتبرّي، إنها صناعة جديدة كلّ الجدة في خلق مشاعر المسلمين وعواطفهم وتوجيهها في خدمة المشروع السياسي الشخصي، بل إن أهداف هذا المشروع وتأثيراته لم تعد تقتصر على الجمهور الذي ربما يوصف بالسطحية والسذاجة الفكرية إنما شملت شريحة واسعة من العلماء والمفكرين المسلمين الذين خدموا في كتبهم وتنظيراتهم هذا المشروع وصنعوا منه مذهباً فكرياً يدعون المسلمين إلى اعتناقه والانخراط فيه، ومن أهمّ هؤلاء العلماء الذين قادوا هذا المشروع: ابن كثير وابن حجر وابن تيمية وابن القيم والذهبي.

كيف فعل معاوية ذلك؟ لنستمع إلى عبارة الذهبي في كتابه (سير أعلام النبلاء)، قال:

>وخلف معاوية خلق كثير يحبّونه ويتغالون فيه ويفضّلونه؛ إما قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء، وإما قد وُلدوا في الشام على حبّه. وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة، وعدد كبير من التابعين والفضلاء، وحاربوا معه أهل العراق، ونشؤوا على النصب، نعوذ بالله من الهوى<([118]).

إن ما يصفه الذهبي بـ (الحلم) في شخصية معاوية هو (الدهاء) الذي اتفقت مصادر التاريخ على نعت معاوية به، أما موضوع الكرم والعطاء فهو تعبير آخر عن سرقة بيت المسلمين واستثماره في أهداف الحاكم الشخصي ... إلا أن ما يهمّنا في عبارة الذهبي هو وصفه المجتمع الشامي آنذاك بقوله: >ونشؤوا على النصب<([119]). ومن الواضح أن الإنشاء المذكور هو عبارة عن مشروع السلطة ودعايتها باتجاه بغض الإمام علي عليه السلام ونصب العداء له، الذي يقف معاوية على قمّته، والذهبي وإن لم يصرح بأن معاوية فعل ذلك مباشراً وتحت إشرافه إلا أن القارئ يفهم أن تربية أولاد الشاميين وامتلاكهم بـ (الكرم والحلم والعطاء) - على حدّ تعبير الذهبي- لم تكن دون هدف وغاية ... فما هي الغاية من تلك التربية ومن كانت تخدم؟ إنه النصب وليس شيئاً آخر، وإلا فهل ولد هذا النصب اعتباطاً ومن فراغ؟! لقد ذكر الذهبي آلية المشروع ونتيجته، وصمت عن التصريح باسم المسؤول عن تحقيقه! ولن تترخى فطنة القارئ عن اعتبار معاوية تحديداً المسؤول عن ذلك.

ولكي يتأكد القارئ الكريم من أن الذهبي يعرف أن معاوية هو المسؤول الأول والمباشر عن ذلك، ننقل الجزء الآخر من عبارته المتقدمة حيث يتحدّث في هذا الجزء عن مشروع الإمام علي عليه السلام في العراق، عادّاً إياه مشروعاً مقابلاً ونداً لمشروع معاوية في الشام، ثم يشرع في ذكر ما يراه تفسيراً لهذه الظاهرة ... وحيث إن الذهبي يجعل من وعي العراقيين وفهمهم لمعاوية وعلاقتهم به صنيعة لسياسة الإمام علي عليه السلام فيهم، فإننا نفهم ـ ومن خلال منطق المقابلة ـ من هو المسؤول في نظر الذهبي عن صنع وعي الشاميين وفهمهم للإمام علي عليه السلام وطبيعة علاقتهم به ... يقول مواصلاً لعبارته السابقة:

>كما نشأ جيش علي رضي الله عنه ورعيته – إلا الخوارج منهم- على حبه والقيام معه، وبغض من بغى عليه والتبري منهم، وغلا خلق كثير منهم في التشيع. فبالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم لا يكاد يُشاهد فيه إلا غالياً في الحب، مفرطاً في البغض ومن أين يقع الإنصاف والاعتدال<([120]).

في هذه العبارة يختزل الذهبي مشروع معاوية بإنشاء أهل الشام على حبّه وبغض الإمام علي عليه السلام بأنه مشروع سلطة يقابله من الضفة الأخرى مشروع سلطة أيضاً (هو مشروع الإمام علي في أهل العراق) ينشئ ويربّي رعيّته أيضاً على حبّه وبغض معاوية. أما بالنسبة للجمهور فالمسألة أنهم - في نظر الذهبي- ضحية للتربية السياسية والمناخ الاجتماعي.

لقد سُئلت عدّة مرات من قبل القرّاء المتابعين لكتبي ومحاضراتي: ما هو دليلك على عدِّ شمس الدين الذهبي ناصبياً؟ وها أنا أذكر للقراء بعض نصوص هذا الرجل التي تدلّ على نصبه. فهل يجهل الذهبي الفرق بين حبّ علي عليه السلام وبغضه؟ بين من أحبّ علياً وبين من أحبّ معاوية؟ هل مسألة حبّ علي عليه السلام هي مجرّد تربية ونشأة اجتماعية تُعلَّق على مناخات الصراع السياسي على السلطة أم أن حبّه عليه السلام مسألة تربية القرآن الكريم وتربية رسول الله صلى الله عليه وآله الذي دعا المسلمين لحبّ علي عليه السلام وبغض من يبغضه أو يسبّه أو ينال منه؟ هل يمكن اختزال حبّ علي عليه السلام وبغضه بكونه مجرّد احتراب سياسي أم أن المسألة هي مسألة تعاليم دين الإسلام ومفاهيم الإسلام وقيمه ومعاييره في الولاء والتبري؟ مَ الذي يفترض بالمسلم أن يفعله في مثل هذه الحالة؟ هل يدمج علياً عليه السلام في صراعات السلطة ويجعله نظيراً لمعاوية وبالتالي يتخلى عن كلّ التراث النبوي الوارد في حق علي عليه السلام وحبه، والحثّ على توليه والانتماء إليه؟ أم يفضح معاوية ومخططاته الخبيثة وردّه على مبادئ الإسلام وتعاليم رسوله العظيم صلى الله عليه وآله؟

الجواب على هذا السؤال هو ما يحدّد معنى النصب هنا.

ولن يخفى على القارئ الكريم الطرَف الذي اختار الذهبي أن يكون فيه. بل إنه لا يكتفي بذلك وإنما يصرّح باستغفاره وحبّه للبغاة وترحّمه عليهم فيقول مواصلاً عبارته السابقة أيضاً:

>فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمانٍ قد انمحص فيه الحقّ واتضح من الطرفين، وعرفنا مآخذ كلّ واحد من الطائفتين، وتبصّرنا، فعذرنا، واستغفرنا، وأحببنا باقتصاد، وترحّمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة، أو بخطأٍ إن شاء الله مغفور، وقلنا كما علَّمنا الله: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا})([121]).

فالذهبي "المتبصّر" قادته بصيرته أن يكتفي مع علي عليه السلام بأن يحبّه بـ(اقتصاد). أما معاوية، فهو وإن كان باغياً - كما يعترف الذهبي نفسه- إلا أنه باغٍ بـ (تأويل سائغ في الجملة) أو بـ (خطأٍ إن شاء الله مغفور)؛ ولذا فهو معذور عنده، كما أنه - أي الذهبي- طالبٌ له المغفرة، مترحّم عليه، لا يفتأ يدعو الله أن لا يجعل في قلبه غلاّ له لأنه من (الذين آمنوا).

ولكي يكتشف القارئ هشاشة محاولة الذهبي في الدفاع عن معاوية، ما عليه إلا أن يدقق في كلمتيه: (تأويل سائغ في الجملة) و(إن شاء الله مغفور) ليعرف مدى ما في هاتين العبارتين من رخاوة ولين ورجاء متحايل سيُرتّب عليهما نتيجة في منتهى الخطورة وهي دمج معاوية بنحو جازم في (الذين آمنوا) الذين حثت الآية المؤمنين أن يدعو الله تعالى بأن لا يجعل في قلوبهم غلاّ لهم؟! فبدل أن يكون معاوية منافقاً بمنطق حديث رسول الله صلى الله عليه وآله : (لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) صار معاوية تبعاً لمحاولة الذهبي الخجولة في البداية (مؤمناً)، لا يُشكّ في إيمانه في النهاية؟!

لنترك الذهبي في بصيرته التي يتشدّق بها ولنواصل ما بدأنا به من أصل الموضوع وهو إنشاء معاوية وتربيته لمجتمع بأسره على بغض الإمام علي عليه السلام ، فقد وصل الأمر بالمجتمع الإسلامي أن يترك سنة رسول الله صلى الله عليه وآله خوفاً من معاوية أن يأخذهم بجريرة حبّ الإمام علي عليه السلام ! وإليك قارئي الكريم هذين الحديثين اللذين يغنيانا عن الكثير من نظائرهما حيث ترك الناس سنة رسول الله صلى الله عليه وآله خوفاً من معاوية أن يتهمهم بحبّ الإمام علي عليه السلام:

1. ورد في سنن النسائي (وصحَّحه الألباني) ما يلي:

>عن سعيد بن جبير، قال: كنت مع ابن عباس بعرفات، فقال: ما لي لا أسمع الناس يلبّون؟ قلت: يخافون من معاوية. فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال: لبّيك اللهم لبّيك لبّيك! فإنهم قد تركوا السنّة من بغض علي<([122]).

2. وقد قال الإمام السندي في تعليقته على شرح السيوطي لسنن النسائي موضحاً قول ابن عباس (فإنهم تركوا السنّة من بغض علي) ما يلي: (وما بين القوسين من وضع الإمام السندي نفسه، وهو عبارة عن نص فقرات الرواية المشروحة):

>[...] وبهذا ظهر منشأ الخلاف بين العلماء في التلبية في عرفات، وظهر أن الحقّ مع أيّ الفريقين (من بغض علي) أي لأجل بغضه، أي وهو كان يتقيد بالسنن فهؤلاء تركوها بغضاً له<([123]).

ونختم هذه الفقرة من البحث، وبها ننهي هذه الدراسة، بذكر بعض الأبيات التي نظمها ابن كثير الدمشقي - وهو واحد من أهمّ أعلام الإسلام الأموي- في نهاية كتابه (البداية والنهاية) نص فيها على أن معاوية بن أبي سفيان كان ناصبياً مبغضاً لأمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام ، فبعد أن نقل أرجوزة بأسماء جميع "الخلفاء" لبعض من وصفه بالفضلاء قال: >قال الشيخ عماد الدين ابن كثير: ثم قلتُ أنا بعد ذلك أبياتاً< وذكر عدة أبيات عن غزو التتار لبلاد المسلمين وإسقاطهم للخليفة العباسي وما جرى آنذاك، وبعده من أحداث، ثم جاء في قصيدة أخرى على بعض شؤون الخلفاء الفاطميين في مصر، وأخيراً يفرد قصيدة بأحوال بني أمية قال في مطلعها ما يلي:

وهكذا خُلفا بني أُميَّة
ولكنِ المدةَّ كانت ناقصة
وكلهم قد كان ناصبيّا
معاويةْ ثم ابنُهُ يزيدُ

عدَّتُهم كعدَّة الرفضية
عن مئة من السنين خالصة
إلا الإمام عمر التقيا
وابنُ ابنهِ معاويَ السديد([124])


المعلم الأول

القدح في عترة النبي؛

سب علي عليه السلام وبغضه

· توطئة: موضوع البحث وأهدافه

· العترة الطاهرة في مدرسة أهل البيت ومدرسة الصحابة

· التصنيف الثلاثي لمدارس الإسلام في كلمات بعض الأعلام

· بعض الشواهد على المعلم الأموي الأول

· السياسة الأموية في كلمات بعض الأعلام

· تأثيرات السياسة الأموية على علم الجرح والتعديل



توطئة: موضوع البحث وأهدافه

ليس هناك ما هو أعقد من محاولة كتابة التاريخ الفكري لجماعة ما؛ والسبب في هذا التعقيد لا يعود دائماً إلى قلّة الوثائق المعتمدة في هذا الشأن وطبيعتها ومدى وثاقتها وتعارضها فيما بينها فحسب، وإنما قد يعود إلى إشكالية أخرى تتمثّل بعلاقة هذا التاريخ بالسياسة والسلطة وما تتركه هذه العلاقة من التباسات في تقصّي حقيقة هذا التاريخ ومعرفة أبعاده وواقعه.

إن تحليل أغوار هذه الإشكالية بنحو مفصَّل، يُخرج هذا البحث عن أهدافه التي رُسمت له ولكن من أجل أن يستوعب القارئ الكريم ما نرمي إليه بهذه الملاحظة، ندعوه إلى التفكير في أبسط صور هذه الإشكالية وهي الصورة التقليدية لعلاقة اتجاه فكري ما بالسياسة، حيث تكون علاقة الاتجاه الفكري المراد كتابة تاريخه على أحد شكلين: إما علاقة متماهية مع السياسة والسلطة الحاكمة، خاضعة لأفكارها وتوجّهاتها وأهدافها، أو علاقة معارضة لها ولرجالها وأجندتها. وفي الحالتين تلعب السياسة دوراً مضاعفاً في ضبابية المشهد الفكري وغموضه وتشويهه:

ففي الحالة الأولى تعمل السلطة السياسية على تجميل المقولات الفكرية لهذا الاتجاه وتخفي مصادره وأهدافه ثم تعمل على دمجه وترقيعه بمقولات فكرية أخرى يتقبّلها جمهور المتلقّين، وبذلك يتمّ تلبيس الاتجاه عليهم وإخفاء معالمه الحقيقية تحت ستار عنوان آخر أو هدف آخر.

وفي الحالة الثانية تعمل السلطة السياسية على عكس ما فعلته في الحالة الأولى، من خلال قيادتها لحملة من التشويه والتصفية والملاحقة لرجالات ذلك الاتجاه الفكري المعارض، ومحاولتها درس مصنّفاتهم وكتبهم، وهذا بدوره يترك لبساً كثيراً عند المؤرّخ الباحث عن الحقيقة ويضاعف جهده، وقد لا يوفَّق بنحوٍ مُرضٍ لاستجلاء أبعاد الواقع الحقيقي لمضمون وأهداف هذا الاتجاه المعنيّ بالبحث.

الصفحات القادمة من هذا البحث تحاول الاقتراب من موضوع يعاني أمثال هذه الصعوبات، بل هو موضوع خلقته السياسة أساساً وليس ضحيةً لبرامجها كما سنعرف. الموضوع عبارة عن السؤال التالي: هل الإسلام الذي بشَّر به البيت الأموي، وعلى رأسه عميد هذا البيت (معاوية بن أبي سفيان)، هو نفسه الإسلام الذي أرسى قواعده نبيُّ الإسلام صلَّى الله عليه وآله كما نعرفه في المصادر الإسلامية الموثَّقة والمعتبرة، أم أن نسخة هذا البيت عن الإسلام تختلف في معالمها وأهدافها ومنهجها عن الأول؟

إن السياسة العامة التي عمل عليها البيت الأموي تتمثل بخطوتين:

الخطوة الأولى: إرساؤهم لمجموعة واسعة من القواعد والمبادئ داخل المجتمع الإسلامي على الصعيدين الفكري والسياسي تُناقِضُ بنحوٍ واضحٍ تعاليمَ الإسلام ومفاهيمَه، كإشاعتهم للنعرات القبلية، وتشويههم مفهوم الفتوحات الإسلامية، واستئثارهم بأموال المسلمين، ونصبهم العداء لآل النبي الأعظم صلَّى الله عليه وآله وغير ذلك.

الخطوة الثانية: إشاعتهم لفكرة أن الإسلام الذي يروّجون له هو نفسه إسلام صحابة رسول الله صلَّى الله عليه وآله، وعليه فإن من يقدِّر الصحابة ويحرص على التزام نهجهم في فهم الإسلام ملزمٌ - ضرورةً - بتقدير رجالات البيت الأموي واتّباع سياساتهم، كما عليه أن يُحسن الظن بهم ويعترف بفضيلتهم وحسن معتقدهم الذي هو نفسه معتقد الصحابة.

من هنا فإن هذا البحث الذي بين يديك عزيزي القارئ يسعى - وهو يجيب على السؤال أعلاه- أن يقوم بمهمّتين مزدوجتين في الوقت ذاته:

المهمة الأولى: تقديم تصوّر علميّ، موثَّق وواضح، للقارئ الكريم عن بعض معالم هذا الإسلام الأموي المخالفة والمناقضة لتعاليم الإسلام، وإثبات أن البيت الأموي كان يكيد - ومن أول دخوله في الإسلام- شرّاً لكلٍّ من الإسلام ونبيّه صلَّى الله عليه وآله ويطمح للقضاء عليه أو تشويهه، وقد وقع اختيارنا - من بين الكثير من تلك المعالم التي توضّح هذه الحقيقة- على مَعْلمٍ في غاية الأهمية اتَّخذه هذا البيت سياسة عامة لم يَحُد عنها طيلة فترة حكمه، وهو عبارة عن موقفه من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وما قام به في هذا الاتجاه من نصب لهم وإنكار لفضائلهم وقتل لهم وتنكيل بهم، وبعبارة واحدة: كيف أنه كان يريد القضاء على الإمام علي وأهل بيته عليهم السلام قضاءً مبرماً، بل كان يريد القضاء حتى على الصحابة الذين يُجلّون علياً وأهل البيت ويحترمون مكانتهم في تاريخ الإسلام ولم يتبنّوا أو ينسجموا مع هذا الاتجاه الأموي.

المهمة الثانية: إثبات كذب دعوى البيت الأموي من أنه يمثّل إسلام الصحابة أو أنه يسير على نهجهم وتعاليمهم، أو أنّ ما يروّج له من أفكارٍ ومعتقداتٍ وسياساتٍ إنما هي أفكار الصحابة ومعتقداتهم وسياساتهم.

الجميع يعرف أن مدرسة أهل البيت عليهم السلام ترفض نظريةَ عدالة الصحابة المطلقة، وأن موقفها منهم يخضع لمقدار التزامهم بمبادئ الإسلام دون فرق بينهم وبين بقية الأشخاص الذين سينتمون لاحقاً للإسلام، وهي تعترف للغالبية العظمى منهم بفضيلتهم وجهادهم وتضحيتهم من أجل الرسالة الإسلامية ونشرها، وعليه فإن هذا البحث يحاول أن ينزع لباس الشرعية الذي ارتداه البيت الأموي حين ادَّعى أنه ينطلق في عقائده الفكرية ومواقفه السياسية من مرجعية الصحابة، ولعلّنا سنشير - في هذا البحث وفي غيره من الأبحاث اللاحقة- إلى أولئك الصحابة الذين اعتمدهم البيت الأموي كمرجعية له، ومكانتهم وحجمهم، ومقدار الدور الحقيقي الذي لعبوه في تاريخ الدعوة الإسلامية، ونثبت زيف هذه المغالطة التاريخية الكبرى التي روَّجها البيت الأموي وشيعته، من أن صحابة رسول الله صلَّى الله عليه وآله كانوا إلى جانبه وأنه كان يمثِّلهم وينطق باسمهم.

إن خطورة ما طرحه البيت الأموي بشأن المعتقد والتاريخ الإسلاميين لا يكمن فقط في مجرد كونه دعوى كاذبة هدفها تزييف التاريخ من أجل استمالة الناس، وإنما لكون هذا البيت قد سعى بنحو حثيث لتربية المجتمع الإسلامي على ذلك الطرح وإقناعهم به، والأنكى من ذلك هو مواصلة بعض أعلام المسلمين السير على نفس الاتجاه الذي أرساه بنو أميّة، والتأسيس له فكرياً باعتباره إسلام الصحابة والسلَف الأول للأمّة الإسلامية. ما سنهتمّ به، وبحدود ما يتّسع له هذا البحث، هو تفكيك هذا النحو من التدليس لتاريخنا الفكري وبيان أن البيت الأموي حمل وروَّج لإسلامٍ ليس هو إسلام الصحابة، انتهى به المطاف إلى جملة من النتائج المنحرفة الخطيرة على الإسلام.

قلنا سابقاً إنّ المهمة الأولى لهذا البحث هو بيان معالم الإسلام الأموي المخالفة للإسلام النبوي، وإنّ المعلَم الذي سنقوم بدراسته في هذه الأبحاث هو موقف البيت الأموي المناوئ للعترة النبوية الطاهرة. ما نودّ أن نلفت عناية القارئ إليه هو أننا سنقتصر - في هذا الجزء تحديداً- على توضيح هذا الموقف بخصوص الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وكيف أن البيت الأموي سعى إلى القضاء على ذكر الإمام علي عليه السلام والتنقيص من مقامه وإنكار فضائله ومناقبه. ولكن قبل أن نبدأ بتفاصيل البحث سوف نشير بنحو عام إلى تصوّر كلّ من مدرستَي أهل البيت عليهم السلام ومدرسة الصحابة بشأن أهل بيت النبي صلَّى الله عليه وآله ليتضح لاحقاً مدى اختلاف الاتجاه الأموي عن مدرسة الصحابة وابتعاده عن أفكارها وتصوّراتها، ولاحقاً سأنقل للقارئ كلمات بعض من ذهب إلى أن الأمويين يمثّلون اتجاهاً خاصّاً في مدارس الإسلام غير مدرسة العترة عليهم السلام ومدرسة الصحابة.


العترة الطاهرة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام

ومدرسة الصحابة

في كل مرّة نستخدم عبارة >أهل البيت< في هذه الدراسة فإننا نعني به اصطلاحاً خاصّاً لا يخضع لمحدّدات المعنى اللغوي في تفسير معنى(أهل بيت الرجل) كما توضحه معاجم اللغة العربية، وإنما هو عبارة عن مفهومٍ خاصٍّ محدّدٍ دلّت عليه نصوص متواترة تحصره بـ(علي وفاطمة والحسن والحسين) ومن لَحِقَ بهم من أئمة أهل البيت التسعة الآخرين، الذين دلّ الدليل من قِبل نفس أهل البيت في الزمن الأول على شمول المتأخّرين منهم بهذا الاصطلاح.

أهمّ ركائز التصور الذي تبنّته مدرسة أتباع أهل البيت عليهم السلام عن أئمتهم ركيزتان:

الركيزة الأولى: إيمانها من الناحية العقدية بعصمة الإمام علي وفاطمة الزهراء والأئمة من ذريتهما، وأنهم عليهم السلام جميعاً امتداد طبيعي للنبي صلى الله عليه وآله ومرجعيته الإلهية في تمثيل الإسلام واستقاء تشريعاته وقيمه وتعاليمه.

الركيزة الثانية: اعتقادها من الناحية السياسية، فيما يتعلق بمنصب الخلافة والولاية بعد رسول الله صلَّى الله عليه وآله، أنهم عليهم السلام خلفاؤه الشرعيون حصراً.

أما فيما يتعلق بمدرسة الصحابة، فإنها وإن لم تعتقد بالأصلين المشار إليهما أعلاه، أي أنها لا تؤمن بعصمة أهل البيت عليهم السلام ولا بحصر الخلافة السياسية بعد رحيل نبي الإسلام صلى الله عليه وآله بهم، إلا أنها تعتقد أن للإمام علي وأهل بيته مقاماً رفيعاً في الإسلام، وأن علياً - بنحو خاص- رابع الخلفاء الراشدين المهديين بعد رسول الله صلَّى الله عليه وآله، وأن حبّه إيمان وأن بغضه نفاق، وأنه أحد العشرة المبشَّرين بالجنة، وأن الخارج عليه يكون باغياً وفاسقاً ومستحقّاً للنار ما لم يتب. ونفس هذا الاعتقاد تتبنّاه هذه المدرسة فيما يتعلّق بالصدّيقة الزهراء والإمامين الحسن والحسين من التقدير والتبجيل والمحبّة والاعتراف بفضائلهم ومناقبهم وأن الحسنين عليهما السلام ريحانتا رسول الله صلى الله عليه وآله وسيدا شباب أهل الجنة وأنهما وأباهما وأمّهما أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً.

أما بقية أئمة أهل البيت التسعة من ذرية الإمام الحسين عليه السلام فلا خلاف بين مدرسة الصحابة على تقديرهم والثناء عليهم والاعتراف بعلمهم ومقامهم الجليل.

قال المحقق المناوي(952 - 1031هـ)([125]) في ذيل شرحه للحديث رقم (2631) من كتاب الحافظ جلال الدين السيوطي (الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير): (إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لم يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض) شارحاً عبارة >أهل بيتي< بما يلي:

>تفصيل بعد إجمال بدلاً أو بياناً، وهم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، وقيل: من حَرُمت عليه الزكاة، ورجَّحه القرطبي، يعني: إن ائتمرتم بأوامر کتابه وانتهيتم بنواهيه، واهتديتم بهدي عترتي واقتديتم بسيرتهم، اهتديتم فلم تضلّوا. قال القرطبي: وهذه الوصية وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب احترام أهله وإبرارهم وتوقيرهم ومحبّتهم وجوبَ الفروض المؤكَّدة التي لا عذر لأحد في التخلّف عنها. هذا مع ما عُلم من خصوصيتهم بالنبي صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم وبأنّهم جزء منه، فإنهم أصوله التي نشأ عنها وفروعه التي نشأوا عنه، كما قال: فاطمة بضعة مني<.

ثم يواصل عبارته بقوله: >ومع ذلك، فقابل بنو أمية عظيم هذه الحقوق بالمخالفة والعقوق؛ فسفكوا من أهل البيت دماءهم، وسبوا نساءهم وأسروا صغارهم وخرّبوا ديارهم، وجحدوا شرفهم وفضلهم، واستباحوا سبيهم ولعْنَهم، فخالفوا المصطفى صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في وصيّته، وقابلوه بنقيض مقصوده وأمنيته، فواخجلهم إذا وقفوا بين يديه، ويا فضيحتهم يوم يُعرَضون عليه<([126]).

إن ما يشير إليه المناوي في هذا الجزء الأخير من عبارته هو تحديداً صلب مشكلة الإسلام الأموي الذي حاول جاهداً احتكار تمثيل مدرسة الصحابة بالرغم من مناقضته الواضحة والصريحة لأسس هذه المدرسة وتعاليمها، لاسيَّما في موقفه من عترة رسول الله صلَّى الله عليه وآله، وقد صرَّح أكثر من واحد من أعلام المسلمين بهذه الحقيقة، كما سيتّضح في البحث اللاحق.


التصنيف الثلاثي لمدارس الإسلام

في كلمات بعض الأعلام

تردّد في كلماتنا سابقاً أن تعاطي المسلمين مع الإسلام، ولا سيَّما فيما يتعلّق بالموقف من الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لم يكن على شاكلة واحدة، وأن التاريخ الفكري للمسلمين يثبت وجود اتجاه يخالف ما عليه مدرسة أهل البيت التي كانت ترى فيه عليه السلام من الناحية العقدية أنه معصوم، ومن الناحية السياسية بأنه الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل، كما ويخالف ما عليه مدرسة الصحابة التي وإن لم تتّفق مع مدرسة أهل البيت في الأصلين المذكورين لكنها تقول بضرورة تولّيه ومحبّته والبراءة من أعدائه، وتعترف له بفضائله ومناقبه ومكانته العظيمة في تاريخ الإسلام، وقد اصطلحنا على هذا الاتجاه بالإسلام الأموي؛ ولكي يعرف القارئ أن هذا التصنيف ليس من مستحدثاتي وأن له من يعتنقه من علماء المسلمين قبلي، فإنني أضع بين يديه بعض المصادر التي أشارت لذلك أو يمكن فهم وجود هذا الاتجاه الثالث من كلماتها:

المصدر الأول: ما أشار إليه ابن تيمية في (منهاج السنة) من أن هذا التقسيم الثلاثي موجود إزاء أهل البيت عليهم السلام, قال: >فإنه من المعلوم أنه لما تولّى [المقصود هو الإمام علي عليه السلام] كان الصحابة وسائر المسلمين ثلاثة أصناف, صنف قاتلوا معه, وصنف قاتلوه, وصنف قعدوا عن هذا وهذا, وأكثر السابقين الأولين كانوا من القعود<([127]).

وقد نصّ ابنُ تيمية في أكثر من موضع من كتبه على أن كثيراً من بني أمية وشيعتهم وأتباعهم كانوا يسبّون الإمام علياً ويبغضونه([128]) وأن رعية معاوية هم نفسهم شيعة عثمان وفيهم النواصب المبغضون([129]).

المصدر الثاني: ما ورد في كلمات شمس الدين الذهبي عند ترجمة >الفَأْفَاء خالد بن سلمة القرشي الكوفي< في كتابه (سير أعلام النبلاء) - والفأفاء ناصبي كان ينال من الإمام علي عليه السلام- حيث قال: >وكان الناس في الصدر الأول بعد وقعة صفّين على أقسام: أهل سنّة: وهم أولو العلم، وهم محبُّون للصحابة، كافُّون عن الخوض فيما شجر بينهم؛ كسعد، وابن عمر، ومحمد بن سلمة، وأمم. ثم شيعة: يتوالون، وينالون ممن حاربوا علياً، ويقولون: إنهم مسلمون بغاة ظلمة. ثم نواصب: وهم الذين حاربوا علياً يوم صفين، ويقرّون بإسلام علي وسابقيه، ويقولون: خذل الخليفة عثمان<([130]).

وعبارة الذهبي على قصرها فيها الكثير مما نختلف معه بشأنه، وبعيداً عن الدخول في تدقيق التحديد التاريخي الذي وضعه لوجود هذه الأقسام الثلاثة، وما يعتقده كل قسم وحكمه الشرعي وفق كتاب الله وسنّة نبيّه، فإن ما يهمّنا هو اعتراف الذهبي بوجود أصل هذا التقسيم الثلاثي.

المصدر الثالث: ما أشار إليه ابن حجر العسقلاني في كتابه (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) حين شروعه بشرح الباب المعنون بـ(مناقب علي بن أبي طالب) عند ترجمته، قال: >[...] كان الناس طائفتين، لكن المبتدعة قليلة جداً، ثم كان من أمر علي ما كان، فنجمت طائفة أخرى حاربوه، ثم اشتدّ الخطب فتنقّصوه واتخذوا لعنه على المنابر سنّة، ووافقهم الخوارج على بغضه وزادوا حتى كفَّروه، مضموماًَ ذلك منهم إلى عثمان، فصار الناس في حق عليّ ثلاثة: أهل السنّة والمبتدعة من الخوارج والمحاربين له من بني أمية وأتباعهم، فاحتاج أهل السنّة إلى بثّ فضائله، فكثر الناقل لذلك لكثرة من يخالف ذلك<([131]).

المصدر الرابع: ما ذكره بعض الباحثين المعاصرين وهو أبو الفتوح عبد الله بن عبد القادر التليدي في كتابه (الأنوار الباهرة بفضائل أهل البيت النبوي والذرية الطاهرة) عند بيانه للسبب الثالث الذي دعاه لتأليف هذا الكتاب، قال: >ردّ مزاعم الغلاة بصفة عامّة الذين يرمون أهل السنّة بالنصب ويتّهمونهم على الإطلاق بعداوة أهل البيت والانحراف عنهم. وهذا شطط في القول وظلم لأهل السنّة؛ فإن المسلمين من غير الشيعة لم يزالوا ولا يزالون يحبّون أهل البيت ويحترمونهم ويجلّونهم وينزلونهم المقام اللائق بهم، وهم أحسن حالاً من الشيعة؛ فإن أهل السنّة يحبّون أهل البيت الأطهار ومن تناسل منهم كما يحبّون أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ويحترمونهم ويترضّون عليهم كأهل البيت<([132]).


بعض الشواهد على المعلم الأموي الأول

إن النصوص في هذا المجال كثيرة ولكننا حيث أخذنا على عاتقنا نقل ما تتّفق المدرستان على صحّته، فإننا سنقتصر على بعض تلك النصوص، وما ننقله هو لمجرد التدليل على ظاهرة البغض والتنقيص التي انتهجها معاوية، وإلا فإن إثبات ذلك لا يحتاج إلى كثير عناء، بعد أن كان معاوية مستحلاً لدم أمير المؤمنين عليه السلام بخروجه عليه ومقاتلته إيّاه.

من تلك الشواهد ما يلي:

الشاهد الأول: ما ورد في صحيح مسلم في (باب من فضائل علي بن أبي طالب) قال: (حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد - وتقاربا في اللفظ- قالا: حدثنا حاتم، وهو ابن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبَّ أبا التراب؟ فقال: أمَا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنَّ له رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم فلن أسبَّه؛ لأن تكون لي واحدة منهن أحبّ إليّ من حمُر النعم، سمعت رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم يقول له وخلَّفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله، خلَّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوّة بعدي». وسمعته يقول يوم خيبر: «لأعطين الراية رجلاً يحبّ اللهَ ورسولَه ويحبّه اللهُ ورسولُه». قال: فتطاولنا لها، فقال: «ادعوا لي علياً». فأُتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} دعا رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللَّهم هؤلاء أهلي)([133]).

وقد حاول النووي شارح صحيح مسلم أن يدافع عن معاوية ويبرئه مدّعياً أن الحديث ليس صريحاً بأن معاوية أمر سعداً بالسبّ فقال:

>قال العلماء: الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابيّ يجب تأويلها، قالوا: ولا يقع في روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله؛ فقول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعداً بسبّه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السبّ، كأنه يقول: هل امتنعت تورّعاً أو خوفاً أو غير ذلك، فإن كان تورّعاً وإجلالاً له عن السبّ فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر. ولعلّ سعداً قد كان في طائفة يسبّون فلم يسبَّ معهم وعجز عن الإنكار وأنكر عليهم فسأله هذا السؤال. قالوا: ويحتمل تأويلاً آخر أن معناه: ما منعك أن تخطِّئه في رأيه واجتهاده وتظهر للناس حُسن رأينا واجتهادنا وأنه أخطأ<([134]).

وهذه محاولة دفاعية فاشلة وعقيمة، ليس فقط للمقابلة - بين قوله (أمَرَ) وقوله (ما منعك أن تسبَّ) مع ما لمكانة الفاء بينهما في قوله: (فقال) من وضوح في وحدة ما تعلق به الامتناع (وهو سبّ علي) مع ما كان مورداً للأمر، وإلا لو كان الأمر صادراً بشأن موضوع آخر لكان ذكره من قبل الراوي مجرد لغوٍ وحشو- بل ولما سيأتي من نصوص أخرى صريحة في كون معاوية الآمر بالسب. علماً أن شيخ مشايخ هذا الاتجاه الذابّ عن بني أمية المناصر لهم، أعني به الشيخ ابن تيمية الحراني، قد اعترف في أكثر من موضع في كتابه (منهاج السنة النبوية) بأن معاوية أمر سعداً بالسبّ([135]).

الشاهد الثاني: ما ورد في (المستدرك على الصحيحين) للحاكم النيسابوري، قال:

>حدَّثنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان، حدَّثنا عبد الله بن محمد بن ناجية، حدَّثنا رجاء بن محمد العذري، حدَّثنا عمرو بن محمد بن أبي رزين، حدَّثنا شعبة، عن مسعر، عن زياد بن علاقة، عن عمِّه: أن المغيرة بن شعبة سبَّ عليَّ بن أبي طالب، فقام إليه زيد بن أرقم، فقال: يا مغيرة، ألم تعلم أن رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم نهى عن سبّ الأموات، فلِمَ تسبّ علياً وقد مات<([136]).

وهذا الحديث يوضح أجواء الإرهاب الفكري التي كان يعيشها بعض الصحابة في عصر أحد أهمّ القائمين بتطبيق السياسة الأموية، لا سيَّما فيما يتعلّق بقضية الإمام علي عليه السلام؛ إذ لم يستطع زيد بن أرقم أن ينهى المغيرة أو أن يقف أمام هذه السياسة بأكثر من تذكيره بأن علياً ميّت وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن سبّ الأموات!! دون أن يكون بوسعه أن يذكِّره بفضائل أمير المؤمنين وسابقته في الإسلام وجهاده في سبيل الله أو أن يذكر على مسامعه بعض ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله من أن بغض عليٍّ نفاق، بل لم يكن بوسعه حتى أن يأتي بذكر ما تعتقد مدرسة الصحابة به من أحاديث، كالقول إنه عليه السلام أحد العشرة المبشَّرة بالجنة أو أنه خليفة المسلمين.. كلُّ ذلك سببه الخوف من تهمة مخالفة السلطان والخروج على أمره وسياسته.

الشاهد الثالث: ما أورده ابن ماجه في (سننه) حيث قال:

(حدَّثنا علي بن محمد، حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا موسى بن مسلم، عن ابن سابط، وهو عبد الرحمن، عن سعد بن أبي وقَّاص، قال: قدِم معاوية في بعض حجّاته فدخل عليه سعد، فذكروا علياً، فنال منه، فغضب سعد وقال: تقول هذا لرجل سمعت رسول الله يقول عنه: >من كنت مولاه فعليّ مولاه<، وسمعته يقول: >أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنه لا نبي بعدي<، وسمعته يقول: >لأعطينَّ الراية اليوم رجلاً يحبّ اللهَ ورسولَه<)([137]).

الشاهد الرابع: ما ورد في كتاب (تاريخ الأمم والملوك) لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري من وصية معاوية إلى المغيرة بن شعبة لما ولّاه الكوفة, وقد ذكرها في أحداث السنة الحادية والخمسين عند ذكره لسبب مقتل حجر بن عديّ وأصحابه، وهذه الوصية هي بمثابة بيان متكامل يوضّح سياسة معاوية ومخطّطاته في التعامل مع الإمام علي عليه السلام وشيعته وأصحابه. قال الطبري:

>قال هشام بن محمد، عن أبي مخنف، عن المجالد بن سعيد والصقعب بن زهير وفضيل بن خديج والحسين بن عقبة المرادي، قال: كلٌ قد حدَّثني بعض هذا الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقتُ من حديث حجر بن عدي الكندي وأصحابه: إن معاوية بن أبي سفيان لما ولَّى المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة إحدى وأربعين دعاه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تُقرع العصا، وقد قال المتلمس:

لذي الحلم قبل اليوم ما تُقرع العصا

وما عُلِّمَ الإنسانُ إلا ليعْلَما

وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردتُ إيصاءك بأشياء كثيرة، فأنا تاركها اعتماداً على بصرك بما يرضيني ويُسعد سلطاني، ويصلح به رعيّتي، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة: لا تتحمَّ عن شتم عليٍّ وذمِّه، والترحُّم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب عليٍّ والإقصاء لهم وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه والإدناء لهم والاستماع منهم<([138]).

وقد التزم المغيرة بتطبيق هذه الوصية السياسية بكل أمانة؛ فجاء في ترجمته عند شمس الدين الذهبي في (سير أعلام النبلاء): >عن أبي بكر بن عياش، عن حصين، عن هلال بن يساف، عن عبد الله بن ظالم، قال: كان المغيرة ينال في خطبته من علي، وأقام خطباء ينالون منه...<([139]).


السياسة الأموية في كلمات بعض الأعلام

لقد أشرنا سابقاً إلى تصريح ابن تيمية واعترافه بأن سياسة بني أمية كانت قائمة على بغض الإمام عليّ عليه السلام وسبّه, وإن كان ابن تيمية حاول أن يخفّف من هذا الموضوع وينزع عنه دلالته الشرعية فقال: >تكلّمهم في علي< دون أن يوضّح بنحو صريح طبيعة هذا التكلّم ومستواه وأنه كان سبّاً وشتماً ولعناً وقتلاً لأصحابه وإبادة لشيعته، كما لم يتكلّم عن مدى موافقة هذا >التكلّم< لتعاليم الإسلام وقيمه.

وإذا كان عدم إشارة ابن تيمية لكلّ ذلك مفهوماً ومتوافقاً مع عقيدته في أهل البيت عليهم السلام، فإن غيره من علماء الإسلام أوضحوا بنحو صريح فحوى هذا (التكلّم)، بل إن بعضهم صنّف كتباً في هذا الاتجاه لا غنى للقارئ الكريم عن مراجعتها والاستفادة منها.

سأكتفي بذكر أسماء أربعة من الأعلام الذين أشاروا إلى السياسة الأموية الناصبة لأهل البيت عليهم السلام وتأثيراتها في المجتمع الذي حكموه، اثنان منهما تخطَّيا مجرد الإشارة إليها إلى الكتابة عنها, وهم كالتالي:

الشخصية الأولى: الحافظ أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف المدائني الأخباري؛ ترجمه الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال عنه:

>العلامة، الحافظ، الصادق، أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف المدائني، الأخباري. نزل بغداد وصنّف التصانيف، وكان عجباً في معرفة السير والمغازي والأنساب وأيام العرب، مصدَّقاً فيما ينقله، عالي الإسناد.[...]

سمع: قرّة بن خالد ـ وهو أكبر شيخ له ـ وشعبة، وجويرية بن أسماء، وعوانة بن الحكم، وابن أبي ذئب، ومبارك بن فضالة، وحماد بن سلمة، وسلام بن مسكين، وطبقتهم. [...]

حدَّث عنه: خليفة بن خياط، والزبير بن بكار، والحارث بن أبي أسامة، وأحمد بن أبي خيثمة، والحسن بن علي بن المتوكل، وآخرون.

قال أحمد بن أبي خيثمة: كان أبي، ومصعب الزبيري، ويحيى بن معين يجلسون بالعشيات على باب مصعب، فمرّ رجل ليلة على حمار فاره، وبِزّة حسنة، فسلّم، وخصّ بمسألته يحيى بن معين.

فقال له يحيى: يا أبا الحسن، إلى أين؟ قال: إلى هذا الكريم الذي يملأ كمّي دنانير ودراهم؛ إسحاق بن إبراهيم الموصلي. فلما ولَّى، قال يحيى: ثقة ثقة ثقة. فسألت أبي: من هذا؟ قال: هذا المدائني<([140]).

لنلاحظ ما حكاه المدائني عن نتيجة تربية بني أمية للمجتمع الشامي آنذاك، وكيف سعوا إلى إفشاء العداوة والبغضاء لعلي وأهل بيته عليهم السلام في أوساطهم حتى عاد أحدهم لا يسمّي أبناءه بأسماء أهل البيت عليهم السلام إلا ليجعلهم محلاً لسبابه ولعنه وشتائمه!!

قال الذهبي: >حكى المدائني: أنه أدخل على المأمون، فحدّثه بأحاديث في علي، فلعن بني أمية.

فقلت: حدثني المثنى بن عبد الله الأنصاري، قال:

كنت بالشام، فجعلت لا أسمع علياً، ولا حسناً، إنما أسمع: معاوية، يزيد، الوليد، فمررت برجل على بابه، فقال: اسقه يا حسن.

فقلت: أسميتَ حسناً؟

فقال: أولادي: حسن، وحسين، وجعفر، فإن أهل الشام يسمّون أولادهم بأسماء خلفاء الله، ثم يلعنُ الرجل ولده ويشتمه.

قلت: ظننتك خير أهل الشام، وإذا ليس في جهنم شرّ منك<([141]).

الشخصية الثانية: هو الفقيه أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي (ت 328 هـ) حيث قال في كتابه الشهير (العقد الفريد):

>ولما مات الحسنُ بن عليّ حَجّ معاوية، فدخل المدينة وأراد أن يَلْعن عليّاً على مِنبر رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم، فقيل له: إن هاهنا سعدَ بن أبي وقاص، ولا نراه يرضى بهذا، فابعث إليه وخُذ رأيه. فأرسل إليه وذكر له ذلك.

فقال: إن فعلت لأخرُجنّ من المسجد، ثم لا أعود إليه.

فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد. فلما مات لَعنه عَلَى المنبر، وكتب إلى عمّاله أن يَلعنوه على المنابر، ففعلوا.

فكتبتْ أم سَلمة زوج النبيّ صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم إلى معاوية: إنكم تلعنون اللهَ ورسولَه على منابركم، وذلك أنكم تلعنون عليّ بن أبي طالب ومن أحبّه، وأنا أشهد أن اللّه أحبَّه ورسولَه.

فلم يلتفت إلى كلامها<([142]).

الشخصية الثالثة: هو الشيخ عبد الله العلايلي صاحب كتاب (الإمام الحسين) الذي تفطَّن قبل غيره من العلماء إلى أبعاد الحزب الأموي وحقيقة مراميه وموقفه من الإسلام وأهله، فقال:

>الحزب الأموي كاد للنبي (ص) ولدعوته، وعرفنا كيف أسلم زعيم الأموية أبو سفيان، وعرفنا كيف لم يبقَ للأمويين أيُّ مقام اعتباري في محيط الإسلام الذي كان ظهوره فوزاً وغلبة للهاشميين، فعملوا في ظل الدين على التمهيد لأنفسهم والاستئثار بالسلطة، وقد وجدوا في ولاية يزيد بن أبي سفيان وولاية معاوية من بعده على الشام خطوة أولى يستطيعون أن يثبتوا أقدامهم من بعدها<([143]).

وتحت عنوان (الانقلاب الأموي أو الثورة على حكومة الخلفاء) يقول:

>وقد يستبعد كثيرون نسبة هذه الثورة الانقلابية إلى العصبة الأموية، وأنها كانت مقصودة منهم، ولكن عندنا من النصوص والقواطع ما لا يحتمل معارضة أو مناصبة. وإني أنصح لكلّ الذين يشتغلون بتاريخ هذا الظرف أو هذه الفترة أن يقدّموا بين يدي درسهم كتاب (النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم) لتقيّ الدين المقريزي؛ فقد كشف غوامض لا يتّسق البحث على أكمل وجوهه أو أدنى وجوهه إلا بتحقيقها، والمقريزي بعد ذلك المؤرّخ الناقد الذي لا تفوته فائتة ولا يدخل عليه، أو هو الناقد التاريخي الفذّ في كل ما عرف الأدب العربي من مؤرخين بعد أستاذه ابن خلدون [...] وغاية هذا الحزب الرئيسية جمع مقدّرات الحكم في أيدي الأمويين، والاستيلاء على السلطة العليا بأية أسباب كانت منذ وفاة النبي<([144]).

الشخصية الرابعة: هو العلّامة المؤرّخ الكبير تقي الدين المقريزي الذي ألَّف رسالة أسماها (النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم) أوضح فيها بعض أبعاد هذه السياسة الأموية. وقد تقدّم أعلاه حديث العلامة العلايلي عنه ونصحه القارئ الكريم بقراءتها والاطلاع عليها وثنائه على مؤلّفها.

وبالرغم من تحفّظنا على بعض ما ورد في هذه الرسالة من آراء وتحليلات ونقولات للمقريزي نعدّها خاطئة وباطلة، فإننا لا نعدم صحة ما تقدّم به الشيخ العلايلي في نصيحته وجدوى أن يطّلِع القارئ الكريم عليها. وبما أن الرسالة صغيرة الحجم وبوسع القارئ مطالعتها بفترة وجيزة، فإننا سنكتفي بنقل أهمّ ما جاء في مقدمة المؤلف مما يتعلّق بموضوعنا تاركين للقارئ أن يتابع تفاصيل فصول الرسالة بنفسه.

قال المقريزي في مطلع رسالته:

>أما بعد: فإني كثيراً ما كنت أتعجّب من تطاول بني أمية إلى الخلافة مع بعدهم من جذم رسول الله وقرب بني هاشم؛ وأقول: كيف حدَّثتهم أنفسهم بذلك؟ وأين بنو أمية وبنو مروان بن الحكم طريد رسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم ولعينه من هذا الحديث مع تحكّم العداوة بين بني أمية وبني هاشم في أيام جاهليتهما. ثم شدة عداوة بني أمية لرسول الله صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم وبمبالغتهم في أذاه، وتماديهم على تكذيبه فيما جاء به منذ بعثه الله عَزَّ وجَلَّ بالهدى ودين الحق، إلى أن فتح مكة شرّفها الله تعالى، فدخل من دخل منهم في الإسلام كما هو معروف مشهور، وأردّد قول القائل:

كم من بعيد الدار نال مراده

وآخر داني الدار وهو بعيد

فلعمري، لا بعد أبعد مما كان بين بني أمية وبين هذا الأمر؛ إذ ليس لبني أمية سبب إلى الخلافة ولا بينهم وبينها نسب ...<([145]).

ثم يشير إلى بعض ما فعله بنو أمية بآل رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول: >فقد عرفنا كيف كان أبو سفيان في عداوته النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم وفي محاربته وفي إجلابه عليه وفي غزوه إياه، وعرفنا إسلامه كيف أسلم، وخلاصه كيف خلص، على أنه إنما أسلم على يد العباس رضي الله عنه، والعباس هو الذي منع الناس من قتله وجاء به رديفاً إلى النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم وسأل أن يشرّفه وأن يكرمه وينوِّه به، وتلك يد بيضاء ونعمة غرّاء، ومقام مشهور، وخبر غير منكور. فكان جزاء ذلك من بنيه أن حاربوا علياً، وسمّوا الحسن، وقتلوا الحسين، وحملوا النساء على الأقتاب حواسر، وأرادوا الكشف عن عورة علي بن الحسين حين أشكل عليهم بلوغه، كما يصنع بذراري المشركين إذا دخلت ديارهم عنوة ...<([146]).


تأثيرات السياسة الأموية على علم الجرح والتعديل

أولاً: الطعن والغمز فيمن يشايع أهل البيت

قد يتّفق معنا البعض في أن سياسة البيت الأموي إزاء عترة الرسول صلَّى الله عليه وآله كانت قائمة على العداوة والبغضاء، وأنهم فعلوا الكثير من الجرائم والمنكرات بحقّهم عليهم السلام وانحرفوا بذلك عن جادّة الإسلام القويم، ولكن تلك السياسة الجائرة - كما قد يتصور هذا البعض- أضحت جزءاً من التاريخ ولم يعد لها أيّ حضور أو تأثير في حياتنا المعاصرة؛ لذا فإن من الأفضل عدم استنزاف الوقت والجهد في بحثها ودراستها، والانصراف بدلاً عنها إلى أبحاث أخرى أكثر فائدة وجدوى.

لا يبدو لي هذا التصور سليماً، ولا مستوعباً لحجم التأثيرات الهائلة التي تركتها هذه السياسة الأموية على جميع مناحي الفكر الإسلامي ولا سيَّما على أهمّ مصدر لدى المسلمين بعد القرآن الكريم، أعني: السنّة النبوية الشريفة، وعلى التاريخ الحقيقي للإسلام، وما طال فهمنا لمجريات مجتمع الرسالة وما وقع فيه من أحداث وتشويهات.

لقد أوضحنا في أبحاث سابقة لنا: أن أتباع الإسلام الأموي من رجالات علم الجرح والتعديل أرسوا قاعدة في منتهى الخطورة مفادها أن الشخص ما لم يترضَّ على خصوم عليّ لا يعدّ من أهل السنّة، وأنّ مجرد التشيّع لعلي وأهل بيته يوجب الطعن في قائله ووضعه موضع التهمة والشكّ، وكان ممن وضع الأساس النظري لهذه القاعدة هو ابن حجر العسقلاني في مقدّمة كتابه (فتح الباري شرح صحيح البخاري) المسمّى (هدي الساري) في الفصل الذي عقده لتمييز أسباب الطعن؛ قال:

(فصل: في تمييز أسباب الطعن في المذكورين، ومنه يتّضح من يصلح منهم للاحتجاج به ومن لا يصلح، وهو على قسمين:

الأول: من ضعّفه بسبب الاعتقاد، وقد قدَّمنا حكمه وبيَّنا في ترجمة كل منهم أنه ما لم يكن داعية أو كان وتاب أو اعتضدت روايته بمتابع وهذا بيان ما رموا به ...)([147]).

ثم يشرع في بيان أسباب الطعن التي منها (التشيّع) فيقول معرِّفاً:

>والتشيع: محبّة علي وتقديمه على الصحابة؛ فمن قدَّمه على أبي بكر وعمر فهو غالٍ في تشيّعه، ويطلق عليه: رافضي، وإلّا فشيعي، فإن إنضاف إلى ذلك السبُّ أو التصريح بالبغض فغالٍ في الرفض، وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشدّ في الغلوّ<([148]).

وفي حديثه عن أبي نُعيم الكوفي الفضل بن دُكَين بن حماد الملائي الذي طعن فيه لتشيعه يتّضح أن أصل الطعن كان بسبب اتهامه بسبّ معاوية، يقول ابن حجر:

>الفضل بن دُكَين أبو نعيم الكوفي أحد الأثبات، قرنه أحمد بن حنبل في التثبّت بعبد الرحمن بن مهدي، وقال: إنه كان أعلم بالشيوخ من وكيع، وقال مرة: كان أقلّ خطأً من وكيع. والثناء عليه في الحفظ والثتبت الذي يكثر إلا أن بعض الناس تكلّم فيه بسبب التشيّع، ومع ذلك صحّ أنه قال: ما كتبتْ عليَّ الحفَظة أني سببت معاوية. احتجّ به الجماعة<([149]).

ومن هنا فقد طعنوا في جملة واسعة من العلماء والحفّاظ والأئمة لا لشيء إلّا لأنهم طعنوا في معاوية، ولم يشفع لهم حتى القول بأفضلية الشيخين على عليّ. وممن أخذ على عاتقه تطبيق هذه القاعدة في كتبه ومصنّفاته الحافظ شمس الدين الذهبي. وحيث إنّ ذكْرَ قائمة بأسماء من طعن فيهم تبعاً لهذه القاعدة، يحتاج إلى عمل مستقلّ لا تستوعبه هذه الدراسة، فإننا سنقتصر للتمثيل على ذلك على ذكر بعض أسماء الشخصيات التي لا يختلف عليها اثنان بانتسابها إلى المذهب السنّي وقولها بشرعية الخلافة الرسمية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله واحترامها للصحابة والتزامها بالتديّن بما صحّ نقله عنهم.

1. فمن تلك الشخصيات: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد ابن البَيِّع الحاكم النيسابوري.

وقد عرفنا في موضع سابق أن الذهبي قال عنه إنه: >صنَّف وخرَّج، وجرح وعدَّل، وصحَّح وعلَّل، وكان من بحور العلم< ثم طعن فيه بالقول: >على تشيّع قليل فيه<([150]). ومن يتابع كلمات الذهبي يعرف أن مردَّ هذا الطعن سببان:

الأول: تصحيحه لمجموعة من الأحاديث التي تتضمّن فضائل لعلي عليه السلام لم يستطع الذهبي فهمها، أو صَعُب عليه نسبتُها لعليّ، كما في حديث الطير([151]).

والثاني: انحراف الحاكم النيسابوري عن معاوية وعن أهل بيته كما نقل الذهبي عن ابن طاهر؛ قال الأخير:

>كان شديد التعصب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنّن في التقديم والخلافة، وكان منحرفاً غالياً عن معاوية رضي الله عنه وعن أهل بيته، يتظاهر بذلك ولا يعتذر منه، فسمعت أبا الفتح سمكويه بهراة، سمعت عبد الواحد المليحي، سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: دخلت على الحاكم وهو في داره، لا يمكنه الخروج إلى المسجد من أصحاب أبي عبد الله بن كرام، وذلك أنهم كسروا منبره، ومنعوه من الخروج. فقلت له: لو خرجت وأمليت في فضائل هذا الرجل حديثاً، لاسترحت من المحنة. فقال: لا يجيء من قلبي، لا يجيء من قلبي<([152]).

2. الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني النسائي.

قال عنه الذهبي: >وكان من بحور العلم، مع الفهم، والإتقان، والبصر، ونقد الرجال، وحسن التأليف. جال في طلب العلم في خراسان، والحجاز، ومصر، والعراق، والجزيرة، والشام، والثغور، ثم استوطن مصر، ورحل الحفّاظ إليه، ولم يبقَ له نظير في هذا الشأن<([153]).

وقد نقل الذهبي كلمات الحفّاظ وأئمّة الجرح والتعديل في حقّه، فكان مما نقله عن الحافظ أبي علي النيسابوري أنه وصفه بـ: >الإمام في الحديث بلا مدافعة<، وعن الحافظ ابن طاهر عن سعد بن علي الزنجاني أنه قال عنه: >إن لأبي عبد الرحمن شرطاً في الرجال أشدّ من شرط البخاري ومسلم<، وعن أبي عبد الله بن مندة أنه قال: >الذين أخرجوا الصحيح وميَّزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب أربعة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو عبد الرحمن النسائي<، بل إن الذهبي نفسه قال عنه: >ولم يكن أحد في رأس الثلاثمئة أحفظ من النسائي، هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسى، وهو جارٍ في مضمار البخاري وأبي زرعة<.

ومع ذلك فقد طُعن عليه بالتشيع! وكان مرادهم بذلك ليس عدم إيمانه بالخلافة الرسمية، ولا الطعن على الخلفاء أو الصحابة، ولا حتى تقديم الإمام علي عليه السلام على الشيخين، وإنما مجرد روايته لفضائل علي بن أبي طالب وانحرافه عن معاوية.

نقل الذهبي عن الوزير ابن حِنْزَابَة أنه سمع من محمد بن موسى المأموني (صاحب النسائي) إنكار قوم عليه تأليف كتاب (خصائص علي) وتركه تصنيف فضائل الشيخين، وحتى بعد أن صنّف النسائي لاحقاً مؤلَّفاً بهذا الشأن، قيل: ألا تُخرج فضائل معاوية رضي الله عنه؟ فقال: أيّ شيء أخرج؟! حديث: (اللَّهُم لا تُشبع بطنه)؟ فما كان من السائل إلّا أن سكت([154]).

ولكن إذا كان السائل سكت في هذه المرّة، فإن غيره سوف يصعِّد من موقفه معه ولن يتورّع عن استخدام العنف معه، بل إن النسائي استشهد ضحيّة موقفه هذا، من فضائل معاوية المزعومة، كما صرّح بذلك الحافظ محمد بن المظفّر وأبو عبد الله بن مندة والدارقطني وغيرهم.

قال الذهبي: >روى أبو عبد الله بن مندة، عن حمزة العقبي المصري وغيره، أن النسائي خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق، فسئل بها عن معاوية وما جاء في فضائله. فقال: لا يرضى رأساً برأس حتى يُفَضَّل؟ [أي على علي عليه السلام] قال: فما زالوا يدفعون في حضنيه حتى اُخرج من المسجد، ثم حُمل إلى مكّة فتوفِّي بها<([155]).

ونظراً لكلّ ما تقدم قال الذهبي: >إن فيه قليل تشيّع وانحراف عن خصوم الإمام علي، كمعاوية وعمرو، والله يسامحه<.

3. الإمام الحافظ أبو محمد عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي مولاهم الكوفي.

وصفه الذهبي([156]) فقال: >أول من صنّف (المسند) على ترتيب الصحابة بالكوفة<، و>كان صاحب عبادة وليل<، >وكان من حفّاظ الحديث، مجوداً للقرآن [...] وتصدَّر للإقراء والتحديث<.

ونقل توثيقه عن رجالات علم الجرح والتعديل كابن معين و أبي حاتم وأبي نعيم وغيرهم، وقال: >قال أحمد بن عبد الله العجلي: ثقة، رأس في القرآن، عالم به، ما رأيته رافعاً رأسه، وما رُئي ضاحكاً قط<.

ومع أن الحافظ العبسي روى بسنده عن علي عليه السلام أنه قال: >خيرنا بعد نبيّنا أبو بكر وعمر< وهي رواية تدلّ - كما استنتج الذهبي ذلك وهو محقّ- على تقديمه الشيخين على عليّ، إلا أن ذلك لم يبرئه من الطعن عليه بالرفض! والمقصود رفضه لمعاوية وعموم خصوم الإمام علي وليس الخلفاء السابقين عليه عليه السلام. نقل ابن مندة أنه لم يدَع أحداً اسمه معاوية يدخل داره. فقيل: دخل عليه معاوية بن صالح الأشعري، فقال: ما اسمك؟ قال: معاوية. قال: والله لا حدَّثتُك، ولا حدَّثت قوماً أنت فيهم.

من هنا قال الذهبي: >صحب حمزة [بن حبيب أبو عمارة التيمي الكوفي الزيات القارئ (80-156)]، وتخلَّق بآدابه، إلا في التشيع المشؤوم، فإنه أخذه عن أهل بلده المؤسَّس على البدعة< و>كان ينال من خصوم علي<([157]).

ثانياً: توثيق ومدح من يناصب أهل البيت

ما تقدّم نماذج أولية وسريعة من تطبيقات المعلَم الأول في الإسلام الأموي، وهو الطعن فيمن يحب علياً ويتوقّف أو ينال من خصومه، اخترناها من كلمات الحافظ شمس الدين الذهبي في كتابه الشهير (سير أعلام النبلاء) ودونها العشرات من التطبيقات الأخرى التي وردت في مصنّفات علماء التراجم والتاريخ أعرضنا عنها لأننا لا نريد في هذا البحث استيعاب هذه التطبيقات وإنما نروم تكوين فكرة لدى القارئ بشأن بعض القضايا المفصلية في تاريخ الفكر الإسلامي تشكّل في نظرنا مفاتيح لا غنى له عن معرفتها حين يهمّ بقراءة هذا التاريخ وتقييمه، وسيكون بوسع القارئ الحصول على نماذج أكثر إذا ما عزم الوقوف بنفسه على هذه الظاهرة الخطيرة في تاريخنا الفكري.

هذا مع أن القاعدة المشار إليها أعلاه معكوسة أيضاً، أي أن أصحاب الإسلام الأموي كما يطعنون فيمن يحب علياً ويخاصم معاوية ويغمزون فيما يرويه وينقله من أخبار أو فيما يفصح عنه من مواقف، فإنهم في المقابل يوثّقون من يحبّ معاوية ويخاصم علياً ولا يجدون غضاضة في قبول ما يرويه، بل وصل الحدّ إلى تفضيلهم هؤلاء على من يشايع علياً ويحبّه واعتبارهم إيّاهم أوثق وأكثر احترازاً في الدين ممن يوالونه عليه السلام!

وهذا هو صريح ما ذهب إليه الشيخ ابن تيمية في أكثر من موضع في كتابه الشهير المولَّف وفقاً لتعاليم الإسلام الأموي (منهاج السنة النبوية) حين قال: >فقد انتظمت السياسة لمعاوية ما لم تنتظم لعليّ؛ فيلزم أن تكون رعية معاوية خيراً من رعية عليّ، ورعية معاوية شيعة عثمان وفيهم النواصب المبغضون لعليّ، فتكون شيعة عثمان والنواصب أفضل من شيعة عليّ<([158]).

وقال: >الشيعة أجرأ على الكذب من النواصب<([159]).

بل إن من يقرأ مقدّمة هذا الكتاب يجدها مكرَّسة بنحو كامل لبيان هذه الفكرة وشرعنتها، وتفسير أقوال جميع أئمة الفرق والمذاهب وأهل العلم والمعرفة في الإسلام وردّها إلى هذا القول.

النماذج على هذا الفريق كثيرة([160]) وليس في نيّتنا استعراض أسمائهم وإنما نكتفي فقط بالإشارة إلى أن هناك من المحققين المعاصرين من صنَّف كتباً مهمّة تعرّض فيها إلى جملة واسعة منهم، بوسع القارئ العودة إليها في هذا الشأن، منها كتاب (العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل) للعلامة محمد بن عقيل بن عبد الله العلوي (ت 1350هـ)، ومنها كتاب (الإفصاح عن أحوال رواة الصحاح) للعلامة محمد حسن المظفر(ت 1375هـ)، وله أيضاً: (رجال السنّة في الميزان).

ويطيب لي أن أختم هذه الدراسة بكلمة معبِّرة، كتبها العلوي في مقدمة كتابه (العتب الجميل) وهو يوضح سبب تأليفه لهذا الكتاب، تسلط الضوء بنحو جليّ على هذه الإشكالية التي وقع فيها رجالات الإسلام الأموي؛ قال رحمه الله:

>.. قرأت شيئاً من كتب أهل الجرح والتعديل، فلمحت فيها بعض ما يوجب العتاب [...] بل رأيت فيها جرح بعضهم لبعض الأئمة الطاهرين بما لا يسوغ الجرح به عند المنصفين، أو بما يحتملون ما هو أشدّ منه بمراتب للخوارج والنواصب المبعدين. رأيتهم إذا ترجموا لسادات أهل البيت أو لمن تعلَّق بهم، اختزلوا الترجمة غالباً وأوجزوا. وإذا ترجموا لأضدادهم أو لأذناب أعدائهم، أطالوا ولعذرهم أبرزوا. ومن المعلوم ما يوهمه الاختزال، وما يفهم من الإسهاب والاسترسال، رأيت فيها توثيقهم الناصبي غالباً، وتوهينهم الشيعي مطلقاً، ورأيت ورأيت.

لقد رابني من عامر أن عامراً
يجيء فيبدي الودّ والنصح غادياً
فيا ليت ذاك الودّ والنصح لم يكن

بعين الرضا يرنو إلى من جفانيا
ويمسي لحسّادي خليلاً مؤاخيا
ويا ليته كان الخصيم المعاديا

فهالني هذا الصنيع، وأفظعني ذلك الحكم، واستغربته كلَّ الاستغراب، وقلت: إن هذا لهو التباب<([161]).



([1]) النجم: 3-4.

([2]) الحشر: 7.

([3]) السيوطي, الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر, تاريخ الخلفاء, المكتبة العصرية, صيدا, بيروت, ص191.

([4]) ابن حجر الهيتمي, أحمد بن محمد بن علي السعدي, الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة, تحقيق عبد الرحمن بن عبد الله التركي، وكامل الخراط، مؤسسة الرسالة, ط1، 1997م: ج2، ص353.

([5]) المصدر السابق.

([6]) ورد في ترجمته عند الذهبي في كتابه (سير أعلام النبلاء) ما يلي: >الإمام الحافظ الثبت, شيخ الإسلام, ناقد الحديث, أبو عبد الرحمن, أحمد بن شعيب بن علي بن سنان, بن بحر الخراساني النسائي صاحب السنن .(راجع: الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، سير أعلام النبلاء, مؤسسة الرسالة, (أشرف على تحقيق الكتاب وخرّج أحاديثه: شعيب الأرنؤوط، حقّق هذا الجزء: أكرم البوشي، ط1، 1403-1983، ج14، ص125).

وقال في مكان آخر: >قال الحافظ أبو علي النيسابوري: أخبرنا الإمام في الحديث بلا منازعة أبو عبد الرحمن النسائي.

وقال أبو الحسن الدارقطني: أبو عبد الرحمن مقدّمٌ على كلّ من يُذكر بهذا العلم من أهل عصره. وقال الحافظ بن طاهر: سألت سعد بن علي الزنجاني عن رجل فوثّقه، فقلت: قد ضعّفه النسائي, فقال: يا بني إن لأبي عبد الرحمن شرطاً في الرجال أشدّ من شرط البخاري ومسلم.

قلت [الكلام للذهبي]: صدق فإنه ليَّن جماعة من رجال صحيحي البخاري ومسلم. [...] قلت: ولم يكن أحد في رأس الثلاثمائة أحفظ من النسائي، هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم ومن أبي داود ومن أبي عيسى، وهو جارٍ في مضمار البخاري وأبي زرعة<. (المصدر السابق, ص ص131- 133).

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كان الذهبي، شيخ الإسلام، يعتقد أن النسائي أحذق من مسلم بالحديث وعلله ورجاله, وقد أشار محقّق الجزء الثاني عشر من (سير أعلام النبلاء) "صالح السمر" (حققه تحت إشراف شعيب الأرنؤوط) إلى: "تفضيل صحيح مسلم على صحيح البخاري" عند المغاربة وأبي علي النيسابوري من المشارقة (راجع للتفصيل: ج 12، ص 566)، إذا كان هذا الأمر صحيحاً فلمَ يا ترى لم يحتلّ كتاب النسائي (السنن) محلّه اللائق به بمصاف كتابي البخاري ومسلم؟

لعلّ الجواب تتكفّل بإيضاحه الحادثتان التاليتان اللتان ينقلهما الذهبي في المصدر ذاته:

1. >قال أبو عبد الرحمن بن مندة, عن حمزة العقبي المصري وغيره: أن النسائي خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق, فسئل بها عن معاوية وما روي في فضائله فقال: لا يرضى رأساً برأس حتى يفضل. قال: فما زالوا يدفعون في خصيته (قال محقّق الكتاب شعيب الأرنؤوط في حاشيته عند هذا الموضع: وهما جنباه, وفي >شذرات الذهب<: خصيتيه). حتى اُخرج من المسجد. ثم حُمل إلى الرملة فتوفّي بها.

قال الدارقطني: إنه خرج حاجّاً فامتُحن بدمشق, وأدرك الشهادة. (الذهبي, سير أعلام النبلاء, مصدر سابق, ج14, ص132).

إن العبارة الأخيرة للدارقطني، >وأدرك الشهادة< توضح أن النسائي قُتل, ومن البيِّن أن قاتليه هم أنصار النهج الأموي؛ ذلك لأنّه لم يُرق لهم منطق النسائي الذي يصرّ على الالتزام بالسنّة النبوية وعدم تزييفها بنقل الأحاديث الموضوعة أو تشويهها بطمس حقيقة معاوية ومقدار شأنه. من هنا نجد أن الذهبي يواصل الكلام في عبارته التي نقلناها سابقاً فيقول عن النسائي: >وهو جار في مضمار البخاري وأبي زرعة, إلا أن فيه قليل تشيع وانحراف عن خصوم الإمام علي كمعاوية وعمرو<. (المصدر السابق: ص133).

هذه هي مشكلة النسائي الحقيقية (تشيّعه لعلي وانحرافه عن خصومه)، وهذه مثلبة كبيرة وخطيرة عندهم تُسقط صاحبها حتى ولو كان بمستوى شخصية النسائي. ومن هنا يلتفت القارئ اللبيب والحاذق لماذا قُدّم كتابا البخاري ومسلم على غيرهما من كتب الحديث بالرغم من وجود كتب حديثية لا تقلّ عنهما شأناً إن لم تتفوق عليهما في بعض المعايير.

2. >قال الوزير ابن حِنْزابة: >سمعت محمد بن موسى المأموني صاحب النسائي قال: سمعتُ قوماً ينكرون علي أبي عبد الرحمن النسائي كتاب (الخصائص) لعلي (رضي الله عنه) وتَرْكه تصنيف فضائل الشيخين، فذكرت ذلك له, فقال: دخلت دمشق والمنحرف بها عن عليّ كثير, فصنّفت كتاب >الخصائص< رجوت أن يهديهم الله تعالى. ثم إنه صنّف بعد ذلك فضائل الصحابة, فقيل له وأنا أسمع: ألا تخرج فضائل معاوية...؟ فقال: أيّ شيء أُخرج؟! حديث: اللَّهُم لا تُشبع بطنه؟ فسكت السائل<. (المصدر السابق: ص129).

وليعلم القارئ الكريم أن إنكار الحافظ النسائي للمقترح الذي قدّمه أصحاب النهج الأموي وغمزه في معاوية من خلال ذكره حديث رسول الله صلى الله عليه وآله (اللَّهُم لا تُشبع بطنه) سوف نرى أنه لن يثني أصحاب هذا النهج عن الاستمرار في محاولتهم تلك، بل سوف يتمادى هؤلاء ليجعلوا من غمز النسائي هذا فضيلة ومنقبة لمعاوية!! وذلك بضمّ هذا الحديث إلى أحاديث أخرى رووها، كما فعل الذهبي حين علَّق على ما نقلناه أعلاه عنه بقوله: >قلتُ: لعلّ هذه فضيلة لقول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم : اللَّهُم من لعنتُه أو سببتُه فاجعل له ذلك زكاة ورحمة، أو ادِّعائهم أن معنى هذا الحديث هو: لا أشبع الله بطنه في الدنيا حتى لا يكون ممن يجوع في يوم القيامة؛ ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وآله نفسه قال: (أَطْوَلُ النَّاسِ شَبَعاً فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمُ جُوعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)!! (راجع: البوصيري، أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل، إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، تحقيق: أبي عبد الرحمن عادل بن سعيد وأبي إسحاق السيد بن محمود بن إسماعيل، مكتبة الرشد ، الرياض ، ط1 ، 1419 ـ 1998، ج5 ص 310).

([7]) ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة بيروت، 1379 هـ: ج7، ص71.

([8]) النجم: 3-4.

([9]) ابن تيمية، أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم الحراني الحنبلي، منهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ السعودية، ط1، 1406 هـ - 1986 م: ج4، ص513.

([10]) الأخبار الواردة في هذا المجال كثيرة، منها:

1. الحسين الإدريسي الشهير بالكتاني ، أبو الفيض جعفر ، نظم المتناثر من الحديث المتواتر، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1400 ـ 1980: ص104- 105 ، قال:

>أحاديث عصمة الأمّة وأنها لا تجتمع على ضلالة وخطأ:

ذكر ابن الهمام في التحرير وغير واحد أنها متواترة معنى . ونصَّ ابنُ الهمام : ومن الأدلة السمعية - أي على أن الإجماع حجّة قطعية- آحاد تواتر ، منها مشترك لا تجتمع أمتي على الخطأ ، ونحوه كثير‍.

ومن ألفاظه : (أن الله لا يجمع أمتي على ضلالة) الحديث أخرجه الترمذي وغيره عن ابن عمر، أخرجه أحمد وغيره عن أبي بصرة الغفاري، وأخرجه أبو داود وغيره عن أبي مالك الأشعري، وأخرجه ابن ماجة وغيره عن أنس، وأخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس وأورده في المقاصد في حرف لام الألف< وقال بعد كلام: >وبالجملة فهو حديث مشهور المتن ذو أسانيد كثيرة وشواهد متعددة في المرفوع وغيره<.

2. ابن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد، الموسوعة الحديثية، مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1421-2001، مج 45، حقّق هذا الجزء وخرَّج أحاديثه وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط ومحمد نعيم العرقسوسي وإبراهيم الزيبق ومحمد بركات، ص200، رقم الحديث 27224 .

3. الخطيب البغدادي ، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ، الفقيه والمتفقه ، تحقيق : عادل بن يوسف العزازي ، دار ابن الجوزي - المملكة العربية السعودية ، 1417-1996 ، المجلد 1 ، ص423 ، الحديث 447 و 448 .

4. الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع - الرياض، 1415-1995، المجلد 3، ص319 ، رقم الحديث 1331. قال بعد نقل الحديث بعدّة طرق : >قلت: فالحديث بمجموع هذه الطرق حسن<.

([11]) انظر: ابن حجر العسقلاني، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد، هدي الساري مقدمة فتح الباري [شرح صحيح البخاري]، تعليق: عبد الرحمن بن ناصر البراك، تحقيق: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، دار طيبة ـ الرياض، ط1، 1426هـ ـ 2005م، ج2، فصل في تمييز أسباب الطعن، ص 1238.

([12]) الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة ـ بيروت، ط1، 1382 هـ - 1963 م، ج1، ص ص 5 - 6.

([13]) المصدر نفسه: ص6.

([14]) انظر مثلاً: ابن كثير الدمشقي, عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر, البداية والنهاية, تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان, ط1، 1419-1998، ج17, ص354.

([15]) القشيري النيسابوري, مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم, اعتنى به: أبو صهيب الكرمي, إخراج وتنفيذ: فريق بيت الأفكار الدولية, بيت الأفكار الدولية للنشر والتوزيع, الرياض, 1419- 1998, ج1, كتاب الإيمان باب 33 (الدليل على أن حبّ الأنصار وعلي رضي الله عنه من الإيمان وعلاماته)، الحديث 78 , ص60.

([16]) الفارسي، علاء الدين علي بن بلبان, صحيح ابن حبان بتقريب ابن بلبان, حقّقه وخرَّج أحاديثه وعلَّق عليه: شعيب الأرنؤوط, مؤسسة الرسالة, ج15, ص367, رقم الحديث 6924.

([17]) أبو يعلى الموصلي, أحمد بن علي بن المثنى التميمي, مسند أبي يعلى الموصلي, حقّقه وخرّج أحاديثه: حسين سليم أسد, دار المأمون للتراث, بيروت, ج1, ص251, الحديث 391.

([18]) ابن حنبل, أبو عبد الله أحمد بن محمد الشيباني, مسند الإمام أحمد بن حنبل, حقّقه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد, مؤسسة الرسالة, ط1, 1416- 1995, ج2, ص71, رقم الحديث 642.

([19]) المصدر السابق: ص71.

([20]) المصدر السابق: ص73. أذكّر القارئ الكريم أن النصّ أعلاه احتوى على ذكر أرقام أجزاء المصادر المحال إليها وأرقام صفحاتها، ولكن نظراً إلى اختلاف طبعات الكتب المذكورة فإن إيراد تلك التخريجات في كتابنا هذا يعد تطويلاً لا يستفيد منه القارئ ولذا فقد حذفناها وبوسع القارئ العودة للمصدر أعلاه إن أراد متابعة التوثيق.

([21]) هناك اختلاف في عنونة هذا الباب من كتاب (الخصائص) تبعاً للنُسخ المطبوعة. فالطبعة التي حقّقها الشيخ محمد هادي الأميني والصادرة في النجف الأشرف عام 1969م، والتي أعيد طباعتها لاحقاً عدة مرات، نجد عنوانه بـ : (حبّ علي يفرق بين المؤمن والكافر) وهو ما يتناسب مع مضمون الأحاديث الواردة في الباب أكثر من عنوان نسخة آل زهوي التي جاء فيها (بابٌ: الفرق بين المؤمن والمنافق) دون ذكر اسم الإمام علي عليه السلام في العنوان, ومما يزيد الأمر غرابة أن كلّ العناوين الأخرى للكتاب - وفي كلا النسختين- تبدأ كالتالي:

نسخة الأميني: قول النبي صلى الله عليه وآله إن الله لا يخزي علياً أبداً ... قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي إنك مفغور لك... قول النبي صلى الله عليه وآله : علي مني وأنا منه ... وهكذا.

نسخة آل زهوي: ذكر قوله صلى الله عليه وآله : عليٌ وليكم بعدي ... ذكر قول النبي: من سبّ علياً فقد سبّني ... .

أما الحديث محلّ البحث فقد اختلفت العنونة معه عن مجرى السياق المعتمد في الكتاب، وكان المتوقّع أن يكون العنوان (ذكر قول النبي: إن حبّ علي إيمان وبغضه نفاق) أو ما شابه ذلك.

نعم، ذكرنا أن عنونة الأميني أقرب للصحّة وأكثر تناسباً، أما ما فعله آل زهوي فلا نعلم هل هو تصرّف منه أم اختلاف في النسخ الخطيّة تبعاً للنسّاخ.. الله العالم.

([22]) النسائي, أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب, خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب, تحقيق: الداني بن منير آل زهوي, المكتبة العصرية, صيدا ـ بيروت, وأرقام الروايات حسب التسلسل أعلاه: 100- 101- 102, ص86.

([23]) ابن حنبل, أبو عبد الله أحمد بن محمد, فضائل الصحابة, حقّقه وخرّج أحاديثه: وصي الله بن محمد عباس, دار ابن الجوزي, طبعه جديدة منقحة, ج2, ص196, الرقم 948.

([24]) المصدر السابق.

([25]) الذهبي, أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد, سير أعلام النبلاء, مؤسسة الرسالة, ج17، حقّقه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط ومحمد نعيم العرقسوسي, ط1، 1983، ص169.

([26]) المصدر السابق: ج8, (حقّق هذا الجزء: محمد نعيم العرقسوسي), ص335.

([27]) النجم: 3.

([28]) سيتضح لاحقاً إن شاء الله أن هناك أخباراً كثيرة في نفس هذا المضمون أو قريبة منه نظير: >من آذى علياً فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله< أو كقوله: >من سبّ علياً فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله<.

([29]) السيوطي, جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر, تاريخ الخلفاء, عني بتحقيقه: إبراهيم صالح, دار صادر بيروت, ص206.

([30]) السيوطي, جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر, الجامع الصغير من حديث البشير النذير, تحقيق: مهدي الدمرداش محمد, مكتبة نزار مصطفى الباز, ج4, ص 1667, رقم الحديث 8319.

([31]) المصدر السابق.

([32]) الألباني, محمد ناصر الدين, سلسلة الأحاديث الصحيحة، مصدر سابق, ج3, ص287-288, الحديث 1299.

([33]) كون الإمام علي عليه السلام ميزاناً لقبول الأعمال من المواضيع التي وردت فيه عدة روايات، ونحن لسنا الآن بصدد نقل تلك الروايات، إنما نحاول استخراج نفس المضمون الذي صرّحت به كنتيجة طبيعية للحديث محلّ البحث.

([34]) التوبة: 101.

([35]) الأحزاب: 11-12.

([36]) النساء: 61.

([37]) قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء (مصدر سابق: ج15/ ص13): >الحميري الإمام الفقيه العلّامة, قاضي الكوفة أبو الحسن علي بن محمد بن هارون الحميري الكوفي الحافظ<.

([38]) الحميري, أبو الحسن علي بن محمد بن هارون بن زياد, جزء علي بن محمد الحميري, تحقيق ودراسة وتخريج: عبد العزيز بن سليمان بن إبراهيم البعيمي, مكتبة الرشد, الرياض, ط1, 1418, ص97, الحديث 38.

([39]) الذهبي, أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد, الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة, تحقيق: فريد عبد العزيز, دار الحديث, القاهرة, 1429- 2008, ج3, 230.

([40]) ابن حجر العسقلاني, أحمد بن علي, تقريب التهذيب, مع التوضيح والإضافة من كلام الحافظين المزِّي وابن حجر أو من مآخذهم, حقّقه وعلّق عليه ووضّحه وأضاف إليه: أبو الأشبال صغير أحمد شاغف الباكستاني, تقديم: بكر بن عبد الله أبو زيد, دار العاصمة للنشر والتوزيع, الطبعة الثانية, 1423هـ, ص395, رقم الترجمة: 2464.

([41]) الحميري, جزء علي بن محمد الحميري, مصدر سابق, ص74, الهامش3.

([42]) المصدر السابق: ص97, الهامش4.

([43]) ابن حجر العسقلاني, تقريب التهذيب, مصدر سابق, ص166, رقم الترجمة 672.

([44]) ابن حنبل, أبو عبد الله أحمد بن محمد, فضائل الصحابة، حقّقه وخرج أحاديثه: وصي الله بن محمد عباس, طبعة جديدة منقحة, دار ابن الجوزي, المملكة العربية السعودية, ط2, 1420- 1999, ج1, 715, الحديث 979.

([45]) المصدر السابق, ص792, الحديث 1086.

([46]) الترمذي, أبو عيسى محمد بن عيسى, الجامع المختصر من السنن, [أدرج فيها أحكام الألباني], اعتنى به فريق بيت الأفكار الدولية, ص 581, الحديث 3717.

([47]) المصدر السابق, وكذا راجع: الألباني, محمد ناصر الدين, ضعيف سنن الترمذي, مكتبة المعارف للنشر والتوزيع, الرياض, الطبعة الأولى للطبعة الجديدة, 1420- 2000, ص424, الحديث 3717.

([48]) الترمذي, محمد بن عيسى, الجامع المختصر من السنن, مصدر سابق, ص608.

([49]) الوادعية, أم شعيب, الصحيح المسند من فضائل أهل بيت النبوة, إشراف وتقديم : أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي, دار الآثار للنشر والتوزيع , ط1, 1421- 2000, ص 63 (نقلت الحديث برواية أبي سعيد الخدري).

([50]) المصدر السابق, ص4.

([51]) ابن تيمية، أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، تحقيق: محمد رشاد سالم, مؤسسة الرسالة, ط1، 1406ـ1986، ج7، ص137 -138.

([52]) المصدر السابق: ج7, ص147.

([53]) راجع: الألباني, محمد ناصر الدين, سلسلة الأحاديث الصحيحة، مصدر سابق, ج1, ق1, ص319, في ذيل الحديث 166.

([54]) إعراض البخاري عن هذا الحديث يفسح المجال للتساؤل والنظر لدى الباحث في سبب ذلك وعلته, وهو سؤال حجمه بحجم التاريخ المأساوي الطويل الذي عاناه أهل البيت عليهم السلام فلماذا يا ترى أهمل البخاري رواية ما اتفق المسلمون على نقله وتصحيحه؟ لندع القارئ الكريم يفكّر في ذلك.

([55]) ابن تيمية, منهاج السنّة النبوية، مصدر سابق، ج7, ص147- 148.

([56]) ابن حنبل, أبو عبد الله أحمد بن محمد الشيباني, مسند الإمام أحمد ابن حنبل, (حقّق هذا الجزء: شعيب الأرنؤوط, وعادل مرشد)، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، ط1، 1416ـ1995, ج2, ص71- 72. رقم الحديث: 642.

يبدو أن موقف الدارقطني الموضَح أعلاه ينبع من شعوره بجسامة ما يخلّفه إخراج مسلم لهذا الحديث في صحيحه من دلالات محرجة ومآزق كبيرة في تقييم مواقف المناوئين للإمام علي عليه السلام في التاريخ الإسلامي، سواء صدرت هذه المواقف من الصحابة والتابعين المعاصرين للإمام أم ممن جاء بعدهم من أبناء المجتمع المسلم، ولذا نجده يشير للبخاري الذي أغناه في صحيحه عن ولوج هذه >الورطة<.

([57]) منهاج السنّة النبوية، مصدر سابق، ج5, ص42.

([58]) المصدر السابق.

([59]) الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن البيع, المستدرك على الصحيحين، وبذيله: التلخيص للحافظ الذهبي, دار المعرفة, بيروت, 1418هـ . النسخة المصورة على الطبعة الهندية: ج3, ص130.

([60]) المصدر السابق.

([61]) الوادعي, مقبل بن هادي, الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين, دار الآثار, صنعاء, ج1, ص373, الحديث 442.

([62]) ابن عبد البر, أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد, الاستيعاب في معرفة الأصحاب, تحقيق: علي بن محمد البجاوي, دار الجيل, بيروت, ط1, 1412, ج3, ص1101.

([63]) الألباني, محمد ناصر الدين, صحيح سنن ابن ماجه, مكتبة المعارف للنشر والتوزيع, الرياض, الطبعة الأولى للطبعة الجديدة ، 1417ـ 1997، ج1, ص14.

([64]) وهذا ما فعله الألباني تحديداً إذ بالرغم من تضعيفه سند حديث سلمان إلا أنه جعله شاهداً على الحديث الصحيح عنده وهو قول النبي: (من أحبَّ علياً فقد أحبَّني، ومن أحبَّني فقد أحب الله عزَّ وجلَّ [...]) المرويّ عن أم سلمة. راجع: الألباني, سلسلة الأحاديث الصحيحة, مصدر سابق, ج3, ص287- 288, الحديث 1299.

([65]) منهاج السنّة النبوية, مصدر سابق، ج4, ص 298.

([66]) المصدر السابق, ج7, ص 149.

([67]) إنما أقول إن ابن حجر لا يخرج عن الإطار العام لمدرسة ابن تيمية ، لأنه يعتمد نفس المعايير التي يسير عليها ابن تيمية في تعاطيه مع الحديث المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله ومع نقلة هذا الحديث من الرواة، لاسيّما في الأحاديث التي يكون موضوعها فضائل علي بن أبي طالب عليه السلام وأهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام , وللقارئ الكريم أن يراجع النص التالي الذي يوضح هذه الحقيقة, قال ابن حجر ما يلي: >وقد كنت أستشكل توثيقهم الناصبي غالباً وتوهينهم الشيعة مطلقاً ولاسيّما أن علياً ورد في حقّه (لا يحبّه إلا مؤمن ولا يبغضه إلَّا منافق). ثم ظهر لي في الجواب عن ذلك أن البغض ها هنا مقيد بسبب وهو كونه نصر النبي صلى الله عليه وسلم لأن من الطبع البشري بغض من وقعت منه إساءة في حقّ المبغض، والحبّ بعكسه، وذلك ما يرجع إلى أمور الدنيا غالباً، والخبر في حبّ علي وبغضه ليس على العموم، فقد أحبّه من أفرط فيه حتى ادّعى أنه نبيّ، أو أنه إله - تعالى الله عن إفكهم- والذي ورد في حقّ علي من ذلك قد ورد مثله في حقّ الأنصار وأجاب عنه العلماء: إن أبغضهم لأجل النصر كان ذلك علامة نفاقه، وبالعكس، فكذا يقال في حقّ علي، وأيضاً فأكثر من يوصف بالنصب يكون مشهوراً بصدق اللهجة والتمسّك بأمور الديانة، بخلاف من يوصف بالرفض فإن غالبهم كاذب ولا يتورّع في الأخبار، والأصل فيه أن الناصبة اعتقدوا أن علياً رضي الله عنه قتل عثماناً أو كان أعان عليه، فكان بغضهم له ديانة بزعمهم، ثم انضاف إلى ذلك أن منهم من قُتلت أقاربه في حروب علي.

راجع: ابن حجر العسقلاني, أبو الفضل أحمد بن علي, تهذيب التهذيب, باعتناء: إبراهيم الزيبق وعادل مرشد, مؤسسة الرسالة, دمشق, ط1, 2008, ج3, ص480.

([68]) ابن حجر العسقلاني, أحمد بن علي, لسان الميزان, اعتنى به: عبد الفتاح أبو غدة, مكتب المطبوعات الإسلامية, بيروت, ط1, 1423- 2002, ج8, ص 551- 552, رقم الترجمة: 2619.

([69]) منهاج السنّة النبوية، مصدر سابق, ج7, ص 152- 153.

([70]) الحجرات: 14.

([71]) الفتح: 10.

([72]) آل عمران: 144.

([73]) الحجرات: 15.

([74]) آل عمران: 144.

([75]) الفتح: 18.

([76]) الفتح: 19.

([77]) الفتح: 29.

([78]) التوبة: 100.

([79]) التوبة: 101.

([80]) الحجر: 91.

([81]) التوبة: 100.

([82]) آل عمران: 195.

([83]) التوبة: 117.

([84]) التوبة: 25- 26.

([85]) الأنفال: 72.

([86]) الأنفال: 74.

([87]) المائدة: 27.

([88]) الحشر: 8- 10.

([89]) الحجرات: 15.

([90]) القشيري النيسابوري, أبو الحسين مسلم بن الحجاج, صحيح مسلم, حقّقه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه: مسلم بن محمد عثمان السلفي الأثري, قدم له وقرضه: محمد مصطفى الزحيلي, دار الخير, ج4, كتاب الفضائل, ص119, الحديث: 2294.

([91]) المصدر السابق: الحديث 2295.

([92]) المصدر السابق: ص121, الحديث 2297.

([93]) البخاري, أبو عبد الله محمد بن إسماعيل, الجامع الصحيح, قام بشرحه وتصحيح تجاربه وتحقيقه, محب الدين الخطيب, أتمّ كتبه وأبوابه وأحاديثه واستقصى أطرافه: محمد فؤاد عبد الباقي, نشره وراجعه وقام بإخراجه وأشرف على طبعه: قصي محب الدين الخطيب, المكتبة السلفية, القاهرة, ط1, 1400, ج4, ص206, الحديث 6584.

([94]) المصدر السابق: الحديث 6585. وقد ورد في نسخة ابن حجر العسقلاني في كتابه (فتح الباري): (على أعقابهم) وهو ما يوافق لفظ الآية الكريمة {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران: 144) وعدم إشارة محقّقي الكتاب إلى ذلك لا يخلو من تأمل، راجع: ابن حجر العسقلاني, أحمد بن علي, فتح الباري شرح صحيح البخاري, عني بإخراجها: عبد العزيز بن عبد الله بن باز, قام بإكمال التعليقات بتكليف وإشراف من ابن باز تلميذه: علي بن عبد العزيز الشبل, ورقَّم كتبها وأبوابها وأحاديثها: محمد فؤاد عبد الباقي, دار السلام, الرياض, ط1, 1421- 2000, ج11, ص 577.

([95]) المصدر السابق, ص 206- 207, الحديث 6587.

([96]) آل عمران: 144.

([97]) راجع مادة (زمر) في معاجم اللغة العربية.

([98]) فتح الباري شرح صحيح البخاري، مصدر سابق، ج11، ص 578.

([99]) المصدر السابق.

([100]) ابن بابويه القمي، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين، عيون أخبار الرضا، صحّحه وقدّم له وعلّق عليه: حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط1، 1404 هـ-1984 م: ج1، ص30 و92.

([101]) الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق، الأصول من الكافي، صحّحه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط3، 1388 هـ: ج1، ص196، 197، 198.

([102]) أبو يعلى الفراء البغدادي الحنبلي, القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعل, طبقات الحنابلة, حقّقه وقدّم له وعلّق عليه: عبد الرحمن بن سليمان العُثيمين, الرياض, 1419- 1999: ج2, ص358.

([103]) سوف أتحدّث عن هذا الحديث بنحو أكثر تفصيلاً في فرصة لاحقة، أما الآن فأكتفي بالإشارة إلى أن العلامة الألباني صحَّح هذا الحديث, راجع: الألباني, محمد ناصر الدين, سلسلة الأحاديث الصحيحة, مصدر سابق: ج4, ص329, الحديث 1749.

([104]) المنافقون: 1.

([105]) تراجع سلسلة محاضرات >الأطروحة المهدوية<.

([106]) الحشر: 11.

([107]) من المهمّ أن يلاحظ القارئ أن هذه الآية (الحشر: 11) جاءت في سياق سلسلة من أهمّ الآيات (من الآية 8 إلى 10) التي يتمسّك بها البعض في الدعوة إلى مقولة >عدالة الصحابة< وكأن النص القرآني يريد الإشارة إلى نقطتين في آن: الأولى دعوة المسلمين للدعاء بالخير لإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان، والثانية: التبري من المنافقين الذين آخت الآية القرآنية بينهم وبين الكفار من أهل الكتاب. وهذه نقطة في غاية الأهمية يجدر بالقارئ الالتفات إليها.

([108]) يتضح للقارئ ذلك (أي أن دوافع هذه الأقوال إنما هي لطمس الحقيقة وتشويه سمعة مذهب أهل البيت عليهم السلام) إذا عرف أن من استشهد من الصحابة مع أمير المؤمنين عليه السلام في معركة صفين وحدها تجاوز عددهم السبعين صحابياً, هذا دون أن نذكر من ناصره من الصحابة ووقف إلى جانبه في معاركه عليه السلام أو غيرها من المشاهد, فكيف بوسع الشيعي أن يقول بكفر وارتداد جميع الصحابة أو جلّهم. على أن التمسّك بأمثال هذه الروايات في النقاش دون فحص أسانيدها وموقف العلماء منها ما هو إلا تلبيس على القارئ غير المتخصص وتضليل له، وقد لاحظ القارئ الكريم أننا اشترطنا في بداية هذا البحث وغيره من بحوث هذه السلسلة أن لا نأخذ بحديث أو نعتمد عليه قبل التدقيق في موقف علماء أهل السنّة وبيان قبولهم واعتمادهم عليه. هذا مع أن الارتداد الوارد في أمثال هذه الأحاديث ليس المقصود منه الخروج على الدين الإسلامي ونكرانه وإنما يقصد به رفض بعض ضروريات الدين الإسلامي ونكران بعض ركائزه المهمّة، كما هو الحال مع الروايات السنية التي ذكرناها سابقاً والتي نصّت على هذه الفكرة ... وللموضوع تفاصيل أُخر لا يسعها هذا المختصر نرجو أن تتاح لنا الفرصة لاحقاً لمناقشتها بنحو أكثر عمقاً وإسهاباً.

([109]) ابن ماجه القزويني, أبو عبد الله محمد بن يزيد, السنن, حقَّقه وضبط نصَّه وخرَّج أحاديثه وعلّق عليه: شعيب الأرنؤوط, وعادل مرشد ومحمد كامل قره بللي وعبد اللطيف حرز الله, الرسالة العالمية, دمشق, ط1, 1430, ج1, ص88, الحديث 121.

([110]) المصدر السابق.

([111]) الألباني, محمد ناصر الدين, صحيح سنن ابن ماجه, مصدر سابق, ج1, ص58.

([112]) من تلك المحاولات ما فعله المباركفوري في شرحه لجامع الترمذي, حيث احتمل أن سعداً كان في طائفةٍ يسبّون علياً وأن الحديث لا يحمل تصريحاً بأن معاوية أمر سعداً بسبّ عليٍّ, راجع: المباركفوري, أبو العُلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم, تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي, دار الكتب العلمية, بيروت, ط1, 1410- 1990, ج10, ص156- 157.

([113]) ليعلم القارئ أن منطق >إحسان الظن< في الشخص الذي ينال من الإمام عليه السلام لا نجده يوظَّف مع الجميع على مستوى واحد، ففي معاوية مثلاً نجد هذا المنطق يؤتي ثماره دائماً، أما مع غيره ففي الأمر تفصيل! كما هو الحال مع مجموعة من رجالات النصب الذين تعرَّضت كتب الجرح والتعديل لذكرهم؛ فإن هذا المنطق يتعطّل بعض الأحيان عن العمل! ويفسح المجال لـ>بعضٍ< الطعن في العقيدة ويتصاعد الأمر حتى يصل إلى عدم الأخذ بروايتهم، ومن هنا فلا ندري ما سرّ خصوصية معاوية في (إحسان الظن) الدائم هذا! وما حقيقته، أهي الدوافع الأخلاقية المحضة أم هو الدفاع عن شخص معاوية وما يمثِّله من نظام سياسي وقيمي؟!

انظر مثلاً ما قاله رجال الجرح والتعديل بحقّ: الصلت بن دينار الأزدي البصري، وأزهر بن عبد الله الحرازي، وحريز بن عثمان الرحبي المشرقي، ولمازة بن زبار الأزدي الجهضمي، وعبد الله بن سالم الأشعري، وعبد الله بن شقيق العقيلي، ونعيم بن أبي هند الأشجعي وغيرهم.

([114]) السندي, أبو الحسن محمد بن عبد الهادي التتوي, شرح سنن ابن ماجه, وبحاشيته: تعليقات مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه, للإمام البُوصيري, حقّق أصوله وخرّج أحاديثه على الكتب الستة ورقمه حسب المعجم المفهرس وتحت الإشراف: خليل مأمون شيحا, دار المعرفة - بيروت, ط3, 1420, ج1, ص86.

([115]) راجع: ابن أبي الحديد المدائني، أبو حامد عز الدين عبد الحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، ط1، 1379- 1959، ج5، ص 78.

([116]) أبو شيبة العبسي الكوفي، أبو بكر عبد الله بن محمد (159-235)، المصنّف، حقّقه وقوّم نصوصه وخرّج أحاديثه: محمد عوّامة، دار القبلة، ج17، ص101، الحديث 32741.

([117]) المصدر السابق.

([118]) الذهبي، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، أشرف على تحقيق الكتاب وخرّج أحاديثه: شعيب الأرنؤوط، حقّق هذا الجزء: محمد نعيم العرقسوسي ومأمون صاغرجي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1402- 1992، ج3، ص128.

([119]) لقد عرّف محقّق كتاب الذهبي >النصب< فقال: >الناصبة، وهم: المنافقون والمتديّنون ببغض علي< فهؤلاء لا يبغضون علياً عليه السلام فقط بل ويتديّنون ويتقرّبون إلى الله ببغض علي عليه السلام. راجع: الذهبي، شمس الدين، سير أعلام النبلاء، مصدر سابق، ج4، (حقّق هذا الجزء: مأمون الصاغرجي)، ص37. وهو ما ذكره ابن تيمية أيضاً، راجع: منهاج السنّة النبوية، مصدر سابق، ج4، ص554. حيث نصّ على أن النصب هو بغض علي عليه السلام وأولاده.

([120]) الذهبي، شمس الدين، سير أعلام النبلاء، مصدر سابق، ج3، ص128.

([121]) الذهبي، شمس الدين، سير أعلام النبلاء، مصدر سابق، ج3، ص128.

([122]) الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح سنن النسائي، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى للطبعة الجديدة، 1419-1998، ج2، ص343، الحديث 3006، وقد صحح هذه الرواية أيضاً صاحب (التعليقات السلفية على متن النسائي) ج1، ص264.

([123]) سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية نور الدين السندي،حقَّقه ورقَّمه ووضع فهارسه: مكتب تحقيق التراث الإسلامي، دار المعرفة ، بيروت ، ج5، ص279.

([124]) ابن كثير، البداية والنهاية، مصدر سابق، ج17، ص375.

([125]) انظر ترجمته في: الزركلي، خير الدين بن محمود الدمشقي، الأعلام، دار العلم للملايين، ط15، 2002م، ج6، ص204.

([126]) المناوي، محمد المدعو عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي الحدادي القاهري، فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير، ضبطه وصحَّحه: أحمد عبد السلام، منشورات محمد علي بيضون ودار الكتب العلمية، بيروت، 1422هـ- 2001: مج 3، ص19-20، الحديث رقم 2631.

([127]) ابن تيمية, أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، منهاج السنة النبوية, تحقيق: محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، ط1، 1406هـ ـ 1986م، ج7، ص55. أما ادعاء ابن تيمية أن أكثر السابقين الأولين كانوا من القعود، فهو واحد من تلبيساته وتشويهاته للتاريخ الإسلامي، وسوف يتضح في محلّه أن الصحيح هو أن أغلب من بقي من الصحابة، لا سيَّما السابقين الأولين، كانوا مع الإمام علي عليه السلام في حروبه. ولكي لا ينتظر القارئ الكريم كثيراً ما سيأتي من تحقيقنا لهذا الموضوع، أكتفي الآن بنقل ما سطَّره قلم أحد الباحثين المعاصرين من أهل السنّة؛ إذ قال في معرض حديثه عن أدلة أحقية الإمام علي عليه السلام وصوابه في حروبه مع معاوية - بعد أن وصفها بـ >الكثيرة< وأن أظهرها وأصرحها الحديث النبوي: >تقتل عمّاراً الفئة الباغية<- >إنه لم يكن مع معاوية إلا القليل من الصحابة< ثم فسَّر عبارته هذه بقوله:

>قلتُ: قليل من الصحابة؛ لأنه لم يكن معه إلا عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، والنعمان بن بشير، ومعاوية بن حُدَيْج، ومسلم بن مخلد، في آخرين قلائل. بينما كان مع سيدنا علي رضي الله عنه سبعون بدرياً، وسبعمئة من أهل بيعة الرضوان، وأربعمئة من سائر المهاجرين والأنصار...<.

راجع: التليدي، أبو الفتوح عبد الله بن عبد القادر، الأنوار الباهرة بفضائل أهل البيت النبوي والذرية الطاهرة، مكتبة الإمام الشافعي ودار ابن حزم، ط1، 1417هـ، ص69.

([128]) انظر مثلاً: منهاج السنة، مصدر سابق: ج7، ص210. ومجموعة الفتاوى، اعتنى بها وخرَّج أحاديثها: عامر الجزار وأنور الباز، دار الوفاء، ط5، 1426 هـ ـ 2005 م: ج4، ص276 وص298.

([129]) ابن تيمية، منهاج السنة, مصدر سابق: ج5، ص466.

([130]) الذهبي، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، سير أعلام النبلاء، تحقيق: مجموعة من الباحثين بإشراف شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط3، 1405هـ ـ 1985م، ج 5، ص 374.

([131]) ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي العسقلاني, فتح الباري بشرح صحيح البخاري, قرأ أصله تصحيحاً وتحقيقاً وأشرف على مقابلة نسخه المطبوعة والمخطوطة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رقّم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصحَّحه وأشرف على طبعه: محبّ الدين الخطيب، دار المعرفة ـ بيروت، 1379، ج7، ص71، باب مناقب علي بن أبي طالب.

([132]) الأنوار الباهرة بفضائل أهل البيت النبوي والذرية الطاهرة، مصدر سابق: ص6.

([133]) القشيري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم, اعتنى به: أبو صهيب الكرمي، بيت الأفكار الدولية، 1419هـ ـ 1998م، ص979، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب، الحديث 2404.

([134]) النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف بن مري، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، المطبعة المصرية بالأزهر، ط1، 1347هـ ـ 1929م، ج15، ص 175-176. وعنه: المباركفوري، محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ضبطه وراجع أصوله وصحّحه: عبد الرحمن محمد عثمان، طبعة دار الفكر، ج10، ص228، الحديث 3808.

([135]) حيث قال: (وأما حديث سعد لما أمره معاوية بالسبّ فأبى...)، راجع: منهاج السنة النبوية، مصدر سابق: ج5، ص42. وقد ردّ بعض شرَّاح صحيح مسلم المعاصرين محاولة النووي فقال:

>ويحاول النووي تبرئة معاوية من هذا السوء فيقول: ...< وبعد أن ينقل عبارة النووي التي ذكرناها أعلاه يقول: >وهذا تأويل واضح التعسّف والبعد، والثابت أن معاوية كان يأمر بسبّ علي، وهو غير معصوم، فهو يخطئ، ولكننا يجب أن نمسك عن انتقاص أيٍّ من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وسبّ علي في عهد معاوية صريح في روايتنا التاسعة<. راجع: لاشين، موسى شاهين، فتح المنعم شرح صحيح مسلم، دار الشروق، ط1، 1423هـ ـ 2002م، ج9، ص332. وعبارته الأخيرة يشير بها إلى الرواية الأخيرة من (باب فضائل علي بن أبي طالب) في صحيح مسلم.

([136]) الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد، المستدرك على الصحيحين، طبعة متضمّنة انتقادات الذهبي، وبذيله: (تتّبع أوهام الحاكم التي سكت عنها الذهبي) لأبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع ـ القاهرة، ط1، 1417هـ ـ 1997 م، ج1، ص 536، الحديث 1420. وهذا الحديث صحَّحه الذهبي والوادعي (راجع المصدر أعلاه) والألباني أيضاً (انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، مكتبة المعارف ـ الرياض، ج5، ص520، الحديث 2397)، قال الأخير: وقال [الحاكم]: >صحيح على شرط مسلم<، ووافقه الذهبي. قلتُ: وهو كما قالا).

([137]) ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجة، حكم على أحاديثه وآثاره وعلَّق عليه العلاَّمة المحدِّث محمد ناصر الدين الألباني، طبعة مميّزة بضبط نصّها مع تمييز زيادات أبي الحسن القطان ووضع الحكم على الأحاديث والآثار وفهرست الأطراف والكتب والأبواب، اعتنى به: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، مكتبة المعارف ـ الرياض، ط1، ص 37، الحديث 121.

وهذا الحديث يسلّط الضوء على الحديث المتقدّم في الشاهد الأول الذي حاول بعض الشرّاح التلاعب في دلالته كما أوضحنا سابقاً.

([138]) الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم, دار المعارف بمصر، ط2, ج5, ص253-254.

([139]) الذهبي، سير أعلام النبلاء، مصدر سابق: ج3، ص31.

([140]) الذهبي، سير أعلام النبلاء، مصدر سابق، ج10، ص ص400-401 .

([141]) المصدر السابق: ج10، ص401.

([142]) ابن عبد ربه، أبو عمر أحمد بن محمد الأندلسي، العقد الفريد، تحقيق: عبد المجيد الترحيني، دار الكتب العلمية ـ بيروت، ط1، 1404هـ ـ 1983م، ج5، ص114.

([143]) العلايلي، عبد الله، الإمام الحسين (الحلقة الأولى: سموّ المعنى في سموّ الذات، أو أشعّة من حياة الحسين)، دار مكتبة التربية - بيروت، طبعة جديدة، 1986م، ص31.

([144]) المصدر السابق: ص55-56.

([145]) المقريزي، أبو العباس تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر، النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم (وبذيله رسالة العلامة محمد بن عقيل العلوي: فصل الحاكم في النزاع والتخاصم)، إعداد وتعليق: صالح الورداني، الهدف للإعلام والنشر، [1999م]، ص 31.

([146]) المصدر السابق: ص 32.

([147]) ابن حجر أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي العسقلاني، هدي الساري مقدّمة فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق وتعليق: عبد القادر شيبة الحمد، الرياض، ط1، 1421هـ ـ 2001، ص 483.

([148]) المصدر السابق.

([149]) المصدر السابق: ص 456.

([150]) الذهبي، سير أعلام النبلاء، مصدر سابق، ج 17، ص 165.

([151]) الذي تعجَّب الذهبي من إخراج الحاكم له (والحاكم يصرَّح -كما نقل الحكاية عنه الذهبي هنا وفي تذكرة الحفاظ- أنه لو صحّ هذا الحديث لما كان أحد أفضل من عليّ بعد النبي) مع أن ظاهر عبارة الذهبي هنا أنه نفسه يصحّح هذا الحديث (انظر: سير أعلام النبلاء: ج17، ص168-169)، وقد قال في كتابه (تذكرة الحفّاظ): >وأما حديث الطير، فله طرق كثيرة جداً قد أفردتها بمصنّف، ومجموعها يوجب أن يكون الحديث له أصل< (راجع: تذكرة الحفاظ، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1، 1419هـ ـ 1998م، ج3، ص 164) ومع ذلك فهو يصف ما حكي عن الحاكم بشأن هذا الحديث بأنه >حكاية قوية!< ( سير أعلام النبلاء: ج17، ص 169).

ومن الطريف أن الذهبي - وهو يستعرض الأحاديث التي أنكر على الحاكم تصحيحها في فضائل علي عليه السلام- يتعرّض لحديث: (لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) فيقول فيه: >وهذا أشكل الثلاثة [الحديثان الآخران هما: حديث الطير وحديث: من كنت مولاه فعلي مولاه] فقد أحبّه قوم لا خلاق لهم، وأبغضه بجهل قوم من النواصب، فالله أعلم< (سير أعلام النبلاء: ج17، ص169) في حين إن شبيه هذا الحديث ورد في أبي بكر وعمر مرفوعاً عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: >لا يبغض أبا بكر وعمر مؤمن، ولا يحبّهما منافق<. وقد اكتفى الذهبي بالتعليق عليه بالقول إن >متن الحديث حقّ لكنَّه ما صحّ مرفوعاً<!! ولم ير في معناه أيّ مشكلة! وقد علَّق على هذا الحديث محقّق هذا الجزء من كتاب (سير أعلام النبلاء) أكرم البوشي بقوله: اتفق النقّاد على تكذيبه كما قال الحافظ في (التقريب). راجع: (سير أعلام النبلاء: ج16، ص216).

([152]) الذهبي، سير أعلام النبلاء، مصدر سابق: ج 17، ص174-175.

([153]) المصدر السابق: ج 14، ص 127.

([154]) المصدر السابق: ج 14، ص 129.

([155]) المصدر السابق: ج 14، ص 132. وقد صحَّح الذهبي محلّ وفاته فقال: (وصوابه: إلى الرملة).

([156]) المصدر السابق: ج 9، ص 553-557، رقم الترجمة: 215.

([157]) المصدر السابق: ج 9، ص 555 و556.

([158]) منهاج السنة النبوية، مصدر سابق: ج5، ص466.

([159]) المصدر: ج7، ص442.

([160]) منهم على سبيل المثال لا الحصر: عمر بن سعد بن أبي وقَّاص، وعروة بن الزبير وولده هشام بن عروة، وعوانة بن الحكم الكلبي، وحريز بن عثمان الرَّحَبِي الحِمْصي، وأزهر بن عبد الله بن جميع الحرازي، ولمازة بن زبار الأزدي الجهضمي، وعامر بن عبد الله بن قيس الأشعري، وقيس بن أَبي حازم البَجَلِي الكوفي، وعمران بن حطان بن ظبيان السدوسي، وعبدالله بن شقيق العُقيلي، ومغيرة بن مِقْسَم الضَّبِّي(مولاهم) الكوفي... وغيرهم الكثير. وبوسع القارئ العودة إلى كتب التراجم ليرى بنفسه توثيق هؤلاء ومدحهم والثناء عليهم.

([161]) العلوي، محمد بن عقيل الحسيني الحضرمي، العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل، إعداد وتعليق: صالح الورداني، الهدف للإعلام والنشر، ص13-14.

 

آخرین به روز رسانی در جمعه ۱۷ خرداد ۱۳۹۲ ساعت ۱۴:۰۹
 
طراح و برنامه نویس: اکین